Friday, November 25, 2011
الرقص مع المشير
Thursday, June 26, 2008
كارثة المترو
الحقيقة أنني - ومن موقعي كهذا كسائق عربة - صرت أتعامل مع كل مايخص العالم الخارجي (خارج العربة) بنفس المنطق الذي يتعامل به الأمريكان مع مايحدث في العالم خارج حدودهم الجغرافية ... تماما كجزيرة معزولة .. التوقف .. السير البطيء ... السير المتهور الذي يرج العربة رجا ... الفرملة .. التوقف .. فتح الأبواب و وانتظار بضع ثوان للتحميل .. كل ذلك صار روتينا يبدأ وينتهي عند نفس النقطة ... تلك التي لاتعلم بدايتها من نهايتها ولاتعلم ماهو الحدث الذي بدأ تلك الدائرة الطويلة الأبدية... تماما كما تجهل لمن كانت الأسبقية في الدخول لهذا العالم ..الدجاجة أم البيضة...0
"الأستاذ المحترم اللي ماسك الباب "
بصرامة أردد في مكبر الصوت لافتا نظر الراكب الممسك بالباب مانعا اياه من رحلة الانغلاق .. ربما يفعلها بدافع الشهامة .. بدافع الاستظراف .. دوافع لاتهمني في الوقت الحالي , ولايعنيني منها سوى أنني لاأملك متابعة السير وهو يعيق الباب بانتظار مرور مصر كلها لاتخام العربة
أنور السادات .. جمال عبد الناصر ... أحمد عرابي ... مبارك
يالله!!! متى يغيرون أسماء المحطات من باب دفع الملل على الأقل؟!0
(مطلوب رجال أمن)
انعزالي في عالم الطريق المرسوم ولوحات المحطات والأزرار والأنوار الملونة جعلني أرجيء رؤيتي لذلك الاعلان لحين فترة المساء والسهرة ... أعني بالتحديد تلك اللحظة التي أقرر فيها أن رحلة العودة للمنزل قد حانت .. وأنني صرت حرا خارج قيود قضبان المترو ... لطالما أحببت المناوبات المسائية ... عالم الليل لازال هادئا مريحا تدعمه الأنوار الصناعية الزاعقة بعيدا عن حر الشمس وزحام الناس المحموم لللحاق بأعمالهم ... في الصباح يكونون أكثر قلقا , أقصر فتيلا , أكثر سعارا بفعل الضغوط التي يولدها الحر .. والشمس .. وعقارب الساعة المتحركة ببطء نحو موعد الامضاء في دفاتر الحضور
(مطلوب رجال أمن)
في الفترة السابقة .. بدأت تزداد المعارك على بوابات المرور ... لازال الناس يحاولون التحايل على بصيرة المراقب ويفرون من قطع التذاكر ... البعض يستغل العابرين في أمان الله .. ويلتصقون بهم في لحظة المرور ليصيران كائنا واحدا ... رجل برأسين وأربع سيقان وخصرين ملتحمين التحاما مهينا... وعندما يعبر هذا الكائن الغريب الضفة الأخرى بنجاح , ينفصل الى اثنين من بني الانسان يقوم أحدهما بالاعتذار للآخر ويهرع للحاق بالعربة الموشكة على الرحيل
"لامؤاخذة ياأستاذ"
الجمهرة أمام الأبواب الاكترونية تعني أن أحدهم قد ضبط وهو يحاول التعامل مع البوابات كما يفعل الرياضين في سباق الحواجز
"عشرة جنيه يامحترم"
الغرامة الفورية عقوبة لابأس بها أبدا ... الغرامة بعشر أمثالها ... الرجل المضبوط يهلل ويقسم بأغلظ الأيمان أن التذكرة قد انحشرت في الجهاز وغاصت في أحشائه للأبد ... لكن المراقب المتحمس يجيد معرفة الكذب ويجيد تشخيص الأجهزة الشفاطة للتذاكر ويجيد تكرار الردود بشكل أكثر غلظة
"عشرة جنيه ياأكتع"
هذه المشاهد مألوفة متكررة لحد الملل ... وكان الاعلان عن الحاجة لرجال أمن لفتة طريفة من ادارة المترو لمحاولة السيطرة على محاولات التزويغ الناجحة من فخ التذاكر والغرامة والمراقب العريض
لكن الأكثر طرافة .. هو مابدأ يحدث في الأيام التالية
يخبرني رفاقي في المناوبات الصباحية (بحكم أنهم أقوى ملاحظة وأقرب لزحام الأحداث) بنتائج الاعلان ... أناس عاديين بمختلف المؤهلات بدأوا يتقدمون للادارة طمعا في الفوز بتلك الوظيفة ... أنا متأكد أني لم ألمح عبارة مثل (مرتبات مغرية) مرفقة بالاعلان... المدهش والمضحك أن من بين من يتقدمون لوظيفة رجال الأمن بعض المضبوطين بتهمة التهرب من دفع التذكرة
زوبعة قررت أنها ستمر في صمت .. سأعتادها كما اعتدت اضافة الخطوط في مسار الرحلة .. واضافة التعديلات على العربات .. واضافة الضرائب على الجميع ... في الأيام التالية بدأت أرى التغيير بدلا من السماع عنه من مناوبي الصباح
للمرة الأولى منذ تسلمت عملي بالمترو .. وجدت رجال أمن بملابس رمادية وهراوات سوداء ..ينتشرون في كل أجزاء المترو .. على منافذ التذاكر .. بوابات المرور .. أبواب الدخول الخارجية .. وحتى عربات المترو
واضح ان الادارة لم تكن تمزح بشأن الاعلان .. بعد فترة تحدد الطاقم الأمني الجديد للمترو .. وتولى قيادته أكبرهم سنا (وأكبرهم جسما وكفا بالمناسبة) .. اسمه (الكابتن عويس)0
المثير أن العساكر التقليدين .. أولئك السمر الغلابة ممصوصي القوام ذوي الزي العسكري الأبيض قد اختفوا نهائيا , كأن مشروع المترو لم يعد تابعا للحكومة .. فقررت رفع يدها عنه
يبدو أن المترو قد تمت خصخصته أخيرا!!0
هكذا!! .. بدون اشارات .. أو تمهيد أو عرض على مجلس الشعب؟... هل صارت الأمور هكذا تدار ... في السكون .. دون ضجيج حتى لايعترض أحد ؟!!! 0
"ياخوفي يابدران ليكون الدور علينا"
شلبي , زميلي الخائف دائما يستعيذ بالله ويبصق عن يساره ويمينه من باب زيادة التأكيد
"محدش عارف الشيطان بقى بيقعد في أنهي جنب دلوقتي"
حقا !!..الى أين نذهب لو قررت الادارة الجديدة التخلي عنا ؟.... ماذا يكون مصيرنا ... ؟... هل سيستعيضون عنا بمترو يعمل بالعقل الالكتروني ؟!!0
لكن الأيام التالية مرت بهدوء دون أن تظهر أي بادرة أو مؤشر لأي تبديل سوى في الحراسة
وقد بدأت الاحتكاكات بين الأمن وجمهور الركاب بعدما اطمأن الجميع لثبات أقدامهم في المكان .. وبعدما منحت الادارة رجال الأمن الجدد والكابتن عويس صلاحية مطلقة للسيطرة الأمنية الكاملة على المترو وضبط أي مخالفات
"تذكرتك ياأستاذي ..؟"
واحد من المضبوطين على البوابات متلبسا بمحاولة المرور قفزا .. يستوقفه حارسان في ظفر .. يتلجلج الرجل .. ان داء الانحراف لن يتوقف حتى تقوم الساعة
"فيه غلط ... التذكرة مرفوضة والباب مابيفتحش ..."
"طب بس وريهاني .."
"ياعم بقولك مرفوضة ... انا رميتها"
"انا اللعبة دي كنت بلعبها زمان ياروح أمك"
يمسك أحد الحارسين بياقة الرجل بشكل مهين .. ويبدأ في اجتذابه بعيدا عن البوابات ليبدأ الرجل في الصراخ
"أوعى.... نزل ايدك دي..."
يتملص الرجل محاولا الافلات .. والعبارات الغاضبة تتناثر من فمه .. وجمهور الركاب يتوقف للحظات متابعا الصراع في شغف ... تلك أشياء لاتراها كل يوم ... يهوي أحد الحارسين على وجهه بلطمة ألقته أرضا .. بينما الثاني يتناول هراوته السوداء وينقض بها ليختم الجولة
ضربة واحدة كافية لكن الحارس يستمر بالضرب عدة مرات .. ونظرة غريبة تلتمع في عينيه...0
لابد أن صدى الشهقات والتحطيم قد وصل لأسماع الكابتن عويس ليقترب من دوامة الأحداث ... ينظر للواقفين ثم يمسح المشهد بعينيه لتحليل الموقف ,ويتأمل الجسد المحطم النازف أرضا .. ينحني بجواره ليردد
"طول ماأمثالك موجودين عمر البلد دي ماهتنضف "
يأمر رجاله بطلب الاسعاف ... ثم ينظر لأكوام البشر المتناثرة في صرامة ليصيح
"يلا ياأفندية .. كل واحد يشوف مصلحته فين"
هؤلاء العساكر المتحمسين يشاهدون الكثير من الأفلام الأمريكية العنيفة ... لازالت آثار الدماء المخيفة على الأرض تغري بالتساؤل .. ماذا أفعل لو كنت مكانه؟ ... أين يذهب حقي؟ ... لا ...أنا لن أفعل هذه الأشياء المخزية .. ان الجنيه الذي تدفعه لثمن رخيص عندما تشتري به كرامتك
أشهد أن سيطرة الكاتن عويس ورجاله كانت فعالة في الحد من ظاهرة التزويغ .. لكن ... كم حادثا تحتاجه كل محطة من محطات المترو كي تندثر الظاهرة نهائيا ..؟!0
كان هذا هو الحادث الوحيد الذي رأيته رأي العين ... لكن كلاما يصلني من العربة خلفي مباشرة يؤكد لي الحقيقة ...
هذا ليس الحادث الوحيد ...0
أتذكر منظر الدماء .. ويقشعر بدني ... ثم أتناسى الأمر مرددا الشعار الوطني المحبب
مادام بعيد عن ......... كابينتي .. خلاص ...0
______________________________________
ثمة حارس جريح فاقد الوعي شوهد ملقى في الحمام وقد فقد عصاه
من يجروء؟!!0
لماذا سرقت العصا ؟!! .. ولماذا ضرب الحارس بتلك الوحشية ؟!!0
ثارت ثائرة الكابتن عويس ... ثمة تصعيد قد حدث ... ان من يضرب واحدا من رجاله هو رجل قررت شمس الغد ألا تطلع عليه .. لسوف يأتي به الكابتن عويس .. سيلتهمه كآكلي البشر الجوعى ,ويسترد هيبة جهاز الأمن في المترو ..... يتوعد ويهدد .. وينظر للناس نظرة شريرة .. كأن المجرم واحد مندس وسطهم .. ثم يذهب الى أحد المكاتب ... يغيب بداخله لدقائق ويخرج بعدها بنظرة توعد غاضبة ليقول
"اقفلوا المترو... خلاص .... مفيش ركوب .. مفقيش مصالح ..مشاوير النهاردة ... بح"
يذكره رجاله بأن اغلاق المترو واخلاؤه من رواده قد يكون عملا لاينطوي على الحكمة ... تضيق عيناه أكثر ليردد بحزم
"ومين قالك هانخلي المترو؟"
ينظر للجمهور المزدحم أمام البوابات ليكمل
"احنا هنقفل المترو ع اللي فيه"
لقد جن جنون الرجل ... وبات يتعامل مع الأمر كسرقة محل المجوهرات التي شاهدها كثيرا في الأفلام ... ان اللص بيننا وبحوزته جوهرة نجمة الصباح والتفتيش المنظم سيجعل وقوعه في أيدينا مسألة وقت
يغلق المترو؟!!!!0
كيف يفكر بالظبط هذا المخبول؟!!!0
لكن الدقائق التي مرت أكدت أنه جاد بدرجة كافية تسمح له بتنفيذ جنونه ...0
في سابقة فريدة توقفت عربات المترو في كل المحطات عن العمل في فترة الذروة ... ونزل الناس من العربات متسائلين بشأن ذلك النداء الذي خرج من مكبرات الصوت
"حضرات الركاب برجاء النزول من العربات ... حضرات الركاب برجاء ترك العربات"
الناس في حالة عدم وعي ... أكثرهم تفاؤلا ينتظر بالقرب من الباب باعتبار المسألة مسألة دقائق يعودون بعدها للنظام الذي ألفوه منذ عرفت أقدامهم طريق المترو
لكن الصدمة المباشرة كانت من نصيب أولئك الذين قرروا الخروج لسطح الأرض
كانت البوابات الخارجية مغلقة تماما
صار المترو سجنا كبيرا يضم التعساء الذين تصادف وجودهم داخله في ذلك الوقت
رجال الكابتن عويس يدورون بين الجمهور ويجردونهم من متاعهم ويفتشونها في غلظة ... ان هدفهم مجرد عصا سوداء يحملها الفاعل الشقي
اشتباكات جسدية صريحة بين الحراس والجمهور ... والضرب والصراخ صار مألوفا بعد ساعات
هذا اليوم لن ينتهي أبدا
بنشاط بالغ ينتقل الكابتن عويس بين المحطات ليصير هو الراكب الوحيد في المترو الذي يستطيع الانتقال بين محطة وأخرى في دقائق معدودة مهما بعدت المسافات كلما أبلغه رجاله بمشتبه فيه تم ضبطه في محطة ما... كنت تقريبا السائق التعس الذي انفرد به الكاتن عويس في أغلب الأوقات .. لنجري في عالم ماتحت الأرض .. في الممرات المظلمة الطويلة صارت خطوط المترو مسخرة بالكامل لخدمة رجل واحد ألهبه الغضب الحيواني المسعور
الحظ السيء هو ماجعلني أتوقف في نفس المحطة التي تواجد هو فيها لحظة اصداره القرار المتهور
مرت ساعاتان دون أن يتغير الوضع ... واعتراضات الناس ... تحولت مع الوقت لهمهمات معترضة غير واضحة المعالم ... وآخرين يئسوا من الاتصال بكبار البلاد الذي يعرفونهم في الخارج ... ان من يحتاج لوساطة .. لن يحصل عليها الا من داخل المترو
" يابخت من كان الكابتن عويس خاله"
الصوت المتحشرج يتصاعد من لاسلكي الكابتن عويس .. لتتضح معالمه بعد ثوان
" مشتبه فيه في محطة العتبة ياباشا"
__________________________
أحيانا أخاف من نفسي عندما أراقبها تتمادى في الخطأ بحجة تنفيذ الأوامر العليا .. ولو كنت أملك حق الاعتراض .. لفضّلت ترك العربة
__________________________
أوصلت الكابتن عويس لمحطة العتبة ... وسمحت لنفسي بالنزول لرؤية المتهم المضبوط
كان رجلا متوسط العمر قصير القامة أميل للبدانة .. يمسك بحقيبة رياضية لبنية اللون ويقف مقيدا وسط حشد من الحرس الظافرين .. وأحدهم يمسك بالحقيبة ليناولها للكابتن عويس الذي التقطها برصانة وقلب محتوياتها ليستخرج منها (ننشاكو) أسود اللون .. تأمله لدقيقة بين يديه بنظرة مستاءة ... ان رجاله البهائم لم يعرفوا الفارق بين الننشاكو الصيني والهراوة السوداء التي تسلموها في يومهم الأول .. لكنه لوّح بالأداة المضبوطة في وجه القصير ليقول
"شنطتك دي؟"
"انا عايز أعرف انتوا ماسكيني ليه"
ان كل ماكان يهم الكابتن عويس في تلك اللحظة كان القبض على المعتدي المجهول .. لا البحث عن أسلحة مشكوك في هويتها
"انت مش عارف ان شيل السلاح ممنوع؟"
"دة مش سلاح سعادتك"
يمسك بطرف الننشاكو .. ثم يطوح فجأة بالسلسة المتدلية في نهايتها ليوجه بالطرف الآخر صدمة موفقة لخصية الرجل وهو يصرخ
"سلاح دة ولا مش سلاح؟!!0"
يحتقن وجه القصير ويهوي أرضا ممسكا بضاعته الغالية في ألم مخيف .. يقول بصوت ممزق
"دي مش حاجتي ... دي شنطة ابن أخويا ... هوة مستنيني برة"
يشير له الكابتن عويس في تعالي
"قوم على حيلك ... قوم"
القصير المرمي يجاهد لالتقاط أنفاسه .. ثم يشير الى الحقيبة ويحاول اتمام جملة مفهومة
"ال..البخاخة ... أبوس ايدك ... حسا...أنا عندي حساسية"
" والحساسية دي بتجيلك من الخضة؟"
لازال الرجل عند ساقه يتوسل ويحارب للتنفس .... واحد يقترب من الجمع ليقول بلهجة خطرة
"ياجماعة الحقوه .. صدره قفل ... دة عاوز مستشفى"
ينظر له الكابتن عويس بصرامة
"انت ابن أخوه؟"
"لأ ... بس.. "
"خليك بعيد أحسن"
القصير يشير بيده في ضراعة .. وصار تمييز كلماته أصعب وهو يردد في ضراعة
" البخاخة .. أنا في عرضك"
بدأ الجمهور يقترب .. وبعض النسوة شهقن وهم ينظرن للرجل ... لست أكيدا من سلامة عيني .. لكني أرى لونه يتحول للأزرق ... الأعين المتسعة تحدق بالرجل ثم تنتقل للكابتن عويس
ياجدع اعمل حاجة الرجل هيموت .... انتوا أرواح الناس ببلاش عندكم ؟!!... ياناس ياعالم ... عايزين دكتور... انت بني آدم عديم الاحساس .. يالهوي دة بيموت!! ... يلعن أبوكم انتوا ايه؟!!!0 ...
العجيب أن واحدا لم يتحرك للنجدة ... واكتفوا بالتوقف والمراقبة والاستنكار .. ولدقائق نسيت أني تحولت الى متفرج معهم .. بلا حركة أو فعل .. أنتظر من أحدهم فعل شيء ما .. أي شيء ... انقاذ الرجل المريض ... الهجوم على الكابتن عويس ورجاله ... تحطيم أبواب المترو المغلقة .. أي شيء .. أي شيء ... مشهدنا ونحن نتأمل الموقف بعيون منبهرة أعلمني بشيء واحد ..0
ان الرجل الذي سينقذنا .. لن يأتي أبدا...لأنه ينتظر معنا
ببلادة نتابع المشهد ... الرجل يتهاوى ويزرق أكثر .. والكابتن عويس يقف أمامنا عاقدا ذراعيه في ثقة ...والحرس ينتظرون الأوامر دون أن يبدوا على ملامحهم الى أي الفرق ينتمون... ونحن نتساءل .. هل مانراه أمامنا .. يحدث حقا؟!!0
يلقي الكابتن عويس بالننشاكو أرضا .. ثم يجول ببصره في الجمع بنظرات حادة ازاء نظرات الناس الغاضبة المتهمة .. يشير لي ببرود قائلا
"ارجع على رمسيس ياأسطى"
اللحظات التي تقضيها واقفا أمام قنبلة موقوتة تمر كصورة بطيئة ... وهنا لاتدري موقع القنبلة اذا كانت هي الكابتن عويس بلهجته الآمرة , أم الجمهور الغاضب ... اتراجع للعربة .. وافتح الأبواب ليدخل الكابتن عويس نظرات الناس لاأدري اذا كانت تطاردني أم تطارد الكابتن عويس .. لكني أكره البقاء معه في سلة واحدة ... الناس يقتربون من العربة المفتوحة .. يحاولون الدخول لكن الكابتن عويس يصيح بهم في صرامة
"مكانك .. كل واحد يفضل مكانه"
أغلق الباب مستعدا للانطلاق .. انظر للمشهد من جديد .. الرجل المريض لازال يصارع بعد أن ناوله بعضهم البخاخة ... يحاول التقاط أنفاسه بلا جدوى ... بعضهم يصوب نظرات حقودة الى العربة .. وحركة شفاههم أعلمتني أي الشتائم يطلقون ... الكابتن عويس يطرق الزجاج الفاصل بيننا ليردد
"ماتطلع .. احنا هاننام هنا؟!!0"
أعرف أن رجوعنا للمحطة الرئيسية لن يكون النهاية ... سيكون بداية متجددة لحدث متكرر ... الكابتن عويس سيجوب المحطات .. والناس ستنتظر حتى يجد بغيته .. أو تهبط الرحمة في قلبه
أنظر للأزرار ... هذا الرجل سيمضي في سحقنا جميعا دون أن يطرف له جفن ... بحكم منصبه ... بحكم مسئولية تأمين المترو ربما ... بحكم كل هؤلاء الحرس المنتظرين في خدمته ... بحكم السيطرة الممنوحة بلا حدود
أتطلع للأزرار مليا
السيطرة .. هي كل شيء
طرقات عصبية على الكابينة ولهجة الكابتن عويس الحاسمة المستفزة تغمر حواسي لأغرق في احساس كريه من الجبن .. ورهبة الصوت العالي , والاحساس بالعجز والضآلة .. آخذ شهيقا .. أقترب من مكبر الصوت بالروح العدوانية المفاجئة التي أشعلها الضجيج
"الأستاذ المحترم اللي بيخبط ع القزاز"
وقبل أن يستوعب الكلمة .. كنت أضغط الزر الصحيح من البداية
زر فتح الأبواب
تفتح جميع الأبواب أمام الجمهور الذي توقفوا لدقائق محاولين فهم حقيقة الموقف بعد ان اعتادوا البقاء في المحطات .. الكابتن عويس يطرق على الزجاج في غضب استحال جنونا مع مرأى الناس تقترب من مدخل العربة
"اطلع ياحيوان ... بقولك اطلع ... مكانك انت وهوة"
الناس الواقفين على وشك الدخول يرمقون الكابتن عويس بذات النظرات الغاضبة ... شيء غامض يمنعهم من ركوب العربة .. صراخ الكابتن عويس .. تلويحه بالعصا ... حالة من عدم التصديق ... ينظرون لبعضهم البعض .. كأنهم يدعون بعضهم بعضا للدخول .. يقترب الكابتن عويس من الزجاج الفاصل بيننا ويطرقه بعصبية بهراوته السوداء .. الزجاج يكاد ينهار من شدة الضربات ..ينتوي الدخول للعربة للفتك بي ... الزجاج يتشقق أكثر وأكثر ..يصرخ بأعلى صوته في جنون كامل
"اقفل الباب بقولك .. اطلع ....
......اطلع
....اطلع"
Tuesday, January 15, 2008
الاغواء الأخير للعنتبلي
___________________________
يقول العنتبلي في أوراقه المخفية :-0
يومي الأول في مكتب المدير
لم يتغير روتين الحياة كثيرا بعد منصبي الجديد ... لازلت اسير في ذات الطرقات بين نفس المكاتب ... فقط يختلف تصميم الكرسي الذي اجلس عليه وتتسع مساحة الحجرة لتتساوى مع اهمية الموقع الذي احتله
بدأت حياتي العملية موظفا عاديا بالشركة ... الترقّي مجرد عملية ديناميكية خاضعة للوقت وبعض الجهود والتزكية ... هي حتمية كالقدر مالم تصطدم بالمشيئة الادارية ... وكانت المشيئة الادارية تعمل لصالحي ... وهي التي جعلتني في قفزة مفاجئة نائبا للمدير السابق وذراعه اليمنى متخطيا بذلك رقابا كثيرة طالما لمحت في عيون اصحابها , الغلّ والتربص ... ثم اتت مشيئة اخرى اعلى ... المشيئة الالهية , عندما لقي المدير السابق مصرعه بين انياب الماكينات الجديدة التى سعى بنفسه لتطويرها املا في النهوض بانتاج الشركة
حادث مؤسف ... خفف قليلا من صخب الاحتفالات المعهود احتراما لذكرى العزيز الراحل .. وجعلني في ذات الوقت مديرا ومتحكما .. ومقررا لذات المشيئة الادارية التي اتت بي يوما .. اعطي وامنع ..اكافيء واعاقب ... سلطة مخيفة .. محت نظرات التربص التي لمحتها من البعض , وأتت مكانها بنظرات الاحترام والتبجيل المحلاة ببعض الرياء ... رياء لااخطيء تمييزه , لأنني اتوقعه .. ربما .. ولأنني كنت يوما ما .. واحدا من هؤلاء...لذا افهم جيدا مشاعرهم وخواطرهم ومايحدث تحت جلودهم الخشنة
لم يتغير روتين الحياة كثيرا ... لكن رؤيتي للحياة وللاخرين هي التي اختلفت
_________________________
المتجه الى الخزينة يلزم اقصى اليمين ... المتجه الى مكتب العنتبلي يلزم الأدب
تحديات الادارة ... قائمتي مزدحمة بالأعباء والأعداء ... ذهني منشغل بمحاولة التوازن والبقاء اكثر من انشغالي بسير العمل في الشركة ... ممارسة السلطة شبيهة برياضة ركوب الأمواج لممارس مستجد , المهم في الأمر الا تبدو مستجدا لأنك ستسقط مع اول موجة تثير صيحات جمهور الشاطيء .... بدأت في وضع الخطط وتنفيذها طمعا للتفرغ فيما بعد لرخاء الشركة
كانت اول خطوة هي اكتساب الارضية ... النعم الادارية تذيب الاحقاد , تصنع العبيد ان شئت ... الترقيات والمكافئات لاتكلف جيبك عبئا ... بعد ذلك تصير لقراراتك القادمة شرعية على ارضية جماعية مؤيدة ... ومن هنا اصدرت ثاني قراراتي .. تكهين الماكينات الجديدة ... العاقل من اتعظ بسلفه ... انا بصدد شراء ماكينات اخرى اكثر امانا فور ان تستقر الأمور بالشركة ... يمكن لمسيرة الرخاء ان تنتظر قليلا
كنت ارى بعين الطائر مايدور في المكاتب المعزولة خلف اكوام الملفات القديمة ... رشاوي .. عمولات .. اختلاسات ... دعارة وظيفية متكاملة .. دعارة , اعلم جيدا افرادها المنظمين,واشم رائحة فسادهم كالعرق .. ..كأكياس القمامة ... في المكاتب المعزولة بين اكوام الملفات القديمة .. حيث يتراكم الموظفون في ظلام الشقوق بعيدا عن نور الرقابة .. وبخيوط الفساد اللزجة .. يبنون بيوتهم ومخابئهم ... مملكة كاملة بين الجدران .. في المكاتب المعزولة خلف الملفات القديمة .. كثيرون .. كحشرات مختبئة في ركن بعيد .. تهاب الاقتراب منه خشية اللدغات ... لدغات لن تقتل .. لكنها لن تجعلك سعيدا
ومن هنا ظلوا يتراكمون .. ويتعاظمون .. بل ويتكلّسون .. تماما كجير الاسنان .. وصارت مملكتهم شبه منيعة على الاقتحام ... ومن هنا نشأت بيننا معاهدة غير مكتوبة .. بالا يتعدى عفنهم .. عتبة شقوقهم ولايتجاوز صدى فحشهم حد الهمس...هم ايضا حفظوا العهد.. فضمنوا البقاء ... وتظل اياديهم الموافقة وصيحاتهم المؤيدة مضمونة في صفي استخدمها لمصلحة الشركة.. خلا واحد او اكثر .. يتجاوزون الحد الامن .. فيسحقهم نعل القانون كالصراصير .. ومن اشلائهم يتصور الجميع من خارج اطراف اللعبة ان العدالة لاتعاني من عطب .. وانها تعمل بكفاءة ممتازة
قد لاتعاني العدالة من عطب .. لكن نعلها لايطال الشقوق
___________________________
انتبه من فضلك ... الشركة ترجع الى الخلف
لكن لاشيء يبقى مستقرا دون مشاكل على سطحه الهاديء .. ولا يوجد مدير دون مخاوف دائمة وهواجس خفية .. ولايوجد مايقلقني قدر الانهيار والسقوط ... لفترة توقفت عن النظر الى نفسي كفرد .. تتغير نفسيتي منذ مدة لتتواءم مع مشاعر التحكم والاحساس بالقوة الخارقة .. قوة القرارات والامضاءات والأختام .. لكن في لحظات قليلة خاصة جدا ... عندما يختفي المرؤسين , وتغلق المكاتب .. وتطفأ الأنوار .. اتذكر احاسيس البشر .. الفردية .. الضعف ... والخوف... لاشيء يجعلنا اقوياء قدر اناس تؤكد لنا ذلك ... .. تجعلنا نصدقه وتجعله يقينا .. لكني صرت مؤخرا استيقظ خلال فترات نومي المتقطعة على كوابيس .. ارى نفسي فيها وقد انسحبت من تحت قدمي سجادة الادارة .. اسقط كطفل تعثر من على عجلته المسرعة بينما جموع لاتنتهي من الناس تسعى خلفي.. تكرههني. تبغي قتلي ... وستفعل ذلك فور ان تصل الي .. وينتهي الكابوس ... ويتبقى الفزع , والعرق البارد
ازعم اني قدمت الكثير للشركة خلال فترة ادارتي ... اعتقد انها نهضت عن ذي قبل .. لكن السلطة والهم .. توأمان لايفترقان... والاحساس المستمر بأن من حولك لايرون ماترى .. لايشعرون بان الأمور أفضل .. هذا الاحساس يلازمني كرجفة الشتاء ... احساس يملأك بالكابة ... ويجعلك تعادي هؤلاء الذين لايعجبهم سير الامور ... صرت اكرههم , اكره تحفظهم وحماسهم المنطفيء عندما نتحدث عن انجازات الشركة ...و صار ضجيج الماكينات التي كهنتها يوما يعلو بصورة غريبة ... هاجس اخر يضاف الى قائمة الكراهية
ويبدو ان نفسيتي تنعكس على أداء الشركة... صارت الكراهية سافرة بين موظفيها. كأنما انقسموا الى فريقين متناحرين ... فريق المقربين , وفريق المبعدين .. فريق يفوز بالحوافز والعلاوات والترقيات السريعة .. وفريق اخر يلعن ماالت اليه الشركة ويعلن عن نفسه باستمرار في صندوق الشكاوي .. طعنات متبادلة بالاتهامات...وسباب بلغة ادارية محنكة ... فوضى ... احيانا يخيل الي ان الكل قد نسي عمله الحقيقي بالشركة وصار عمله الجديد هو اثبات الذات ... لم اعرف منذ الوهلة الأولى ان الصراع صراع بقاء .... لكن الامور تغدو اكثر وضوحا .. عندما يتحدث الموظفون باستمرار عن المرتبات الزهيدة .. وخط الانتاج المنحدر .. ويصرخون معلنين عن فساد زملائهم .. ويحاربون كمجرمين سعيا خلف مكاسب هزيلة يحسبونها نعيما مقيما
عندما يبلغون هذا الحد من الغضب والكراهية والسعار والرفض ... فهم يناضلون من اجل البقاء .. لأنهم اكتشفوا انهم في واقع الأمر ... يحتضرون
__________________________
لمن أترك كل هذا ....؟
شيء غامض جعلني ابقى على كرسي المدير ... ربما هو مزيج معقد صنعه احتراف الادارة ,مع ارضية ثابتة اجدت تخطيطها , مع خوف الموظفين المستمر من التغيير .. مما يجهلون ... مهما سخطوا وتذمروا ... لم يفكروا حقا في مدير جديد .. ربما لأنهم لايعلمون واحدا ... لم يعودوا يرون سوى السواد ... ولم تشم انوفهم سوى العفن ... ولم تعتد اذانهم الا على احاديث الخيانة والسرقة , ادمنوا عالمهم المقرف كما يدمنون سجائرهم بكل ماتفعل بهم من سعال ومرض ... امر غامض جعلهم يباركون استمراري مديرا لشركتهم الدورة تلو الاخرى
تبلى الكراسي .. وتشيخ الوجوه .. وتتحول الشركة امام عيني من مصلحة تدار .. الى بيت األفه وأحفظ أركانه ... ... احس خصوصية جدرانه وماتحويه من مكاتب وموظفين وملفات ... كأنما هي أشياء تمتلك بحكم الأقدمية وتنضم الى ميدالية المفاتيح ... الأقدمية تصنع الألفة
هناك أشياء تتم دون تخطيط ... كأن أبدأ في اصطحاب ابني الى الشركة ... يقضي بها الساعات يدور بين المكاتب ويداعب الموظفين ... كان مروره متقطعا في البداية ثم مالبث ان صار شبه يومي .. وقد شجعه الترحيب الحار , و الاحترام الفائق الذي يلقاه .. واحساس منطقي بهيمنة والده المطلقة على عالم الشركة
في البدء شجعته على الاقتراب من هذا العالم ... ومعرفة خباياه ... ثم بدأت بذرة صغيرة تنمو داخلي على استحياء ... كأنما ابغي ترك جزء من ذاتي في هذا المكان ... تشجيع الموظفين المقربين جعل الفكرة تختمر في رأسي وتصبح هدفا تصنع له القرارت ... من قد يدير شركتي افضل من واحد من صلبي ؟
قمت بتسريب شائعات في أرجاء الشركة بهذا الخصوص طمعا في جس النبض .. لازالت تصلني بكفاءة أحاديثهم الخفية ورفضهم , وحتى نكاتهم اللاذعة ...لكن الالحاح يصنع المعجزات ...ومايكرهه الناس اليوم , قد يقبلوه واقعهم غدا .. فقط اذا مادأبت على ترديده .. كأنما هي تعويذة سحرية تستمد قوتها من التكرار .. ورويدا رويدا , رأيت الموظفين يتحولون من الرفض المجنون , الى عدم الاستساغة , الى تقبل الواقع ببقايا سخرية .. صفقة أخرى غير مكتوبة عقدتها بينهم في صمت ... سيتركون لي القرار المطلوب .. وسأترك لهم سخريتهم ونكاتهم وثرثرتهم الفارغة بين المكاتب ..صفقة كتلك التي عقدتها يوما مع الفاسدين منهم طمعا في مزيد من الاستقرار
اليوم ... صار ابني واقعهم الذي لامفر منه
_______________________
الاغواء الأخير
شيء واحد اعتبرت نفسي عاجزا عن تحقيقه ... الخلود ... لاشيء يدوم للأبد ... التجاعيد, والشعر الأبيض , الارهاق المستمر الذي يداهمك عندما تبذل ذات المجهود الذي كنت تبذله قبلا دون أن تلاحظ ...انني حقا أشيخ ... ومعي تشيخ القرارت والأختام والعقلية الادارية الجبارة التي حسبتني أمتلكها
لازلت أسمع لهمس الموظفين خلف مكاتبهم ... يتحدثون عن الرحيل , والمدير المنتظر , يتصورون شكل المستقبل من بعدي ... كلامهم يصيبني بالمرض أكثر ... لا , ليست الأمور بتلك السهولة
حرصت على أن أبدو امامهم في أتم صورة وصحة ... أنا لاأمرض , ,لاأرهق , لاأشيخ ... أنا صورة دائمة الشباب .... صحيح أني لم أعد اظهر كثيرا أمامهم كالسابق ... لكنهم يعلمون أن العنتبلي دوما في مكتبه ... باق بالشركة ... يراهم من حيث لايشعرون
صورة ضبابية تتكون أمام عيني ... لم اعد ارى جيدا ... الصحة , والعمر ... تلك امور لاتصطنع ... الخوف ... لم يحن وقت الرحيل بعد ... لاأعرف عالما اخر احيا به سوى مكتب المدير ... لاأعرف زمنا ارغب في البقاء به سوى الأبد ,لأنني لم أعتد تغيير الأمور ... المرض والعمر ... يلتهمان المرء كلهب شمعة لم يبق من فتيلها الا الذبول
الخوف ثانية ... حديث الموظفين ثقيل مسموم ... ينتظرون كأنهم ضباع جائعة حول أسد مريض
مع انفاسي المتثاقلة ... بدأت اعرف الاغواء الأخير الذي قدمه لي كرسي الادارة بعد القوة, والتحكم , ولذة الرؤية بعين الطائر , الاغواء الذي يتراكم في النفس ببطء ... ليحولني الى ماصرت عليه الان ... شيخ يعجز عن ترك مكانه , يحارب لاثبات انه لازال حيا , وسيبقى
كالجدران والتاريخ واحجار الماضي ... سيبقى
كسليمان على عصاه يخيف الجان ... سيبقى
الاغواء الحقيقي ان تعجز عن ترك الكأس ... لأنك شربته حتى الثمالة
لازلت اسهر في مكتبي حتى وقت متأخر من الليل .. ذهني يتشوش اكثر , واعجز عن الرؤية دون النظارة التي أرتديها فقط عندما اختلي بنفسي , ورغم سمعي الذي يضعف يوما بعد يوم ...الا انه لازالت تصلني بانتظام همسات الموظفين , ونكاتهم ,و ضجيج مزعج صادر عن المخازن ... حيث الماكينات الجديدة التي كهنتها يوما
Friday, June 29, 2007
مطرقة العاهرات
لاشعوريا ... وجدت نفسها تضغط مكبس المحقن الموجه ناحية الشرطي لتندفع قطرات حمراء في شلال سريع منمنم في الوجه الغليظ الذي صاح
يامس (....)
شرع يلعن بوجه محمر ويمسح الدماء مرتبكا وهو يقول كلاما كثيرا عن النجاسة والايدز والبلاء الازرق المستكين في دماء اولاد الشوارع والساقطات ..... بدأت الفوبيا تتمكن منه وهو يجري ناحية جركن (البتدين) ويصيح
عقموني .... عقموني ياكفرة ياولاد الكلب
كان مظهره مضحكا ووجهه يتحول بفضل التعقيم الى اللون البني قبل ان يهرع لحوض قريب متحسسا الجدار ليذيب بقايا السائل المعقم اللزج بالماء المتدفق من الصنبور .... كان يحك وجهه بجنون بينما ينظر للضحية وسناء موزعا السباب بالعدل بينهما .... 0
لو عايز تتطمن ... اسحب لك عينة
مستسلما كطفل سلمها ذراعه... كانت بقايا السباب تتحول تدريجيا الى همهمات غير واضحة المعالم ....اعماه الرعب عن ابسط الحقائق وقواعد المنطق.. صحيح ان احدهم لم يذهب يوما لتحليل الفيروسات بعد منتصف الليل الى المعمل الذي ظل مقتصرا على البحث عن الكحوليات لمحاضر السكر(دعك من سخافة الفكرة ان تبحث عن الفيروسات في نفس اللحظة التي حدث بها الاحتكاك المتوقع مع الدم) ... لكن سناء لأول مرة تجد امامها الضحية وجلادها يجلسان في استسلام بانتظار عينة الادانة ... المظهر الذي لم تتخيله سناء يوما
تطفو الاتهامات الجاهزة لدينا بالعهر والدنس على السطح عندما تتطابق الصورة الانية مع تلك المخزنة سلفا بعقولنا لنخرج بتلك النتيجة المريحة للاذهان
ان (ف.ف) قد عادت من جديد
ربما كان على سناء ان تستوعب قليلا هذا الدرس
قد تبدو الفروق احيانا واهية بين الضحية والجلاد ...0
مجرد اسبقية في احتلال المقاعد ... ليس الا
_________________________
من كان منكم بلا خطيئة .... فليسحب العينة
Sunday, November 12, 2006
لاأحد ينام في العناية المركزة
يستوقفه السرير السابع ... مالداعي الملح لاحتجاز حالة نزلة شعبية يمكن علاجها منزليا ؟ ... لغط وهمسات بين الاخصائي والتمريض ليعلم ان السرير السابع هو سرير الرجل المهم ... ربما قريب من اقارب المهمّين ... (باعتبار ان كلمة المهمّين كلمة كافية وافية معبرة عن سلطة جارفة تتمتع بحقوق فوق العادة لاتمنح في الاحوال الاخرى كما ورد في عبد المجيد الصحاح) ... بدليل زيارات في غير الأوقات المسموحة والاتصالات الكثيرة والمرور المكثف من اطباء لاتعرفهم لكنهم على مايبدو استشاريين فطاحل على علاقات واسعة بمسئولي اجهزة الدولة الداخلية الحساسة ... يناسبني ان اتجنب هذا السرير تماما ... فاخرين يموتون (وغالبا سيموتون) ... بحاجة الى الوقت الجاد بعيدا عن واحد لايعجبه ان(شخشخة) صدره اثناء الكحة لاتروق لمسمع المدام اتعلم ؟.. ربما صرت اكره العناية المركزة لأن الأمور لاتسوء فيها الا اذا كنت بحاجة ماسة للنوم يرن جرس الهاتف ... الاستقبال كالعادة يعلن عن حالة بحاجة للعناية المركزة .... لابد من نزول احدهم ... وبعد عشر دقائق كاملة تقتحم النقالة باب العناية بجلبة متوقعة وصراخ ملتاع يخمده قليلا باب العناية وقد التقى مصراعيه ... هناك بعض الكلفتة المتوقعة ... كأنبوبة حنجرية نزعت من فم المريض بعد تثبيت مهمل وكانيولا مسدودة عقيمة.. ونقص حاد بالمعلومات عن الحالة التي لاتعرف عنها اكثر من كونها حادثة بالطريق السريع ... مع اشتباه بكسر بقاع الجمجمة .. كانت فتاة بالعشرينات لم تخفف الدماء المتجلطة على وجهها من جمال ملامحها كالعادة ... يتعامل التمريض بسرعة في تمزيق الملابس بالمشرط وتعليق المحاليل وتثبيت اقطاب جهاز رسم القلب ريثما ينتهي الطبيب من تثبيت الأنبوبة الحنجرية وملاحقة المونيتور المتوتر ... هذه المريضة ستحتاج في الغالب لجهاز الصدمات الكهربائية ... امسكت باقطاب الجهاز المشحون وثبتتها على صدر المريضة قبل أن القي بنظرة امل اخيرة على المونيتور ... صحت بالجميع ان يبتعدوا ... وافرغت الشحنة ..... 0 __________________________ البالطو ياعربجي ... 0 صياح مألوف لكنه يأتي من عالم بعيد ... صدمة عنيفة اجتاحتني كأنها تمسك بعضلة قلبي بجنون وتعتصره قبل أن يختفي الوجود ... هل انا أموت ؟ ... افتح عيني لأجدني ممدا بجوار النقالة ... أين ذهب التمريض والأطباء والمسعف الغلبان؟!! ... ماالأمر؟ ..... غرفة العناية نفسها خالية من المرضى الا من فتاة العشرينات الجميلة ونور ازرق خفيف يحيط بالجدران نهضت ببطء لألقي نظرة على المكان لأجد الفتاة مستلقية وحية كأحسن مايكون ... بملابسها السليمة وبدون اقطاب أواسلاك أو محاليل اشارت للبالطو المفتوح باسمة وقالت برقة مش تخلي بالك يادكتور ؟ نظرت للباطو قبل أن افهم .... ان البالطو المفتوح باهمال والمتدلي ليلامس النقالة المعدنية قد استقبل الصدمة الكهربائية التي انتقلت اليه عبر الألياف الصناعية التي تحفل بها خامته الرديئة .... تلك كانت صدمة كهربائية التي كانت تخلع قلبي صوت عجيب من خارج العالم يصيح هية المشرحة ناقصة قتلى؟ نظرت للفتاة ولم ارد ... ماموقعنا بالضبط من خريطة الحياة ؟ الباب منين؟ كذا صحت قبل أن ترد هي بصوت باك ارجوك لاتتركني وحدي ؟ ... انا اخاف اللون الازرق والبرودة وكل الاشياء الداكنة في هذا العالم الجديد .... كم مرة تركت مريضك بعد ان مات ؟ ... اتحسبه لايشعر ؟ .... اتحسبه همد بلا الام أو مخاوف؟ اتحسبهم في نوم ابدي ازرق ... يالقسوتك .... تنتظر مريضك الثاني ولم تبرد دماء الأول بعد .... انهم يلتفون حولك يادكتور ينتظرون يدا دافئة لن تشعر ببرودة عالمهم الصامت .... الم ترهم قبلا؟ لماذا سكتّ ولم اجيب ؟ .... أي هلوسة تلك التي احياها ؟ .... لماذا تركتها هكذا دون كلمة أو لمسة مطمئنة .... أم أنني بالفعل قد احترفت الوفاة؟ تواصل وهي تمد يدها برجاء نحوي اكنت بحاجة لصدمة كي ترى ؟ ..... ان الشحنة التي مرت عبر قلبينا كانت واحدة ... لقد شعرت للحظة تماما ماشعرت به انا ... هل ستعود مرة اخرى ؟ ... هل ستتركني وحدي في هذا العالم ؟ .... ارجوك .... انا اخاف البرودة صوت خافت اقرب لباب يفتح ثم يغلق ...التفت حولي لأجد رجل السرير السابع المهم يتلفت حوله في خوف ثم ينظر لي ببعض الرجاء المقنّع ببقايا كبرياء المهمّين المقيتة .... اراه في طرف الغرفة يقبع مستكينا , واتذكر يوم دخل العناية في ضوضاء عظيمة مع حاشية مدججة بالمحمول واللاسلكي انهم يتركون خلفهم جلبة هائلة مع انهم يدخلون هنا في صمت عجيب انظر للفتاة ... ربما احترقنا قبل أن تنطفيء شعلتنا و صرنا مع الوقت اشكالا عبيطة جامدة كبقايا الشمع الذائب يعني خلاص يادكتور .... ؟ خلاص ياماما كم مرة لطمتني تلك الجملة من أم ملتاعة , أو اخ مفجوع ... يحاول عبثا ان يفهم ان روح العزيز الصاخبة قد انتقلت مع اخر انفاسه الى فضاء العناية .... ربما تشكو الغرفة من الازدحام ... من بقايا ارواح لم نعد نراها ... ولم نعد نستشعر معنى لجملة (البقاء لله) الروتينية التي نتلوها على مسامع المكلومين ... اقتربت يدها جدا ... أوشكت ان تلمسني وانا شبه مغيب عن العالم .... بدأت اشكال كثيرة تظهر في جو الغرفة , بعضها مألوف ... وبعضها لااذكره .... كانوا يدنون ببطء وعلى وجوههم نظرة امل لم ادر سببها .... لكني عرفت اين اكون .... غرفة مزدحمة بأرواح نسيتها ... نسيتها عندما احترفت روتين الموت والعزاء ... روتين التقارير التي تحرص على كتابتها وتقفيلها بجودة عالية تحميك من المسئولية خلاص يادكتور
شعرت بصدمة مألوفة ترجني من جديد ... تلك القبضة المميتة التي تهز اعماق روحك ..اخر مارأيته كان ايد ممدودة ووجوه باسمة ... ارتفعت في سماء الغرفة التي بدأت تتحول للاظلام التام ... ثم مشاهد متعاقبة سريعة من سقف ابيض مألوف , وشاشة مونيتور .. وجهاز صدمات , وبقايا سرنجات مبعثرة في الفضاء الداكن ونقطة دم في الخلفية تتضخم تدريجيا لتغطي الموجودات خلاص ياجماعة ... رجع اهو بدأت الاضاءة المؤلمة تغزو عيني لأجدني ملقى على سرير بالعناية وطاقم الانقاذ يتنهد براحة والاستشاري العملاق ينظر لي لائما مبسوط ... ابقى لمّ البالطو ياعربجي جمل اخرى سريعة لم اميزها متبادلة بينه وبين التمريض ... القي نظرة على الفتاة , وجدت الملاءة البيضاء تحتوي جسدها بالكامل خلاص ياماما ربما لم تكن هلوسة كاملة ... لكني ولأول مرة منذ فترة اعلم ان مريضا ما قد يترك لديك ذكرى خاصة ... لم تكن تلك فرس سباق خاسر أو تجربة فاشلة نعبر عنها بحيادية باردة عندما نتكلم عن ( الحالة اللي دخلت) و (الحالة اللي ماتت) و (سرير 7 نفسه مش حلو) 0 بالمناسبة .... لقد مات صاحب السرير السابع المهم ... مات في نفس التوقيت الذي كنت غائبا فيه عن العالم أنا أخاف البرودة ربما لم تكن هلوسة حقا لكني تعلمت الا اكره العناية الى هذا الحد قدر ماأكره برودتها ... واعلم ان اخرين لاأراهم يعانون من برودتها واضاءتها الخافتة نوعا تعلمت ان احكم غلق النوافذ ... وان احترف الحزن واحترم صراخ البائسين خارج ابواب العناية تعلمت ألا أكره العناية تماما ... وان كنت الى الان , أعجز عن النوم فيها تعلمت الا اعطي ظهري لغرفة فقدت فيها مريضا ... وتعلمت ان اردد داخلي ...0 يمكنك اليوم الا تخاف اغلقوا العيون ... احكموا الملاءة ... وارخوا الستائر فبامكان المونيتور الان أن يستريح _________________ ارجوك .... لا تتركني ثانية