أيها الزائر قبري .... أتل ماخط امامك
Showing posts with label قصص فصيرة. Show all posts
Showing posts with label قصص فصيرة. Show all posts

Friday, November 25, 2011

الرقص مع المشير

في كل مرة أسأل نفسي ...هل تكون هذه هي التدوينة الأخيرة؟
_________________________________
أغلب ماسأقول حقيقي .. ومرعب .. لأنه يجعلني ارتجف أثناء كتابة هذه السطور ...
أنا الدكتور (ي.م) ... الطبيب الخاص بسيادة المشير ... اكتب الحروف الأولى من اسمي في حالة اذا مابقيت حيا ...أما  اذا قتلت فاعلموا ان وليمة دسمة تنتظر وسائل الاعلام ... سيكون هناك ملف كامل عني ... عنواني ..شهاداتي ... جرائمي ... وطبيعة عملي مع المشير ...ربما اتحول لكبش الفداء الذي يبحث عنه الجميع.. اكرر .. ان عدم التصريح باسمي هو ماسيحتفظ لي بباب النجاة مفتوحا ..لو أفلتّ الآن من الموت
تجعلني طبيعة عملي قريبا من بؤرة الأحداث .. أنا الرجل الذي تفتح له الأبواب وتمنح له الصلاحيات لكنه يبقى في الظل رغم كل ذلك ...
من الذي يحكم الآن ... ؟... ستندهش عندما اخبرك أن مايقوم بتسيير الأعمال في تلك البلاد هي الحالة المزاجية للمسئول ... (المود) ... لذا ستجد القرارات متذبذبة دوما .. وهي مزيج نادر بين حكمة العجائز ... وغموض العارفين .. وعناد الأطفال ...وشراسة صاحب البيت عندما يمتليء مطبخه بالصراصير
عندما صار دوري هو الاشراف على الحالة المزاجية للكبار ... صار يحلو للبعض اعتباري الرجل الذي يجلس خلف الستارة .... الرجل الذي لايعرف أحد انه موجود أصلا
_________________________
توك توك توك ...
_________________________
المشير غاضبا
منذ متى لم يغضب المشير ؟! ... هناك بعض الأدوية المهدئة التي اعمد اليها لتلطيف الأجواء ... حتى يصبح الحوار مع المشير مثمرا
"صحتك مش عاجباني خالص سيادتك"
أناوله كوب الماء ليبتلع الأقراص المهدئة ... ان الاضطرابات الأخيرة من قبل الثوار تجعله يعجز عن النوم ... هناك دوما بركان مهدد بالانفجار ... والسيطرة على الوضع شبيهة بالسيطرة على مزرعة فر منها الدجاج ... الدجاج مبعثر وتعجز عن جمعه دفعة واحدة ... أمسك اثنين وسيهرب ثلاثة من الباب المفتوح أصلا
"عايزين ايه ولاد ال(....) دول؟!!"
أعود لتهدئته من جديد ... كل مايحتاج اليه هو عبارت الثقة مع بعض (المساج) ... أنادي خبير التدليك ... وأصب في أذن المشير عبارات التشجيع ...يطلب بعض الموسيقى .. فأضع في مشغل الاسطوانات الموسيقى التي يحبها...يدندن بلحن ما .. أتابع
(محدش فاهم حاجة... هما نسيوا انت عملت ايه عشان البلد ؟... زوبعة في فنجان وهتعدي ... مش همة دول اللي رفعوا الجيش على رقابيهم ... ؟!! ... أكيد مدسوسين ...امال فين الجيش والشعب؟ ..فين الايد الواحدة؟!! )
"الايد دي يحطوها لامؤاخذة في (....)"
يصيح بعصبية  ثم يقوم آمرا بانتهاء جلسة التدليك .. ليطلق عبارته الشهيرة
"مع المشير .. انت في السليم"
___________________________
توك توك توك .. تاك تاك .... تاك
_________________________
المشير ثائرا
هناك اجتماعات يتخللها سباب ... هناك على ماأسمع مجزرة دموية تتم في التحرير الآن ... لكن مخاوف المشير دائما عظيمة ... يأمر باستعمال القنابل المسيلة للدموع ... كي يتذوق الأوغاد طعم العهد البائد ... ويقدّروا النعيم  الذي ظلوا يرفلون فيه قرابة العام ...هناك أشياء لايمكن السيطرة عليها ... حالة الاحتقان بين الشرطي والمواطن ستسمح بالعديد من الفظائع ...لكن
(مع المشير ... انت في السليم)
أصارحه أن السيطرة الحقيقية هي من خلال الخوف ... عندما يخاف الجمهور يمكنك عمل أي شيء ... لأنهم سيهربون في كل اتجاه فيفقدون القوة الدافعة ... فرّق تسد ...فرقهم بين حزب وآخر ... بين حكومة وأخرى ... بين نعم أو لا ... هكذا يمكنك تشتيت قواهم الخائرة أصلا
أخبره بلعبتي  فيسلّم لي أذنه ...سنعود للحديث عن الأجندات والعملاء... ستعود القوى السياسية لتسب بعضها البعض ... سيسب أنصار الليبراليين... الاسلاميين .. والاسلاميون سيبتلعون الطعم وينشغلون بالدفاع عن انفسهم... هنا سيجد رجل الشارع نفسه محاطا بضوضاء استاتيكية رهيبة .. يمين أم يسار ؟!! ... وفي المنتصف .. قنابل مسيلة للدموع..  ستنتشر الشائعات على الانترنت (وماأسهله من أمر في عصرنا ) شائعات سيلوكونها هم أنفسهم باستمتاع ماسوشي ...شائعات ثم تكذيب للشائعات.. شائعات تضفي خواص أسطورية على قنابل الغاز التي سيقذف بها المتظاهرين ...فيفرون من الغاز كما يفرون من الجذام...(العيار اللي مايصيبش ... يدوش) يتردد المشير .. ألن يؤلب هذا الناس علينا أكثر ؟!! ... المنظمات الحقوقية ؟!! ... والجهات السياسية الثائرة ؟!! ... أؤكد له أنه أمر يستحيل اثباته ... الكلام الكثير المتضارب في زماننا هذا يجعل الحقائق دوما في المنظقة الرمادية بين الصحة والزيف ...يتبخر الكلام.. لكن الخوف هو مايبقى في النفس ..
ماأدهشني بعد ذلك أن الخوف لم يحدث التأثير المنتظر ...
"العيال مابتهداش يابرم "
أتجه لمشغل الاسطوانات وأشغّل موسيقاه المفضلة ... فيعود للدندنة وهو يقود بيديه أوركسترا وهمية
" احنا نزوّد العيار حبة "
هنا نصحته بأن يخرج ما بالمخازن من غاز الخردل الذي يقال بأن النازيين كانوا يستخدمونه في معسكرات (أوشفيتز) ... وان الدكتور (يوسف منجيل) النازي الرهيب كان يستمتع بتجريبه على الأسرى اليهود ...
اليوم سنعيد تجارب (يوسف منجيل) الى الحياة
_________________________
توك توك توك .. تاك تاك .... تاك ....والكثير من ال (هسسسسسسسسسسسسسسسسسسس)
_________________________
  المشير حائرا
كثيرا مااعتدت على طلبات المشير العجيبة ونزواته الغامضة .. لكن أغربها هو ماطلبه منذ أيام ...
يدخل عليّ شاردا .. ويقول :-
" أم (ابراهيم) عاوزة (ابراهيم)"
حاولت الفهم  مرارا ... تعطّف عليّ بعد ساعات ليطلعني على الصورة الكاملة
(ابراهيم) هو أحد شهداء الميدان ... أمه ناشطة حقوقية وتطلب ان ترى جثته ...الجميع الآن يتساءل عن (ابراهيم) ... ماذا أصابه ؟!! .. وأين جثته؟!! عثرنا على الجثة ببعض المجهود .. ماالمشكلة اذا ؟!! ... المشكلة ان جسد (ابراهيم) قد تشوّه تماما  ..وبوحشية نادرة ..بحيث صار من المستحيل ان تتعرف على جسده المعجون وأطرافه الممزقة التي ستثير الرأي العام... لاتعلم هل احترق بالغاز أم دهسته مدرعة ..ام مزّقته المطاوي  ام تحطمت عظامه بكعوب البنادق ...
وجهه هو الجزء الوحيد الذي ظل سليما
أطمئن المشير الى أن لكل مشكلة حل ... يأمر لي بسيارة تنقلني الى حيث جثث ضحايا الاضطرابات الأخيرة ... اتفحّص الجثة .. كانت حالها مروّعة ... ان الجهات الحقوقية وأعداء النظام سيلتهمون وجوه من تبقى من النظام ... كانت أبشع جثة أفحصها في حياتي
أنظر لباقي الجثث وأفكر ...ثمة فكرة ... تومض فوق رأسي كمصباح ... لمحة عبقرية اخرى قد تسجل اسمي في تاريخ العظماء
يمكننا تجميع  الأطراف التالفة من الجثث الأخرى ... ورويدا رويدا يمكنك تشكيل جثة واحدة سليمة تخرس بها الرأي العام ... تشتعل حماستي مع العبارة المقدسة
(مع المشير ... انت في السليم)
أطلب من الجنود المتراصين أن يقوموا بحمل الجثث في عربة كبيرة مموهة الى حيث معملي ...
لصناعة جسد جديد ل(ابراهيم)
في المعمل كان الأمر صعبا نوعا ... في البداية كان عليّ القيام بفرز الجثث لانتقاء الصالح منها ... استقر اختياري على سبع جثث ... هذه هي التي سأقتطع منها لاستكمال الجسد المطلوب
سيسأل أحدهم ... لماذا لم تأت بجثة واحدة تكمل جسد (ابراهيم) بدلا من القص واللزق المعقد .. أخبره ان كل جثة من الجثث السبعة الصالحة كانت تحوي عيبا قاتلا في مكان غير الآخر ... عيبا يهدد بفشل العملية
عملية اصلاح أخطاء النظام
أفحص رقبة (ابراهيم) ... هناك شق حنجري اجراه احدهم محاولا انقاذ حياته ... الرقبة بحاجة للتغيير
انتقي جثة من لون قريب من لون بشرة ابراهيم ... ونفس العرض تقريبا .. رقبة سليمة ..هاهي
اعيد توصيل الأوعية والأعصاب ... وخياطة الجلد .. ان الموضوع يستغرق وقتا طويلا .. طلبت أربعة من المساعدين  فجاءني خمسة.. يهاتفني المشير
" أم (ابراهيم) عاوزة (ابراهيم)"
أطلب منه بعض الوقت ... المساعدون يستكملون عملي ...هناك ضلوع مهشمة وتجمع دموي ضخم بالبطن.. أختار جذعا وبطنا مناسبين من حيث اللون والحجم لتوصيلهما بالرقبة ... لامشكلة ..
 لاستبدال الذراع المبتورة أبحث في الجثث عن ذراع  سليمة ... وجدت واحدة ... لكنها كانت تحمل وشما للصليب ... هنا قفز في ذهني سؤال ملّح
"هوة (ابراهيم) مسلم ولا مسيحي؟!!"
لاأحد يجيب ... أطلب مساعدة الخبراء .. لاأحد يعرف ... لا المشير .. ولا الجيش .. ولا العساكر الذين أحضروه...أبحث في ثيابه ... لاتوجد أوراق شخصية... أتصل من جديد ...وأتساءل
"هوة اسمه ايه بالكامل ؟!!"
بعد جهد طويل عرفت أن اسمه الكامل هو (ابراهيم عادل فوزي) ؟!!
يضحك المساعدين خفية وتبدو الشماتة في عيونهم لأن الاسم الكامل لاتستشف منه خانة الديانة ... حسنا فلنؤجل مسألة الذراعين لما بعد ... أعتقد انني بحاجة الى معلومات اكثر تفصيلا عن جسد ابراهيم قبل الوفاة .. ان عملية الترميم هذه تحتاج للدقة الشديدة حتى لايشعر أحد باختلاف بين الأصل والتقليد...الجثة نفسها قد تخضع للفحص من بعض المدققين الذين كانوا يعرفون القتيل.. بعد ساعات واتصالات .. أتاني ملف كامل ... أمرت أحد المساعدين ..و اسمه (صبحي) بتنقيح الملف للحصول على مواصفات الجثة المطلوبة ... وخلال بحثه كنت أتابع مهمتي ...أبحث عن ساق ... هناك لحسن الحظ العديد من السيقان الصالحة ... أقوم مع المساعدين بتوصيلها .. يرن الهاتف ليأتيني صوت المشير المتوتر
" أم (ابراهيم) عاوزة (ابراهيم)"
أخبره أن يقوم بالهاء أم (ابراهيم) ببرقية عزاء أو شيء من هذا القبيل ..ثم أطلب منه أن يتناول دواءه المهديء وأغلق الخط...هنا يأتي (صبحي) ليضرب القنبلة في وجوهنا ...
"(ابراهيم) كان مركّب شريحة ومسامير في رجله اليمين"
ترى أي ساق قمنا بتوصيلها ؟!! .. أشعر بدمائي تفور كعصير الطماطم في الخلاط عندما اكتشف أننا قد أوصلنا الساق اليمنى ... أبحث عن ساق يمنى بشريحة .. أخضع جميع الجثث للفحص بأشعة اكس ... لاتوجد ساق صالحة ... هنا يقترح أحد المساعدين ان نقوم بتركيب الشريحة في الساق التي أوصلناها بباقي الجثة بالفعل
وقد كان .... وقرب الانتهاء صارحنا (صبحي) .. بأن (ابراهيم) قد استأصل الزائدة الدودية منذ سنوات !! ... أطلق سبابا بذيئا وأشرع في استئصال الزائدة ... ثم أبحث عن ساق يسرى صالحة ... وبينما نحن نقوم بتوصيلها يضرب (صبحي) جبهته بيده كمن نسي أمرا
"(ابراهيم) كان عنده تليّف في الكبد "
وقبل ان أفتك بالمساعد يرن جرس الهاتف ليأتي صوت المشير :-
" أم (ابراهيم) عاوزة (ابراهيم)"
أخبره - بأدب - أن عليه أن يخرس قليلا لو كان يريد لأم (ابراهيم) أن تخرس بدورها
أبحث عن كبد متليّف في أي جثة من الجثث ..كان الأمر سهلا ... الكبد المصري الأصيل ستجده متليفا الى أن يثبت العكس .. وبينما نحن نقوم بتوصيل الكبد .. يصارحنا (صبحي)  بآخر جملة قالها في حياته قبل ان أطلق النار على رأسه
" (ابراهيم) كان متبرع بكليته الشمال لأبوه"
________________________
 بعد عمل شاق ومرهق جلست أتأمل الحصيلة النهائية ...
كانت جثة مرعبة في الواقع ... شبيهة بمسخ فرانكنشتين ... أحمد الله أن المشير لم يطلب مني اعادة الحياة للجثة ... هناك الكثير جدا جدا من علامات الخياطة عند موضع الأطراف الأربعة والرقبة .. والجروح بالبطن ... رغم استخدامي لأجود أنواع الخيوط الجراحية ... وأمهر خبراء التجميل ... لكن هذا لم يخفف من أثر التعديل الرهيب الذي أجريناه على الجثة ..
كان أكثر ماأزعجني هما عينا (ابراهيم)
عينان تحدقان فيك باستمرار .. تتابعاك يمينا ويسارا كعيون الموناليزا ...
بغضب تنظر ... باتهام تنظر ... وتعدك بشيء ما لاتدركه .. لكنه مرعب
تريد رأيي ؟!! ... الجثة الممزقة الأصلية كانت أخف أثرا من هذا المسخ المخيف
يدخل المشير ليتأمل الجثة  قبل تسليمها لذويه... تهتز يده لاشعوريا ويشيح ببصره بعيدا .. أعرف ماأثار خوفه ... أتجه للجثة محاولا غلق العينين ...كانتا متصلبتين بشكل مريب ... تأبيان الا البقاء مفتوحتين
"ايه المنظر دة؟!!... اخزقله عينيه أرحم"
يقولها متأففا وينصرف ... أتناول دبوسا ... وأتجه الى (ابراهيم)
كل ماأحتاج .. هو بعض الشجاعة (مع المشير ... انت في السليم)
ثم بيدين ثابتتين ...أنفّذ مطلب المشير
_____________________
لم أدر لم أصيب الناس بالغضب مع مرأى الجثة ...
هناك هياج شعبي عارم... الثورة تشتعل أكثر والوضع بات أخطر .. نصحت المشير بتغيير نوع الغاز الذي تستعمله قوات الأمن... أخرجنا ما بالمخازن من غاز التابون ... هناك بعض الاصابات والوفيات في صفوف الثائرين.. لكن المشير يزداد قلقا .. لم تعد حالته النفسية على مايرام .. صار كثير الشرود والدندنة بألحان غير مفهومة .. يتحرك عليها حركات غير مفهومة .. أقرب الى الرقص...لاألومه لأن حالتي النفسية أنا ايضا ليست أفضل.. وثمة خطب ما بعيني ..
 يزور معملي ليلا .. ويتساءل عن الخطة القادمة ... أقدم له نصيحتي الأغلى
(الأحزاب تأكل بعضها ... ان لم تجد ماتأكله)
أقوم لاحضار دوائه المهديء بنفسي ... قبل أن ألتفت لتغيير مريب حدث بالمعمل
أين اختفت الجثث التي كنت أقتطع منها لصناعة جثة ابراهيم ؟!!
توقفت شعرات رأسي وأنا أدور ببصري في المعمل ... أتراجع بظهري مصفر الوجه  نحو المشير منتظرا شبحا  خلف كل زاوية ... يعاجلني المشير
"ماتشغل لنا شوية مزيكا؟"
التفت له زائغ العينين لأفاجأ  بأرعب مارأيته حتى تلك اللحظة
كانت عينا المشير منزوعتين من تجويف الجمجمة ... كأنما لم يكونا هناك يوما
أتراجع مذعورا بينما هو يتساءل عما دهاني ويأمر بتشغيل الموسيقى بصوت أعلى ... ومن خلف زوايا المعمل المظلمة .. خرجت لنا الجثث  بأطرافها المبتورة .. تقترب وتحدق ... قبل أن ترتفع في المكان أصداء مألوفة صنعت لحنا غريبا
توك توك توك .. تاك تاك .... تاك
"العيار اللي مايصيبش ... يسطل "
أصيح مذعورا
" سيادة المشير!! .... انت مش شايف حاجة ؟!!"
لم يبد عليه أنه سمعني من الأصل .. كان صوت اللحن يطغى على كل شيء
توك توك توك .. تاك تاك .... تاك ... توك توك توك.. تاك تاك ...تاك ..توك تراك توك توك .. تاك تاك .... تاك ... توك تراك توك توك.. تاك تاك ...تاك
هسسسسسسسسسسسسسسسسسسسسس(صوت فحيح لغاز متسرب في خلفية الايقاع)
يتناول يدي  لنرقص الفالس على صوت الرصاص المنبعث من كل مكان ... صوت الغاز اللامرئي ينبعث من حيث لاتدري ... عيون الجثث جاحظة مركزة علينا بشكل غريب ...
بغضب تنظر ... باتهام تنظر ... وتعدك بشيء ما لاتدركه .. لكنه مرعب
توك توك توك .. تاك تاك .... تاك ... والكثير من ال(هسسسسسسسسسسسسسسسسسس)
ووسط كل هذا كنت أدور ... ويدور المشير...
بعد منتصف الليل ... يتبخر كل هذا ... وأظل بمفردي في المعمل ...
لكنني أقسم أن الجثث قد اختفت ..فلم أعد أراها
___________________________
عندما يأتي لمعملي يوما ....ويهمس في أذني
"أم (السيد) ... عاوزة (السيد) "
أدرك أنني قد عدت لنقطة البداية ...يأمر لي بسيارة تنقلني الى حيث الجثث ..أستعيد منظر جثة ابراهيم .. والجثث السبع الممزقة .. وأرتجف ...
كل ماأحتاج اليه هو جثة صالحة للبدء
....وبعض الشجاعة
أسترجع الشعار المقدس
(مع المشير ... ذلك أفضل جدا)
يمكنني القيام بهذه المهمة حتى يوم الدين ... لكن ماذا لو سقط النظام؟!! ... من مصلحة الكثيرين ألاّ أظل حيا .. قد تفتك بي رصاصة غادرة ... وقد تكون هذه الرصاصة من مسدس المشير ...أنفض تلك الصورة عن رأسي وأشرع في أداء مهمتي... هناك أشياء في هذا العالم قد لاتود أن تراها
يعتبرني البعض الرجل الذي يجلس خلف الستارة .... الرجل الذي لايعرف أحد أنه موجود أصلا .. لكنني لم أعد واثقا بشأن من يحكم الآخر .. أنا أم المشير
أعتقد لسبب غامض أن النهاية قد اقتربت كثيرا ..هياج الناس يتزايد... صوت الرصاص لازال مستمرا ... العيون الجاحظة تطاردني...وعينا (ابراهيم) ...حتى أحلامي...
جثث ... ثم جثث ... والكثير من ال(هسسسسسسسسسسسسسسسسس)
 
ودبوس في جيبي استخدمته يوما .. أحتفظ به ليوفر عليّ رؤية مشهد النهاية   

Thursday, June 26, 2008

كارثة المترو

أحداث هذا البوست , خيالية والعياذ بالله
________________________

مطلوب رجال أمن ...0

بهذه العبارة الملطوعة بجوار شباك التذاكر .. استقبل المواطنون يومهم العادي , وهم يتجهون ببطء لقطع تذاكر المترو ...0
الحقيقة أنني - ومن موقعي كهذا كسائق عربة - صرت أتعامل مع كل مايخص العالم الخارجي (خارج العربة) بنفس المنطق الذي يتعامل به الأمريكان مع مايحدث في العالم خارج حدودهم الجغرافية ... تماما كجزيرة معزولة .. التوقف .. السير البطيء ... السير المتهور الذي يرج العربة رجا ... الفرملة .. التوقف .. فتح الأبواب و وانتظار بضع ثوان للتحميل .. كل ذلك صار روتينا يبدأ وينتهي عند نفس النقطة ... تلك التي لاتعلم بدايتها من نهايتها ولاتعلم ماهو الحدث الذي بدأ تلك الدائرة الطويلة الأبدية... تماما كما تجهل لمن كانت الأسبقية في الدخول لهذا العالم ..الدجاجة أم البيضة...0
"الأستاذ المحترم اللي ماسك الباب "
بصرامة أردد في مكبر الصوت لافتا نظر الراكب الممسك بالباب مانعا اياه من رحلة الانغلاق .. ربما يفعلها بدافع الشهامة .. بدافع الاستظراف .. دوافع لاتهمني في الوقت الحالي , ولايعنيني منها سوى أنني لاأملك متابعة السير وهو يعيق الباب بانتظار مرور مصر كلها لاتخام العربة

أنور السادات .. جمال عبد الناصر ... أحمد عرابي ... مبارك

يالله!!! متى يغيرون أسماء المحطات من باب دفع الملل على الأقل؟!0

(مطلوب رجال أمن)

انعزالي في عالم الطريق المرسوم ولوحات المحطات والأزرار والأنوار الملونة جعلني أرجيء رؤيتي لذلك الاعلان لحين فترة المساء والسهرة ... أعني بالتحديد تلك اللحظة التي أقرر فيها أن رحلة العودة للمنزل قد حانت .. وأنني صرت حرا خارج قيود قضبان المترو ... لطالما أحببت المناوبات المسائية ... عالم الليل لازال هادئا مريحا تدعمه الأنوار الصناعية الزاعقة بعيدا عن حر الشمس وزحام الناس المحموم لللحاق بأعمالهم ... في الصباح يكونون أكثر قلقا , أقصر فتيلا , أكثر سعارا بفعل الضغوط التي يولدها الحر .. والشمس .. وعقارب الساعة المتحركة ببطء نحو موعد الامضاء في دفاتر الحضور
(مطلوب رجال أمن)
في الفترة السابقة .. بدأت تزداد المعارك على بوابات المرور ... لازال الناس يحاولون التحايل على بصيرة المراقب ويفرون من قطع التذاكر ... البعض يستغل العابرين في أمان الله .. ويلتصقون بهم في لحظة المرور ليصيران كائنا واحدا ... رجل برأسين وأربع سيقان وخصرين ملتحمين التحاما مهينا... وعندما يعبر هذا الكائن الغريب الضفة الأخرى بنجاح , ينفصل الى اثنين من بني الانسان يقوم أحدهما بالاعتذار للآخر ويهرع للحاق بالعربة الموشكة على الرحيل
"لامؤاخذة ياأستاذ"

الجمهرة أمام الأبواب الاكترونية تعني أن أحدهم قد ضبط وهو يحاول التعامل مع البوابات كما يفعل الرياضين في سباق الحواجز

"عشرة جنيه يامحترم"

الغرامة الفورية عقوبة لابأس بها أبدا ... الغرامة بعشر أمثالها ... الرجل المضبوط يهلل ويقسم بأغلظ الأيمان أن التذكرة قد انحشرت في الجهاز وغاصت في أحشائه للأبد ... لكن المراقب المتحمس يجيد معرفة الكذب ويجيد تشخيص الأجهزة الشفاطة للتذاكر ويجيد تكرار الردود بشكل أكثر غلظة

"عشرة جنيه ياأكتع"

هذه المشاهد مألوفة متكررة لحد الملل ... وكان الاعلان عن الحاجة لرجال أمن لفتة طريفة من ادارة المترو لمحاولة السيطرة على محاولات التزويغ الناجحة من فخ التذاكر والغرامة والمراقب العريض

لكن الأكثر طرافة .. هو مابدأ يحدث في الأيام التالية

يخبرني رفاقي في المناوبات الصباحية (بحكم أنهم أقوى ملاحظة وأقرب لزحام الأحداث) بنتائج الاعلان ... أناس عاديين بمختلف المؤهلات بدأوا يتقدمون للادارة طمعا في الفوز بتلك الوظيفة ... أنا متأكد أني لم ألمح عبارة مثل (مرتبات مغرية) مرفقة بالاعلان... المدهش والمضحك أن من بين من يتقدمون لوظيفة رجال الأمن بعض المضبوطين بتهمة التهرب من دفع التذكرة

زوبعة قررت أنها ستمر في صمت .. سأعتادها كما اعتدت اضافة الخطوط في مسار الرحلة .. واضافة التعديلات على العربات .. واضافة الضرائب على الجميع ... في الأيام التالية بدأت أرى التغيير بدلا من السماع عنه من مناوبي الصباح

للمرة الأولى منذ تسلمت عملي بالمترو .. وجدت رجال أمن بملابس رمادية وهراوات سوداء ..ينتشرون في كل أجزاء المترو .. على منافذ التذاكر .. بوابات المرور .. أبواب الدخول الخارجية .. وحتى عربات المترو
واضح ان الادارة لم تكن تمزح بشأن الاعلان .. بعد فترة تحدد الطاقم الأمني الجديد للمترو .. وتولى قيادته أكبرهم سنا (وأكبرهم جسما وكفا بالمناسبة) .. اسمه (الكابتن عويس)0

المثير أن العساكر التقليدين .. أولئك السمر الغلابة ممصوصي القوام ذوي الزي العسكري الأبيض قد اختفوا نهائيا , كأن مشروع المترو لم يعد تابعا للحكومة .. فقررت رفع يدها عنه

يبدو أن المترو قد تمت خصخصته أخيرا!!0

هكذا!! .. بدون اشارات .. أو تمهيد أو عرض على مجلس الشعب؟... هل صارت الأمور هكذا تدار ... في السكون .. دون ضجيج حتى لايعترض أحد ؟!!! 0

"ياخوفي يابدران ليكون الدور علينا"
شلبي , زميلي الخائف دائما يستعيذ بالله ويبصق عن يساره ويمينه من باب زيادة التأكيد

"محدش عارف الشيطان بقى بيقعد في أنهي جنب دلوقتي"

حقا !!..الى أين نذهب لو قررت الادارة الجديدة التخلي عنا ؟.... ماذا يكون مصيرنا ... ؟... هل سيستعيضون عنا بمترو يعمل بالعقل الالكتروني ؟!!0
لكن الأيام التالية مرت بهدوء دون أن تظهر أي بادرة أو مؤشر لأي تبديل سوى في الحراسة

وقد بدأت الاحتكاكات بين الأمن وجمهور الركاب بعدما اطمأن الجميع لثبات أقدامهم في المكان .. وبعدما منحت الادارة رجال الأمن الجدد والكابتن عويس صلاحية مطلقة للسيطرة الأمنية الكاملة على المترو وضبط أي مخالفات

"تذكرتك ياأستاذي ..؟"

واحد من المضبوطين على البوابات متلبسا بمحاولة المرور قفزا .. يستوقفه حارسان في ظفر .. يتلجلج الرجل .. ان داء الانحراف لن يتوقف حتى تقوم الساعة

"فيه غلط ... التذكرة مرفوضة والباب مابيفتحش ..."

"طب بس وريهاني .."

"ياعم بقولك مرفوضة ... انا رميتها"

"انا اللعبة دي كنت بلعبها زمان ياروح أمك"

يمسك أحد الحارسين بياقة الرجل بشكل مهين .. ويبدأ في اجتذابه بعيدا عن البوابات ليبدأ الرجل في الصراخ

"أوعى.... نزل ايدك دي..."

يتملص الرجل محاولا الافلات .. والعبارات الغاضبة تتناثر من فمه .. وجمهور الركاب يتوقف للحظات متابعا الصراع في شغف ... تلك أشياء لاتراها كل يوم ... يهوي أحد الحارسين على وجهه بلطمة ألقته أرضا .. بينما الثاني يتناول هراوته السوداء وينقض بها ليختم الجولة

ضربة واحدة كافية لكن الحارس يستمر بالضرب عدة مرات .. ونظرة غريبة تلتمع في عينيه...0

لابد أن صدى الشهقات والتحطيم قد وصل لأسماع الكابتن عويس ليقترب من دوامة الأحداث ... ينظر للواقفين ثم يمسح المشهد بعينيه لتحليل الموقف ,ويتأمل الجسد المحطم النازف أرضا .. ينحني بجواره ليردد

"طول ماأمثالك موجودين عمر البلد دي ماهتنضف "

يأمر رجاله بطلب الاسعاف ... ثم ينظر لأكوام البشر المتناثرة في صرامة ليصيح

"يلا ياأفندية .. كل واحد يشوف مصلحته فين"

هؤلاء العساكر المتحمسين يشاهدون الكثير من الأفلام الأمريكية العنيفة ... لازالت آثار الدماء المخيفة على الأرض تغري بالتساؤل .. ماذا أفعل لو كنت مكانه؟ ... أين يذهب حقي؟ ... لا ...أنا لن أفعل هذه الأشياء المخزية .. ان الجنيه الذي تدفعه لثمن رخيص عندما تشتري به كرامتك

أشهد أن سيطرة الكاتن عويس ورجاله كانت فعالة في الحد من ظاهرة التزويغ .. لكن ... كم حادثا تحتاجه كل محطة من محطات المترو كي تندثر الظاهرة نهائيا ..؟!0

كان هذا هو الحادث الوحيد الذي رأيته رأي العين ... لكن كلاما يصلني من العربة خلفي مباشرة يؤكد لي الحقيقة ...

هذا ليس الحادث الوحيد ...0

أتذكر منظر الدماء .. ويقشعر بدني ... ثم أتناسى الأمر مرددا الشعار الوطني المحبب

مادام بعيد عن ......... كابينتي .. خلاص ...0
______________________________________

ثمة حارس جريح فاقد الوعي شوهد ملقى في الحمام وقد فقد عصاه

من يجروء؟!!0

لماذا سرقت العصا ؟!! .. ولماذا ضرب الحارس بتلك الوحشية ؟!!0

ثارت ثائرة الكابتن عويس ... ثمة تصعيد قد حدث ... ان من يضرب واحدا من رجاله هو رجل قررت شمس الغد ألا تطلع عليه .. لسوف يأتي به الكابتن عويس .. سيلتهمه كآكلي البشر الجوعى ,ويسترد هيبة جهاز الأمن في المترو ..... يتوعد ويهدد .. وينظر للناس نظرة شريرة .. كأن المجرم واحد مندس وسطهم .. ثم يذهب الى أحد المكاتب ... يغيب بداخله لدقائق ويخرج بعدها بنظرة توعد غاضبة ليقول
"اقفلوا المترو... خلاص .... مفيش ركوب .. مفقيش مصالح ..مشاوير النهاردة ... بح"

يذكره رجاله بأن اغلاق المترو واخلاؤه من رواده قد يكون عملا لاينطوي على الحكمة ... تضيق عيناه أكثر ليردد بحزم

"ومين قالك هانخلي المترو؟"

ينظر للجمهور المزدحم أمام البوابات ليكمل

"احنا هنقفل المترو ع اللي فيه"

لقد جن جنون الرجل ... وبات يتعامل مع الأمر كسرقة محل المجوهرات التي شاهدها كثيرا في الأفلام ... ان اللص بيننا وبحوزته جوهرة نجمة الصباح والتفتيش المنظم سيجعل وقوعه في أيدينا مسألة وقت

يغلق المترو؟!!!!0

كيف يفكر بالظبط هذا المخبول؟!!!0

لكن الدقائق التي مرت أكدت أنه جاد بدرجة كافية تسمح له بتنفيذ جنونه ...0

في سابقة فريدة توقفت عربات المترو في كل المحطات عن العمل في فترة الذروة ... ونزل الناس من العربات متسائلين بشأن ذلك النداء الذي خرج من مكبرات الصوت

"حضرات الركاب برجاء النزول من العربات ... حضرات الركاب برجاء ترك العربات"

الناس في حالة عدم وعي ... أكثرهم تفاؤلا ينتظر بالقرب من الباب باعتبار المسألة مسألة دقائق يعودون بعدها للنظام الذي ألفوه منذ عرفت أقدامهم طريق المترو

لكن الصدمة المباشرة كانت من نصيب أولئك الذين قرروا الخروج لسطح الأرض

كانت البوابات الخارجية مغلقة تماما

صار المترو سجنا كبيرا يضم التعساء الذين تصادف وجودهم داخله في ذلك الوقت

رجال الكابتن عويس يدورون بين الجمهور ويجردونهم من متاعهم ويفتشونها في غلظة ... ان هدفهم مجرد عصا سوداء يحملها الفاعل الشقي

اشتباكات جسدية صريحة بين الحراس والجمهور ... والضرب والصراخ صار مألوفا بعد ساعات

هذا اليوم لن ينتهي أبدا

بنشاط بالغ ينتقل الكابتن عويس بين المحطات ليصير هو الراكب الوحيد في المترو الذي يستطيع الانتقال بين محطة وأخرى في دقائق معدودة مهما بعدت المسافات كلما أبلغه رجاله بمشتبه فيه تم ضبطه في محطة ما... كنت تقريبا السائق التعس الذي انفرد به الكاتن عويس في أغلب الأوقات .. لنجري في عالم ماتحت الأرض .. في الممرات المظلمة الطويلة
صارت خطوط المترو مسخرة بالكامل لخدمة رجل واحد ألهبه الغضب الحيواني المسعور

الحظ السيء هو ماجعلني أتوقف في نفس المحطة التي تواجد هو فيها لحظة اصداره القرار المتهور

مرت ساعاتان دون أن يتغير الوضع ... واعتراضات الناس ... تحولت مع الوقت لهمهمات معترضة غير واضحة المعالم ... وآخرين يئسوا من الاتصال بكبار البلاد الذي يعرفونهم في الخارج ... ان من يحتاج لوساطة .. لن يحصل عليها الا من داخل المترو

" يابخت من كان الكابتن عويس خاله"

الصوت المتحشرج يتصاعد من لاسلكي الكابتن عويس .. لتتضح معالمه بعد ثوان

" مشتبه فيه في محطة العتبة ياباشا"

__________________________

أحيانا أخاف من نفسي عندما أراقبها تتمادى في الخطأ بحجة تنفيذ الأوامر العليا .. ولو كنت أملك حق الاعتراض .. لفضّلت ترك العربة

__________________________

أوصلت الكابتن عويس لمحطة العتبة ... وسمحت لنفسي بالنزول لرؤية المتهم المضبوط
كان رجلا متوسط العمر قصير القامة أميل للبدانة .. يمسك بحقيبة رياضية لبنية اللون ويقف مقيدا وسط حشد من الحرس الظافرين .. وأحدهم يمسك بالحقيبة ليناولها للكابتن عويس الذي التقطها برصانة وقلب محتوياتها ليستخرج منها (ننشاكو) أسود اللون .. تأمله لدقيقة بين يديه بنظرة مستاءة ... ان رجاله البهائم لم يعرفوا الفارق بين الننشاكو الصيني والهراوة السوداء التي تسلموها في يومهم الأول .. لكنه لوّح بالأداة المضبوطة في وجه القصير ليقول

"شنطتك دي؟"

"انا عايز أعرف انتوا ماسكيني ليه"
ان كل ماكان يهم الكابتن عويس في تلك اللحظة كان القبض على المعتدي المجهول .. لا البحث عن أسلحة مشكوك في هويتها

"انت مش عارف ان شيل السلاح ممنوع؟"

"دة مش سلاح سعادتك"

يمسك بطرف الننشاكو .. ثم يطوح فجأة بالسلسة المتدلية في نهايتها ليوجه بالطرف الآخر صدمة موفقة لخصية الرجل وهو يصرخ

"سلاح دة ولا مش سلاح؟!!0"

يحتقن وجه القصير ويهوي أرضا ممسكا بضاعته الغالية في ألم مخيف .. يقول بصوت ممزق

"دي مش حاجتي ... دي شنطة ابن أخويا ... هوة مستنيني برة"

يشير له الكابتن عويس في تعالي

"قوم على حيلك ... قوم"
القصير المرمي يجاهد لالتقاط أنفاسه .. ثم يشير الى الحقيبة ويحاول اتمام جملة مفهومة

"ال..البخاخة ... أبوس ايدك ... حسا...أنا عندي حساسية"

" والحساسية دي بتجيلك من الخضة؟"

لازال الرجل عند ساقه يتوسل ويحارب للتنفس .... واحد يقترب من الجمع ليقول بلهجة خطرة

"ياجماعة الحقوه .. صدره قفل ... دة عاوز مستشفى"

ينظر له الكابتن عويس بصرامة

"انت ابن أخوه؟"

"لأ ... بس.. "

"خليك بعيد أحسن"

القصير يشير بيده في ضراعة .. وصار تمييز كلماته أصعب وهو يردد في ضراعة

" البخاخة .. أنا في عرضك"

بدأ الجمهور يقترب .. وبعض النسوة شهقن وهم ينظرن للرجل ... لست أكيدا من سلامة عيني .. لكني أرى لونه يتحول للأزرق ... الأعين المتسعة تحدق بالرجل ثم تنتقل للكابتن عويس

ياجدع اعمل حاجة الرجل هيموت .... انتوا أرواح الناس ببلاش عندكم ؟!!... ياناس ياعالم ... عايزين دكتور... انت بني آدم عديم الاحساس .. يالهوي دة بيموت!! ... يلعن أبوكم انتوا ايه؟!!!0 ...

العجيب أن واحدا لم يتحرك للنجدة ... واكتفوا بالتوقف والمراقبة والاستنكار .. ولدقائق نسيت أني تحولت الى متفرج معهم .. بلا حركة أو فعل .. أنتظر من أحدهم فعل شيء ما .. أي شيء ... انقاذ الرجل المريض ... الهجوم على الكابتن عويس ورجاله ... تحطيم أبواب المترو المغلقة .. أي شيء .. أي شيء ... مشهدنا ونحن نتأمل الموقف بعيون منبهرة أعلمني بشيء واحد ..0

ان الرجل الذي سينقذنا .. لن يأتي أبدا...لأنه ينتظر معنا

ببلادة نتابع المشهد ... الرجل يتهاوى ويزرق أكثر .. والكابتن عويس يقف أمامنا عاقدا ذراعيه في ثقة ...والحرس ينتظرون الأوامر دون أن يبدوا على ملامحهم الى أي الفرق ينتمون... ونحن نتساءل .. هل مانراه أمامنا .. يحدث حقا؟!!0
يلقي الكابتن عويس بالننشاكو أرضا .. ثم يجول ببصره في الجمع بنظرات حادة ازاء نظرات الناس الغاضبة المتهمة .. يشير لي ببرود قائلا
"ارجع على رمسيس ياأسطى"
اللحظات التي تقضيها واقفا أمام قنبلة موقوتة تمر كصورة بطيئة ... وهنا لاتدري موقع القنبلة اذا كانت هي الكابتن عويس بلهجته الآمرة , أم الجمهور الغاضب ... اتراجع للعربة .. وافتح الأبواب ليدخل الكابتن عويس نظرات الناس لاأدري اذا كانت تطاردني أم تطارد الكابتن عويس .. لكني أكره البقاء معه في سلة واحدة ... الناس يقتربون من العربة المفتوحة .. يحاولون الدخول لكن الكابتن عويس يصيح بهم في صرامة
"مكانك .. كل واحد يفضل مكانه"
أغلق الباب مستعدا للانطلاق .. انظر للمشهد من جديد .. الرجل المريض لازال يصارع بعد أن ناوله بعضهم البخاخة ... يحاول التقاط أنفاسه بلا جدوى ... بعضهم يصوب نظرات حقودة الى العربة .. وحركة شفاههم أعلمتني أي الشتائم يطلقون ... الكابتن عويس يطرق الزجاج الفاصل بيننا ليردد
"ماتطلع .. احنا هاننام هنا؟!!0"
أعرف أن رجوعنا للمحطة الرئيسية لن يكون النهاية ... سيكون بداية متجددة لحدث متكرر ... الكابتن عويس سيجوب المحطات .. والناس ستنتظر حتى يجد بغيته .. أو تهبط الرحمة في قلبه
أنظر للأزرار ... هذا الرجل سيمضي في سحقنا جميعا دون أن يطرف له جفن ... بحكم منصبه ... بحكم مسئولية تأمين المترو ربما ... بحكم كل هؤلاء الحرس المنتظرين في خدمته ... بحكم السيطرة الممنوحة بلا حدود
أتطلع للأزرار مليا
السيطرة .. هي كل شيء
طرقات عصبية على الكابينة ولهجة الكابتن عويس الحاسمة المستفزة تغمر حواسي لأغرق في احساس كريه من الجبن .. ورهبة الصوت العالي , والاحساس بالعجز والضآلة .. آخذ شهيقا .. أقترب من مكبر الصوت بالروح العدوانية المفاجئة التي أشعلها الضجيج
"الأستاذ المحترم اللي بيخبط ع القزاز"
وقبل أن يستوعب الكلمة .. كنت أضغط الزر الصحيح من البداية
زر فتح الأبواب
تفتح جميع الأبواب أمام الجمهور الذي توقفوا لدقائق محاولين فهم حقيقة الموقف بعد ان اعتادوا البقاء في المحطات .. الكابتن عويس يطرق على الزجاج في غضب استحال جنونا مع مرأى الناس تقترب من مدخل العربة
"اطلع ياحيوان ... بقولك اطلع ... مكانك انت وهوة"
الناس الواقفين على وشك الدخول يرمقون الكابتن عويس بذات النظرات الغاضبة ... شيء غامض يمنعهم من ركوب العربة .. صراخ الكابتن عويس .. تلويحه بالعصا ... حالة من عدم التصديق ... ينظرون لبعضهم البعض .. كأنهم يدعون بعضهم بعضا للدخول .. يقترب الكابتن عويس من الزجاج الفاصل بيننا ويطرقه بعصبية بهراوته السوداء .. الزجاج يكاد ينهار من شدة الضربات ..ينتوي الدخول للعربة للفتك بي ... الزجاج يتشقق أكثر وأكثر ..يصرخ بأعلى صوته في جنون كامل
"اقفل الباب بقولك .. اطلع ....
......اطلع
....اطلع"

Tuesday, January 15, 2008

الاغواء الأخير للعنتبلي

.d;في احتفال بسيط ... توّج العنتبلي مديرا عاما للشركة الوطنية لانتاج البلاستيك
___________________________

يقول العنتبلي في أوراقه المخفية :-0
يومي الأول في مكتب المدير
لم يتغير روتين الحياة كثيرا بعد منصبي الجديد ... لازلت اسير في ذات الطرقات بين نفس المكاتب ... فقط يختلف تصميم الكرسي الذي اجلس عليه وتتسع مساحة الحجرة لتتساوى مع اهمية الموقع الذي احتله

بدأت حياتي العملية موظفا عاديا بالشركة ... الترقّي مجرد عملية ديناميكية خاضعة للوقت وبعض الجهود والتزكية ... هي حتمية كالقدر مالم تصطدم بالمشيئة الادارية ... وكانت المشيئة الادارية تعمل لصالحي ... وهي التي جعلتني في قفزة مفاجئة نائبا للمدير السابق وذراعه اليمنى متخطيا بذلك رقابا كثيرة طالما لمحت في عيون اصحابها , الغلّ والتربص ... ثم اتت مشيئة اخرى اعلى ... المشيئة الالهية , عندما لقي المدير السابق مصرعه بين انياب الماكينات الجديدة التى سعى بنفسه لتطويرها املا في النهوض بانتاج الشركة

حادث مؤسف ... خفف قليلا من صخب الاحتفالات المعهود احتراما لذكرى العزيز الراحل .. وجعلني في ذات الوقت مديرا ومتحكما .. ومقررا لذات المشيئة الادارية التي اتت بي يوما .. اعطي وامنع ..اكافيء واعاقب ... سلطة مخيفة .. محت نظرات التربص التي لمحتها من البعض , وأتت مكانها بنظرات الاحترام والتبجيل المحلاة ببعض الرياء ... رياء لااخطيء تمييزه , لأنني اتوقعه .. ربما .. ولأنني كنت يوما ما .. واحدا من هؤلاء...لذا افهم جيدا مشاعرهم وخواطرهم ومايحدث تحت جلودهم الخشنة

لم يتغير روتين الحياة كثيرا ... لكن رؤيتي للحياة وللاخرين هي التي اختلفت

_________________________

المتجه الى الخزينة يلزم اقصى اليمين ... المتجه الى مكتب العنتبلي يلزم الأدب
تحديات الادارة ... قائمتي مزدحمة بالأعباء والأعداء ... ذهني منشغل بمحاولة التوازن والبقاء اكثر من انشغالي بسير العمل في الشركة ... ممارسة السلطة شبيهة برياضة ركوب الأمواج لممارس مستجد , المهم في الأمر الا تبدو مستجدا لأنك ستسقط مع اول موجة تثير صيحات جمهور الشاطيء .... بدأت في وضع الخطط وتنفيذها طمعا للتفرغ فيما بعد لرخاء الشركة

كانت اول خطوة هي اكتساب الارضية ... النعم الادارية تذيب الاحقاد , تصنع العبيد ان شئت ... الترقيات والمكافئات لاتكلف جيبك عبئا ... بعد ذلك تصير لقراراتك القادمة شرعية على ارضية جماعية مؤيدة ... ومن هنا اصدرت ثاني قراراتي .. تكهين الماكينات الجديدة ... العاقل من اتعظ بسلفه ... انا بصدد شراء ماكينات اخرى اكثر امانا فور ان تستقر الأمور بالشركة ... يمكن لمسيرة الرخاء ان تنتظر قليلا

كنت ارى بعين الطائر مايدور في المكاتب المعزولة خلف اكوام الملفات القديمة ... رشاوي .. عمولات .. اختلاسات ... دعارة وظيفية متكاملة .. دعارة , اعلم جيدا افرادها المنظمين,واشم رائحة فسادهم كالعرق .. ..كأكياس القمامة ... في المكاتب المعزولة بين اكوام الملفات القديمة .. حيث يتراكم الموظفون في ظلام الشقوق بعيدا عن نور الرقابة .. وبخيوط الفساد اللزجة .. يبنون بيوتهم ومخابئهم ... مملكة كاملة بين الجدران .. في المكاتب المعزولة خلف الملفات القديمة .. كثيرون .. كحشرات مختبئة في ركن بعيد .. تهاب الاقتراب منه خشية اللدغات ... لدغات لن تقتل .. لكنها لن تجعلك سعيدا

ومن هنا ظلوا يتراكمون .. ويتعاظمون .. بل ويتكلّسون .. تماما كجير الاسنان .. وصارت مملكتهم شبه منيعة على الاقتحام ... ومن هنا نشأت بيننا معاهدة غير مكتوبة .. بالا يتعدى عفنهم .. عتبة شقوقهم ولايتجاوز صدى فحشهم حد الهمس...هم ايضا حفظوا العهد.. فضمنوا البقاء ... وتظل اياديهم الموافقة وصيحاتهم المؤيدة مضمونة في صفي استخدمها لمصلحة الشركة.. خلا واحد او اكثر .. يتجاوزون الحد الامن .. فيسحقهم نعل القانون كالصراصير .. ومن اشلائهم يتصور الجميع من خارج اطراف اللعبة ان العدالة لاتعاني من عطب .. وانها تعمل بكفاءة ممتازة

قد لاتعاني العدالة من عطب .. لكن نعلها لايطال الشقوق
___________________________

انتبه من فضلك ... الشركة ترجع الى الخلف
لكن لاشيء يبقى مستقرا دون مشاكل على سطحه الهاديء .. ولا يوجد مدير دون مخاوف دائمة وهواجس خفية .. ولايوجد مايقلقني قدر الانهيار والسقوط ... لفترة توقفت عن النظر الى نفسي كفرد .. تتغير نفسيتي منذ مدة لتتواءم مع مشاعر التحكم والاحساس بالقوة الخارقة .. قوة القرارات والامضاءات والأختام .. لكن في لحظات قليلة خاصة جدا ... عندما يختفي المرؤسين , وتغلق المكاتب .. وتطفأ الأنوار .. اتذكر احاسيس البشر .. الفردية .. الضعف ... والخوف... لاشيء يجعلنا اقوياء قدر اناس تؤكد لنا ذلك ... .. تجعلنا نصدقه وتجعله يقينا .. لكني صرت مؤخرا استيقظ خلال فترات نومي المتقطعة على كوابيس .. ارى نفسي فيها وقد انسحبت من تحت قدمي سجادة الادارة .. اسقط كطفل تعثر من على عجلته المسرعة بينما جموع لاتنتهي من الناس تسعى خلفي.. تكرههني. تبغي قتلي ... وستفعل ذلك فور ان تصل الي .. وينتهي الكابوس ... ويتبقى الفزع , والعرق البارد

ازعم اني قدمت الكثير للشركة خلال فترة ادارتي ... اعتقد انها نهضت عن ذي قبل .. لكن السلطة والهم .. توأمان لايفترقان... والاحساس المستمر بأن من حولك لايرون ماترى .. لايشعرون بان الأمور أفضل .. هذا الاحساس يلازمني كرجفة الشتاء ... احساس يملأك بالكابة ... ويجعلك تعادي هؤلاء الذين لايعجبهم سير الامور ... صرت اكرههم , اكره تحفظهم وحماسهم المنطفيء عندما نتحدث عن انجازات الشركة ...و صار ضجيج الماكينات التي كهنتها يوما يعلو بصورة غريبة ... هاجس اخر يضاف الى قائمة الكراهية

ويبدو ان نفسيتي تنعكس على أداء الشركة... صارت الكراهية سافرة بين موظفيها. كأنما انقسموا الى فريقين متناحرين ... فريق المقربين , وفريق المبعدين .. فريق يفوز بالحوافز والعلاوات والترقيات السريعة .. وفريق اخر يلعن ماالت اليه الشركة ويعلن عن نفسه باستمرار في صندوق الشكاوي .. طعنات متبادلة بالاتهامات...وسباب بلغة ادارية محنكة ... فوضى ... احيانا يخيل الي ان الكل قد نسي عمله الحقيقي بالشركة وصار عمله الجديد هو اثبات الذات ... لم اعرف منذ الوهلة الأولى ان الصراع صراع بقاء .... لكن الامور تغدو اكثر وضوحا .. عندما يتحدث الموظفون باستمرار عن المرتبات الزهيدة .. وخط الانتاج المنحدر .. ويصرخون معلنين عن فساد زملائهم .. ويحاربون كمجرمين سعيا خلف مكاسب هزيلة يحسبونها نعيما مقيما

عندما يبلغون هذا الحد من الغضب والكراهية والسعار والرفض ... فهم يناضلون من اجل البقاء .. لأنهم اكتشفوا انهم في واقع الأمر ... يحتضرون
__________________________

لمن أترك كل هذا ....؟
شيء غامض جعلني ابقى على كرسي المدير ... ربما هو مزيج معقد صنعه احتراف الادارة ,مع ارضية ثابتة اجدت تخطيطها , مع خوف الموظفين المستمر من التغيير .. مما يجهلون ... مهما سخطوا وتذمروا ... لم يفكروا حقا في مدير جديد .. ربما لأنهم لايعلمون واحدا ... لم يعودوا يرون سوى السواد ... ولم تشم انوفهم سوى العفن ... ولم تعتد اذانهم الا على احاديث الخيانة والسرقة , ادمنوا عالمهم المقرف كما يدمنون سجائرهم بكل ماتفعل بهم من سعال ومرض ... امر غامض جعلهم يباركون استمراري مديرا لشركتهم الدورة تلو الاخرى

تبلى الكراسي .. وتشيخ الوجوه .. وتتحول الشركة امام عيني من مصلحة تدار .. الى بيت األفه وأحفظ أركانه ... ... احس خصوصية جدرانه وماتحويه من مكاتب وموظفين وملفات ... كأنما هي أشياء تمتلك بحكم الأقدمية وتنضم الى ميدالية المفاتيح ... الأقدمية تصنع الألفة
هناك أشياء تتم دون تخطيط ... كأن أبدأ في اصطحاب ابني الى الشركة ... يقضي بها الساعات يدور بين المكاتب ويداعب الموظفين ... كان مروره متقطعا في البداية ثم مالبث ان صار شبه يومي .. وقد شجعه الترحيب الحار , و الاحترام الفائق الذي يلقاه .. واحساس منطقي بهيمنة والده المطلقة على عالم الشركة
في البدء شجعته على الاقتراب من هذا العالم ... ومعرفة خباياه ... ثم بدأت بذرة صغيرة تنمو داخلي على استحياء ... كأنما ابغي ترك جزء من ذاتي في هذا المكان ... تشجيع الموظفين المقربين جعل الفكرة تختمر في رأسي وتصبح هدفا تصنع له القرارت ... من قد يدير شركتي افضل من واحد من صلبي ؟

قمت بتسريب شائعات في أرجاء الشركة بهذا الخصوص طمعا في جس النبض .. لازالت تصلني بكفاءة أحاديثهم الخفية ورفضهم , وحتى نكاتهم اللاذعة ...لكن الالحاح يصنع المعجزات ...ومايكرهه الناس اليوم , قد يقبلوه واقعهم غدا .. فقط اذا مادأبت على ترديده .. كأنما هي تعويذة سحرية تستمد قوتها من التكرار .. ورويدا رويدا , رأيت الموظفين يتحولون من الرفض المجنون , الى عدم الاستساغة , الى تقبل الواقع ببقايا سخرية .. صفقة أخرى غير مكتوبة عقدتها بينهم في صمت ... سيتركون لي القرار المطلوب .. وسأترك لهم سخريتهم ونكاتهم وثرثرتهم الفارغة بين المكاتب ..صفقة كتلك التي عقدتها يوما مع الفاسدين منهم طمعا في مزيد من الاستقرار

اليوم ... صار ابني واقعهم الذي لامفر منه

_______________________

الاغواء الأخير
شيء واحد اعتبرت نفسي عاجزا عن تحقيقه ... الخلود ... لاشيء يدوم للأبد ... التجاعيد, والشعر الأبيض , الارهاق المستمر الذي يداهمك عندما تبذل ذات المجهود الذي كنت تبذله قبلا دون أن تلاحظ ...انني حقا أشيخ ... ومعي تشيخ القرارت والأختام والعقلية الادارية الجبارة التي حسبتني أمتلكها

لازلت أسمع لهمس الموظفين خلف مكاتبهم ... يتحدثون عن الرحيل , والمدير المنتظر , يتصورون شكل المستقبل من بعدي ... كلامهم يصيبني بالمرض أكثر ... لا , ليست الأمور بتلك السهولة

حرصت على أن أبدو امامهم في أتم صورة وصحة ... أنا لاأمرض , ,لاأرهق , لاأشيخ ... أنا صورة دائمة الشباب .... صحيح أني لم أعد اظهر كثيرا أمامهم كالسابق ... لكنهم يعلمون أن العنتبلي دوما في مكتبه ... باق بالشركة ... يراهم من حيث لايشعرون
صورة ضبابية تتكون أمام عيني ... لم اعد ارى جيدا ... الصحة , والعمر ... تلك امور لاتصطنع ... الخوف ... لم يحن وقت الرحيل بعد ... لاأعرف عالما اخر احيا به سوى مكتب المدير ... لاأعرف زمنا ارغب في البقاء به سوى الأبد ,لأنني لم أعتد تغيير الأمور ... المرض والعمر ... يلتهمان المرء كلهب شمعة لم يبق من فتيلها الا الذبول

الخوف ثانية ... حديث الموظفين ثقيل مسموم ... ينتظرون كأنهم ضباع جائعة حول أسد مريض

مع انفاسي المتثاقلة ... بدأت اعرف الاغواء الأخير الذي قدمه لي كرسي الادارة بعد القوة, والتحكم , ولذة الرؤية بعين الطائر , الاغواء الذي يتراكم في النفس ببطء ... ليحولني الى ماصرت عليه الان ... شيخ يعجز عن ترك مكانه , يحارب لاثبات انه لازال حيا , وسيبقى

كالجدران والتاريخ واحجار الماضي ... سيبقى

كسليمان على عصاه يخيف الجان ... سيبقى

الاغواء الحقيقي ان تعجز عن ترك الكأس ... لأنك شربته حتى الثمالة
لازلت اسهر في مكتبي حتى وقت متأخر من الليل .. ذهني يتشوش اكثر , واعجز عن الرؤية دون النظارة التي أرتديها فقط عندما اختلي بنفسي , ورغم سمعي الذي يضعف يوما بعد يوم ...الا انه لازالت تصلني بانتظام همسات الموظفين , ونكاتهم ,و ضجيج مزعج صادر عن المخازن ... حيث الماكينات الجديدة التي كهنتها يوما

Friday, June 29, 2007

مطرقة العاهرات

الشيطان يكره الصابون
_________________________
ماجدوى النظافة في بيت يعشق الهباب؟
خاطر يومي غير مميز دار في رأس الممرضة سناء وهي تدخل غرفة ولديها قبل البدء بطقوس الايقاظ الخفيفة ... منظر الغرفة بكتل الملابس المتناثرة ارضا والأقمشة الخارجة كالأمعاء من بطن الدولاب يثير الغيظ , وأكيد هناك أعقاب سجائر زوجها ملقاة أرضا بالكنيف المدعو صالونا
ليه تطّفي في طفاية لما ممكن تطّفي ع الأرض؟
دقائق وتحولت طقوس الايقاظ الى عملية ارهابية مفزعة حافلة بالسباب والشلاليت ... قوموا يازبالين
لازال أمامها نصف ساعة قبل اعداد الافطار والسندوتشات وتفحص الثلاجة أملا في غداء متوسط المستوى ... تقطع نفس المشوار وتركب نفس المواصلة للمستشفى وتمضي في دفتر الحضور , وتتلقى توبيخا من رئيسة التمريض لأمر خائب , تتفحص الاّلات بالتعقيم , وتتشاجر كالعادة مع (ف . ف) عاهرة الطالبية .. البكر الرشيد رغم كل شيء لأنها تتحرش بأطباء الامتياز العذارى
وبتحب ايه بالضبط في هيفاء وهبي ؟
معظمها .. صوتها حلو الصراحة
صوتها!! (بنغمة خبيثة) شكلك هاتتعب معانا أوي
تشخط سناء في (ف) الجالسة ببجاحة أمام الطبيب ذو الوجه المحمر وتكرشها بصرامة من الاستقبال ... لهذا تنتعش الرذيلة وتتورد وينمو لها اجنحة لتحلق فوق رؤوس العباد , لأن الذين ينهارون بسرعة أمام اللحظ الفتان والقد الواعد المنبعج قد صاروا متوفرين بغزارة
__________________________
الشيطان له لحية
__________________________
يضحك الدكتور (ع) ويقول كلمة مازحة عن الشيخ سناء التي تجز أعناق الخطيئة ... الحقيقة أن كلمة الشيخ متسقة أكثر مع (ع) بذقنه العظيمة وعلامة الصلاة المستقرة بوقار على الجبهة كأنما تستند على شنبر نظارته الأسود السميك ... رائحة البخور والمسابح والمسك الأصلي تفوح منه باسترار بغض النظر عن عينيه الذئبيتين المنهكتين ولسانه السليط المحترف والحكايات الأسطورية التي يتناقلونها همسا في اقسام المستشفى اّخرها قدرته على تخصيب النساء بمجرد اللمس ... يقولون أنه اطلق اللحية ارضاءا لأهله تماما كما أصبح طبيبا ... ولهذا سيتزوج من قريبته المؤدبة المطلقة ذات العيال , ربما من العدل أن تكون له حياة سرية عربيدة ... لاضير مادام يحافظ على الصلاة والصلاة الوسطى ويصل الأرحام ويطيع الكلام
__________________________
الشيطان لايقرأ صحف المعارضة
__________________________

لازال الفناء الخلفي خاويا ويتحول بنجاح الى مقبرة لفضلات المطبخ ... المدير اللين المذعور دوما لايملك سوى توعد العمال وتجميل مدخل المستشفى بالرخام والخضرة والوجه العفش لرجال الأمن الصارمين المصابين بالضمور والضغط ... كله تمام , التنظيف مستمرعندما يأتي تفتيش الوزارة ... الأخصائيين في الاستقبال بالبالطو يبتسمون للزائرين بود ويرفعون ايديهم بشعار مطاعم كنتاكي (ايحاءا برقي الخدمة) ... جهاز رسم القلب الأخرس صار يعمل بكفاءة مفاجئة ... وسناء صارت عاجزة عن الحصول على اجازة لأن التفتيش يتزايد وحالة الطواريء لازالت قائمة ... المستشفى تلمع وان عانت من نقص في المحاليل والقفازات وابر الخياطة الحقيرة ناقلة العدوى والفناء الخلفي المغري بمزيد من القذارة , لكن توفير هذه الكماليات يأتي في المقام الأخير لمدير يهاب المفتشين الغلاظ الباحثين بنهم عن فضلات ملقاة أو عنكبوت في الزوايا أو مصباح تالف الحال , سيظل يقبل الأيادي الكريمة التي لاتمتد للأدراج المغلقة والعهدة المنسية والفناء المهمل
ربما تكون مشكلة المدير أنه لايريد حقا رؤية الفناء الخلفي
___________________________
الشيطان يأكل اللحم الميت
___________________________

ولابأس من الأحاديث الجانبية مع زميلات العمل الثرثارات بشكاوي لاتنتهي من المدير والمرضى والعيال واللطخ المقيم بالمنزل ... كتل مركبة من التعاسة ترتدي البياض وتشخط في الناس بعصبية طوال اليوم ... هناك شيء يتحطم يوميا في تلك النفوس ... تموت الأحلام عادة بعد سن الثلاثين ولايبقى سوى أشباح باهتة من كلمات جميلة ومشاعر دافئة ... منذ متى صاروا يقبلون واقعهم المزري ؟, أزواجهم اللامبالين غزيري العرق .. عيالهم الجاحدين كثيري الشكوى والبرابير ... عملهم الكئيب ومديرهم العويل ويد دكتور (ع) السافلة التي لاترحم ... ماأمتع جلسات النميمة الحافلة بالكلم الماجن والضحك الخبيث!! ... ضحك كالبكاء , لكنه كفيل بأن ينزوي الرجال والمرضى والمسئوليات الى أبعد زوايا المخ ... مالايقتلني يزيدني قوة ... لم تكن سناء مثقفة ولم تكن تقرأ سوى صفحة الحوادث وخاصة الحوادث ذات الصبغة الجنسية ... لكنها تدرك معنى هذه الجملة وتستشعرها تماما ... كل التنازلات التي قدمتها على حساب طموحاتها وأحلامها ... قدمتها بطريقة تدريجية كفتاة محترفة تتخلى عن ملابسها في ناد للتعري ... لكن أحدا لم يصفق مستحسنا تلك التنازلات .. بدا كانه أمر عادي .. طبائع الأشياء ... لست مميزة في شيء ... لست بطلة هذا الفيلم ... انت واحدة ككثيرات ... تعلمي كيف تعيشين اذا .... تعلمي كيف لاتنتظرين الرحمة لأنك لم تعودي تملكين قلبا يمنحها ... عندما كانت فتاة خجول تهاب الرجال وتسمع لعبد الحليم وتشبع عواطفها البكر في احتضان ابناء أختها الرضع وتحلم في الشرفة وهي تعبث بأطراف شعرها ... كيف صارت الدنيا هكذا ؟... تزوجت وأنجبت وقد مرت أجمل لحظات حياتها دون أن تثير الانتباه ... لقد سرقت الفتاة حتما ... سرقت .. مثلها كباقي المغفلين الذين استسلموا لحياتهم وظلوا يمارسون الحكمة على الاّخرين ... حكمة غبية لأنها بأثر رجعي ... غبية لأنها تمنح الاّخرين الحق في ممارسة سلطات أخلاقية عليها , علهم يشعرون بأنهم افضل ... 0
هناك شخص افتراضي تحمّله سناء دوما تبعات خيبة املها المزمنة ... الشخص الوهمي الذي تنظر له بغل ونقمة لتقول له بكبرياء غاضبة ... شكرا ... شكرا لأنك جعلتني اقوى
_____________________________
الشيطان يرتدي بذلة رسمية
_____________________________

يوما ما ... اتت عربة الاسعاف الشائخة لتلقي بفتاة منهكة الوعي مع رجل شرطة ضخم الشارب ليلقي بها في اشمئزاز على سرير الاستقبال ... الفاظ مختلطة سمعتها سناء من الشرطي وهي تجري بغير حماس لتركيب الكانيولا والمحاليل ... الفاظ من عينة ( محضر سكر ... عربة مسرعة ... محاولة اعتداء ... شباب وسخ) ... لم تسعفها العبارات بصنع جملة مفيدة تخرج منها بضحية وجاني ... لكنها استسلمت لأوامر دكتور (ع) وهو يتحسس الضحية التي تقيأت على معطفه
اخص الله يقرفك
يهرع لغسل معطفه المنكوب ليعلق الشرطي مطفئا سيجارته
اشربوا (خرا) وادلقوه هنا بقة
اشار (ع) متسائلا لملابسها الممزقة التي تشي باعتداء عنيف ليجيبه الشرطي في شماتة
تستاهل ... دي مومس اصلها
تفيق الضحية لتقاوم يد سناء فجاة قائلة
أوعي ... سيبيني أموت
انتي هاتعيشيهم عليا..؟
قالتها سناء وقد استسلمت لانطباع انها تعامل عاهرة مخضرمة فضحها الخمر والطريق ... لطمت يدها بقسوة وقامت بسحب عينة دماء لاتمام محضر السكر غير عابئة بألمها ... انها تعامل نسخة اخرى من (ف .ف) اللعينة ليس الا
لكن شيئا ما في عينيها الدامعتين كسر ثقة سناء المتربصة .. لم تكن قد رأت اثما يبكي من قبل ... ان الاثمين الذين يملئون عالمها لايعرفون الألم ... لا يتمنون الموت السريع ... يجيدون وضع المساحيق , ويلقون بسجائرهم في الصالون , ويخافون الناس المهمين , ويعرفون كيف يغسلون معاطفهم البيضاء من قيء الاخرين ... لذا تراهم دوما في ابهى صورهم عندما يتحدثون في ثقة عن دنس البشرية
حرام عليكي ..... 0
تعرف سناء تماما دموع الضحايا المخذولين ... تلك الدموع التي طالما سكبتها على وسادتها في ليالي الاحباط والهزيمة الابدية .... ومرارة العلقم في حلقها المستعصية على البلع .... واحساس العجز المهين عندما تتساءل في مرارة عن رصاصة الرحمة
لكن عقلية سناء - رغم كل شيء - تأبى الا القولبة .... ان الناس قد خلقوا مسبقا في قوالب ثابتة قابلة للتكرار ... لذا تنفع معهم الاحكام الجاهزة , والمصادرة الفورية ... مالنا ووجع القلب في فهم البشر ... كل بهمه مشغول ذاهل
انتي ليه بتزعقيلي؟
قالتها الضحية بانكسار الاطفال وقد بدأت تستكين لوضعيتها الجديدة , تجاهلتها سناء وهي تحمل عينة الدماء منادية العامل الاعور المكوم في ركن الاستقبال لايصالها للمعمل
احساس مفاجيء بالقرف ينتابها .... مالفارق الحيوي المهم بين الضحية الراقدة أمامها والعشرات الذين تقابلهم يوميا منذ تغادر منزلها حتى تعود ؟ .... الفارق الضخم الذي يجعل مديرها المذعور يتعاظم , و(ع) يزداد سفالة , وزميلاتها الكئيبات يزددن نهما لأعراض الناس وعوراتهم ... ربما أن الاخرين اكثر هندمة ونظافة .. اكثر قدرة على السيطرة وأسرع في احتلال مقاعد القضاة والجلادين
الكراسي بأسبقية الحجز ... الكمية محدودة
العامل الأعور يمد يده القذرة لاحتضان السرنجة ... والشرطي الغليظ يشعل سيجارته الرابعة ليتابع
مش هانخلص النهاردة ولا ايه؟
الغدا لسة ماجهزش ... عندك 5 أيام جزا ... عملها المحروس بسلامته وغرق الصالة ... ماتقعدي جنبنا هنا ياشيخة منورانا والله ....سمعتوا اخر الفضايح ...يلا يابنت الصايعة
السرنجة يامس
انا مابخافش غير من ربنا ... وماحدش بيملي عليا قراراتي .... قومي ياولية افتحي الباب ... التفتيش جه ... كل دي سجاير مرمية في الصالون ... اديها مسكّن ياسوسو ... عندك نوبتجية أول يوم العيد
هية الأبلة تنحت كدة ليه؟
العيال اتخمدوا؟ , طب ماتيجي .... الفتلة قصيرة قوي ,عاجبك كدة ؟, الغرزة فكت ... اعملكوا ايه مافيش فلوس في المستشفى .... مش عارفة ليه بيقولوا علينا (ش...)؟.... عايزين ناكل عيش , ان شالله من الزبالة
ايه ياسوسو , هانقضي الليلة كلها في عينة؟

لاشعوريا ... وجدت نفسها تضغط مكبس المحقن الموجه ناحية الشرطي لتندفع قطرات حمراء في شلال سريع منمنم في الوجه الغليظ الذي صاح

يامس (....)

شرع يلعن بوجه محمر ويمسح الدماء مرتبكا وهو يقول كلاما كثيرا عن النجاسة والايدز والبلاء الازرق المستكين في دماء اولاد الشوارع والساقطات ..... بدأت الفوبيا تتمكن منه وهو يجري ناحية جركن (البتدين) ويصيح

عقموني .... عقموني ياكفرة ياولاد الكلب

كان مظهره مضحكا ووجهه يتحول بفضل التعقيم الى اللون البني قبل ان يهرع لحوض قريب متحسسا الجدار ليذيب بقايا السائل المعقم اللزج بالماء المتدفق من الصنبور .... كان يحك وجهه بجنون بينما ينظر للضحية وسناء موزعا السباب بالعدل بينهما .... 0

لو عايز تتطمن ... اسحب لك عينة

مستسلما كطفل سلمها ذراعه... كانت بقايا السباب تتحول تدريجيا الى همهمات غير واضحة المعالم ....اعماه الرعب عن ابسط الحقائق وقواعد المنطق.. صحيح ان احدهم لم يذهب يوما لتحليل الفيروسات بعد منتصف الليل الى المعمل الذي ظل مقتصرا على البحث عن الكحوليات لمحاضر السكر(دعك من سخافة الفكرة ان تبحث عن الفيروسات في نفس اللحظة التي حدث بها الاحتكاك المتوقع مع الدم) ... لكن سناء لأول مرة تجد امامها الضحية وجلادها يجلسان في استسلام بانتظار عينة الادانة ... المظهر الذي لم تتخيله سناء يوما

تطفو الاتهامات الجاهزة لدينا بالعهر والدنس على السطح عندما تتطابق الصورة الانية مع تلك المخزنة سلفا بعقولنا لنخرج بتلك النتيجة المريحة للاذهان

ان (ف.ف) قد عادت من جديد
ربما كان على سناء ان تستوعب قليلا هذا الدرس

قد تبدو الفروق احيانا واهية بين الضحية والجلاد ...0

مجرد اسبقية في احتلال المقاعد ... ليس الا

_________________________

من كان منكم بلا خطيئة .... فليسحب العينة

Sunday, November 12, 2006

لاأحد ينام في العناية المركزة

لماذا أحب البالطو الأبيض المفتوح؟
لأنه يعطي - كما اعتقد - انطباعا للمحيطين بأنك طبيب محنك مفترس لاوقت لديه للتزرير وممارسة باقي تفاهات المستجدين ... ربما لأني بطبعي اكره غلاة التأنق والحنتفة ... وذاك الهاجس المستمر بأن القميص غير مستقر في البنطال ... وانه غادره الى براح العالم بعد صراع مستمر في المواصلات والطوابير اليومية
سؤال قفز الى ذهني عندما رمقني الاستشاري العظيم بنظرة لائمة على البالطو المفتوح باستهتار كاشفا عن قميص مدلى خارج البنطال الجينز بحرية ... لسان حاله يقول .. ليس هذا بطبيب , انما هو بلطجي مخضرم
اقفل البالطو .... انت دكتور مش عربجي
تعلمت بعد فترة وجيزة من بدء عملي ان اكره العناية المركزة ... احساس داهم بأنه ذاك المكان الذي يقضي به المريض بعض الوقت البائس لينتقل بعد ذلك بنجاح مطلق من العناية المركزة الى العناية الالهية
علل ... يفقد الطبيب مع الوقت حساسيته تجاه الموت ؟
ربما هو مرض التعود ... ان المرضى يأتون ويذهبون ... والناس ستموت بلاتوقف الى يوم الدين ... لم يحتفظ مريض معين بذكرى خاصة تجعله مميزا؟... ويجعل المك عليه ذا معنى ... انما حزنك الاساسي هو حزن المقامر على فرسه الذي خسر السباق ... حزن عملي صلب ووقح الى حد ما ... صدمة العالم في نتائج تجربته الفاشلة التي يعلم ان غيرها ينتظره في اطراف المعمل
اعتقد ان مشاعر الصدمة لدى الموت تختفي بهدوء ... ويحل محلها خبرة ناشفة تسمح بالانقاذ المتجرد من اللوعة البشرية العادية ... وان كنت ارتبك عندما يسألني اهل مريض عن حالته المتردية وعيونهم تنبض بأمل زائف .. أمل قضى عليه تماما انعاش قلبي فاشل أو موت حتمي بجذع المخ ... امل لازال راضخا لدراما تلفزيونية عبيطة
لو الاربعة وعشرين ساعة الجايين عدوا على خير حياته هاتبقى في خطر
ربما جملة من هذا القبيل ... لا .. لاأملك بعد تلك الجرأة لمصارحة ذوي المريض بالوقائع الأليمة ... لا احتمل بكاءهم وصراخهم من خلف باب اقامتي المغلق ... عويلهم اشد وقعا من جثة باردة ملفوفة بملاءة بيضاء صادمة تنتظر في الممر انتهائي من كتابة تقرير الوفاة
انسى قليلا هواجسي عندما يلتهمني الاخصائي ... خلصت المرور ولا لسة ؟ .. يلا نشييت الحالات دي... ؟ طب اكتب انت التقرير دة ... سرير 5 ضغطه لسة عالي ليه ؟ ... مافيش كنبة في الاستراحة ... أمال احنا هاننام فين؟ ... وهو من امتى كنا بنعرف ننام في العناية يابيه؟
يستوقفه السرير السابع ... مالداعي الملح لاحتجاز حالة نزلة شعبية يمكن علاجها منزليا ؟ ... لغط وهمسات بين الاخصائي والتمريض ليعلم ان السرير السابع هو سرير الرجل المهم ... ربما قريب من اقارب المهمّين ... (باعتبار ان كلمة المهمّين كلمة كافية وافية معبرة عن سلطة جارفة تتمتع بحقوق فوق العادة لاتمنح في الاحوال الاخرى كما ورد في عبد المجيد الصحاح) ... بدليل زيارات في غير الأوقات المسموحة والاتصالات الكثيرة والمرور المكثف من اطباء لاتعرفهم لكنهم على مايبدو استشاريين فطاحل على علاقات واسعة بمسئولي اجهزة الدولة الداخلية الحساسة ... يناسبني ان اتجنب هذا السرير تماما ... فاخرين يموتون (وغالبا سيموتون) ... بحاجة الى الوقت الجاد بعيدا عن واحد لايعجبه ان(شخشخة) صدره اثناء الكحة لاتروق لمسمع المدام
اتعلم ؟.. ربما صرت اكره العناية المركزة لأن الأمور لاتسوء فيها الا اذا كنت بحاجة ماسة للنوم
يرن جرس الهاتف ... الاستقبال كالعادة يعلن عن حالة بحاجة للعناية المركزة .... لابد من نزول احدهم ... وبعد عشر دقائق كاملة تقتحم النقالة باب العناية بجلبة متوقعة وصراخ ملتاع يخمده قليلا باب العناية وقد التقى مصراعيه ... هناك بعض الكلفتة المتوقعة ... كأنبوبة حنجرية نزعت من فم المريض بعد تثبيت مهمل وكانيولا مسدودة عقيمة.. ونقص حاد بالمعلومات عن الحالة التي لاتعرف عنها اكثر من كونها حادثة بالطريق السريع ... مع اشتباه بكسر بقاع الجمجمة .. كانت فتاة بالعشرينات لم تخفف الدماء المتجلطة على وجهها من جمال ملامحها
كالعادة ... يتعامل التمريض بسرعة في تمزيق الملابس بالمشرط وتعليق المحاليل وتثبيت اقطاب جهاز رسم القلب ريثما ينتهي الطبيب من تثبيت الأنبوبة الحنجرية وملاحقة المونيتور المتوتر ... هذه المريضة ستحتاج في الغالب لجهاز الصدمات الكهربائية ... امسكت باقطاب الجهاز المشحون وثبتتها على صدر المريضة قبل أن القي بنظرة امل اخيرة على المونيتور ... صحت بالجميع ان يبتعدوا ... وافرغت الشحنة ..... 0
__________________________
البالطو ياعربجي ... 0
صياح مألوف لكنه يأتي من عالم بعيد ... صدمة عنيفة اجتاحتني كأنها تمسك بعضلة قلبي بجنون وتعتصره قبل أن يختفي الوجود ... هل انا أموت ؟ ... افتح عيني لأجدني ممدا بجوار النقالة ... أين ذهب التمريض والأطباء والمسعف الغلبان؟!! ... ماالأمر؟ ..... غرفة العناية نفسها خالية من المرضى الا من فتاة العشرينات الجميلة ونور ازرق خفيف يحيط بالجدران
نهضت ببطء لألقي نظرة على المكان لأجد الفتاة مستلقية وحية كأحسن مايكون ... بملابسها السليمة وبدون اقطاب أواسلاك أو محاليل
اشارت للبالطو المفتوح باسمة وقالت برقة
مش تخلي بالك يادكتور ؟
نظرت للباطو قبل أن افهم .... ان البالطو المفتوح باهمال والمتدلي ليلامس النقالة المعدنية قد استقبل الصدمة الكهربائية التي انتقلت اليه عبر الألياف الصناعية التي تحفل بها خامته الرديئة .... تلك كانت صدمة كهربائية التي كانت تخلع قلبي
صوت عجيب من خارج العالم يصيح
هية المشرحة ناقصة قتلى؟
نظرت للفتاة ولم ارد ... ماموقعنا بالضبط من خريطة الحياة ؟
الباب منين؟
كذا صحت قبل أن ترد هي بصوت باك
ارجوك لاتتركني وحدي ؟ ... انا اخاف اللون الازرق والبرودة وكل الاشياء الداكنة في هذا العالم الجديد .... كم مرة تركت مريضك بعد ان مات ؟ ... اتحسبه لايشعر ؟ .... اتحسبه همد بلا الام أو مخاوف؟ اتحسبهم في نوم ابدي ازرق ... يالقسوتك .... تنتظر مريضك الثاني ولم تبرد دماء الأول بعد .... انهم يلتفون حولك يادكتور ينتظرون يدا دافئة لن تشعر ببرودة عالمهم الصامت .... الم ترهم قبلا؟
لماذا سكتّ ولم اجيب ؟ .... أي هلوسة تلك التي احياها ؟ .... لماذا تركتها هكذا دون كلمة أو لمسة مطمئنة .... أم أنني بالفعل قد احترفت الوفاة؟
تواصل وهي تمد يدها برجاء نحوي
اكنت بحاجة لصدمة كي ترى ؟ ..... ان الشحنة التي مرت عبر قلبينا كانت واحدة ... لقد شعرت للحظة تماما ماشعرت به انا ... هل ستعود مرة اخرى ؟ ... هل ستتركني وحدي في هذا العالم ؟ .... ارجوك .... انا اخاف البرودة
صوت خافت اقرب لباب يفتح ثم يغلق ...التفت حولي لأجد رجل السرير السابع المهم يتلفت حوله في خوف ثم ينظر لي ببعض الرجاء المقنّع ببقايا كبرياء المهمّين المقيتة .... اراه في طرف الغرفة يقبع مستكينا , واتذكر يوم دخل العناية في ضوضاء عظيمة مع حاشية مدججة بالمحمول واللاسلكي
انهم يتركون خلفهم جلبة هائلة مع انهم يدخلون هنا في صمت عجيب
انظر للفتاة ... ربما احترقنا قبل أن تنطفيء شعلتنا و صرنا مع الوقت اشكالا عبيطة جامدة كبقايا الشمع الذائب
يعني خلاص يادكتور .... ؟
خلاص ياماما
كم مرة لطمتني تلك الجملة من أم ملتاعة , أو اخ مفجوع ... يحاول عبثا ان يفهم ان روح العزيز الصاخبة قد انتقلت مع اخر انفاسه الى فضاء العناية .... ربما تشكو الغرفة من الازدحام ... من بقايا ارواح لم نعد نراها ... ولم نعد نستشعر معنى لجملة (البقاء لله) الروتينية التي نتلوها على مسامع المكلومين ...
اقتربت يدها جدا ... أوشكت ان تلمسني وانا شبه مغيب عن العالم .... بدأت اشكال كثيرة تظهر في جو الغرفة , بعضها مألوف ... وبعضها لااذكره .... كانوا يدنون ببطء وعلى وجوههم نظرة امل لم ادر سببها .... لكني عرفت اين اكون .... غرفة مزدحمة بأرواح نسيتها ... نسيتها عندما احترفت روتين الموت والعزاء ... روتين التقارير التي تحرص على كتابتها وتقفيلها بجودة عالية تحميك من المسئولية
خلاص يادكتور
شعرت بصدمة مألوفة ترجني من جديد ... تلك القبضة المميتة التي تهز اعماق روحك ..اخر مارأيته كان ايد ممدودة ووجوه باسمة ... ارتفعت في سماء الغرفة التي بدأت تتحول للاظلام التام ... ثم مشاهد متعاقبة سريعة من سقف ابيض مألوف , وشاشة مونيتور .. وجهاز صدمات , وبقايا سرنجات مبعثرة في الفضاء الداكن ونقطة دم في الخلفية تتضخم تدريجيا لتغطي الموجودات
خلاص ياجماعة ... رجع اهو
بدأت الاضاءة المؤلمة تغزو عيني لأجدني ملقى على سرير بالعناية وطاقم الانقاذ يتنهد براحة والاستشاري العملاق ينظر لي لائما
مبسوط ... ابقى لمّ البالطو ياعربجي
جمل اخرى سريعة لم اميزها متبادلة بينه وبين التمريض ... القي نظرة على الفتاة , وجدت الملاءة البيضاء تحتوي جسدها بالكامل
خلاص ياماما
ربما لم تكن هلوسة كاملة ... لكني ولأول مرة منذ فترة اعلم ان مريضا ما قد يترك لديك ذكرى خاصة ... لم تكن تلك فرس سباق خاسر أو تجربة فاشلة نعبر عنها بحيادية باردة عندما نتكلم عن ( الحالة اللي دخلت) و (الحالة اللي ماتت) و (سرير 7 نفسه مش حلو) 0
بالمناسبة .... لقد مات صاحب السرير السابع المهم ... مات في نفس التوقيت الذي كنت غائبا فيه عن العالم
أنا أخاف البرودة
ربما لم تكن هلوسة حقا
لكني تعلمت الا اكره العناية الى هذا الحد قدر ماأكره برودتها ... واعلم ان اخرين لاأراهم يعانون من برودتها واضاءتها الخافتة نوعا
تعلمت ان احكم غلق النوافذ ... وان احترف الحزن واحترم صراخ البائسين خارج ابواب العناية
تعلمت ألا أكره العناية تماما ... وان كنت الى الان , أعجز عن النوم فيها
تعلمت الا اعطي ظهري لغرفة فقدت فيها مريضا ... وتعلمت ان اردد داخلي ...0
يمكنك اليوم الا تخاف
اغلقوا العيون ... احكموا الملاءة ... وارخوا الستائر
فبامكان المونيتور الان أن يستريح
_________________
ارجوك .... لا تتركني ثانية
;