Saturday, December 20, 2008

الناس التانيين

هذا البوست ليس دعوة لشيء ... بقدر ماهو محاولة لفهمه

وليس لاغضاب أحد ... برغم اعتقادي أنه سيجلب الوبال على كاتبه

__________________________________

تأخرت كالعادة ولم تكن الأمور بيدي

هذه المرة ... كنت في السجن

__________________________________

قال لي الحسيني وهو يشعل سيجارته رقم 143 في حجرتنا المغلقة

لاأريد أن أكون بطيء الادراك ... لكنني بدأت أفقد احساسي بالزمن ... ولولا نفاذ سجائري لما شعرت بمرور الوقت

يمرر لي واحدة لكني صارحته بأنني من عشاق التدخين السلبي .. يتابع ببطء

أنا أخشى هؤلاء الموجودين بالخارج ... أخشاهم كالموت .... كالسرطان...كالكليوبترا الرديئة .... كعناكب أمريكا الجنوبية و أمواس الحلاقة المستعملة والعملاق الأصلع المخيف الذي شاهدته في فيلم السهرة ... أخشاهم .. وأعلم أنهم قادمون .. ولاأدري كيف أتفادى هذا أو أتعامل معه ...

صوت كعوب الأحذية والضحكات بالخارج تغزو عالمنا الباهت ... ولبعض الوقت .. عرفت أنه يمقتهم قبل أن يرى وجوههم

______________________________

الساعة 11 ونصف صباحا

انه ذلك الوقت الذي تسمح فيه لنفسك بتأمل العالم من خلف النافذة .. ومع أن نفسك مليئة بالحب والاشراق .. لكنك تحتاج أحيانا الى التسلح ببعض الكراهية .. والا ... فبم تفسر هذه النظرة التي ترمق بها الباعة المزعجين وسائقي الميكروباص السفلة من خلف الزجاج؟ .. أتراهم خبيثي النفس .. يتمنون الشر والأذى لأفندي متعلم نظيف مثلك.. ؟!!

يقولون أن العين تعشق كل جميل ... لكن المؤكد .. انها تكره كل غريب

_____________________________

الدخان من فم الحسيني يملأ المكان ... لكنه يمنح شعورا عجيبا ببعض الأمان لأنك لاتري مايحدث خلفه حقا

دوما كانوا يزعجونني ... كلمة (الناس) ... هذا الكيان ذو الثقل والغزو الشامل ... دوما كنت أتخيلهم مجموعة متداخلة من ذوي الشعر الأكرت والشوارب الضخمة الخشنة ... بعيون متسعة ..,وأفواه لاتغلق .. وقدرة مطلقة على التدنيس.. يغمرونك بأشعة حارقة من النظرات المتهكمة , المتعجبة احيانا ... يتغامزون بينهم دون مبرر واضح .. تقرب عنقك نحوهم محاولا السمع دون جدوى ... ربما لو كنت أكرت الشعر مثلهم لأمكنك أن تندس وسطهم بسهولة .. وتفعم آخرين بذات النظرات وأنت تتغامز ممسكا شاربك الضخم .. فقط لتتفادى كل هذا الألم الذي تشعر به الآن

نخاف من كلام (الناس) .. (الناس) تقول علينا ايه .. (الناس) مالهومش أمان .. (الناس) بقت وحشة أوي

صوت سباب بالخارج .. ينظر لي الحسيني نظرة ذات معنى , ويغمس سيجارته في علبة معدنية صدئة... يردد

ان المكان بالخارج ليس بهيجا على الاطلاق

___________________________

الساعة 11 ونصف صباحا ... حتى بعد الظهر

هل سألت نفسك قبلا ... ماالشيء الذي تقاتل من أجله حقا ؟ ... الشيء الذي تردد اسمه باخلاص أو تموت في سبيله .. أو تسهر الليالي متعبدا في محرابه متحسسا مشعلك , أو مسدسك , أو مطواتك القرن غزال وأنت على استعداد تام لتمزيق الآخرين ممن يفكرون .. فقط يفكرون في مجرد الاقتراب .. أو التصوير

بعض الناس لاتعتبر ايمانها مكتملا ... الا بالكراهية

___________________________

يستلقي الحسيني على سريره ويحملق في سقف المكان متسليا بالعبث في شعرات صدره ... يقول لي دون أن ينظر

أتعلم أمرا ؟ .... لو كنا أكثر عددا لكان أفضل ... ربما لأنني سأشعر ساعتها بالأمان .. وبأنني لست مجرد شخص واحد ... ان فكرة أن أكون وحيدا ترعبني حتى الموت

صوت مياه تلقى من دلو مملوء أرضا ... مياه باردة .. حتى في الشتاء

الحسيني يردد من جديد وهو ينظر لي برهبة

أنا ..وأنت ... فقط ... سيسحقوننا بسهولة ياصديقي

_____________________________

الساعة 11 ونصف صباحا ... حتى في وقت الأصيل

عندما تتجه للاستاد ... أرجوك خذ علما واضحا ...و لاتجلس في المدرجات الخطأ ... انه أمر قد يكلفك حياتك ...

اجلس ولوح ... صفق واصرخ

بييييييب .... بييييييب

أهلي

(الموت هنا للعشيرة البيضاء)

تتصبب عرقا كمحموم ... انها حمى الانتماء ... حمى أن تكون أقوى ... واعظم ... وأكثر ... اكثر من مجرد شخص ... أنت في الواقع 11 شخصا يجرون في الملعب ... بل أنت اكثر من عشرة آلاف شخص يهللون في المدرجات

بييييييب .. بييييييب

أهلي

(الموت هذه المرة للعشيرة الصفراء)

دع القوة تجري في عروقك ... لأنك الآن ... تملأ العالم

__________________________

يسألني الحسيني بجدية

هل تحب لعب (الاستميشن)؟ .... للأسف نحتاج آخرين ... معي ورق لعب ... لكن ينقصنا (كينج) القلوب .. أنا متأكد أن الأوغاد بالخارج يملكون الورقة الناقصة ... لاتبتئس .. من الجيد دوما ان تكون أكثر من 99 % من أوراق اللعب بيديك... ( من قال هذا يوما عن أمريكا؟) ... الأمريكان أنفسهم ملوا أن يظلوا اللاعب الأوحد على المنضدة .. فقرروا -لجعل اللعبة أكثر اثارة - طرح بعض الأوراق للبيع... أوراق مختارة بعناية... فهم لن يبيعوا أبدا (الآس) الذي يبحث عنه الجميع ...

حسنا .. أنا مشوش الذهن ..لكن تبدو (الاستميشن) وسيلة طيبة لقتل وقت أليم بغض النظر عن المكسب أو الخسارة .. المشكلة أن اللعب بورقة ناقصة .. يثير الجنون

________________________

الساعة 11 ونصف صباحا ... حتى عند صلاة العشاء

الشيء الذي يخيفك حقا .. أنك نسيت أنك تصلي فقط بحكم العادة ... ليس الايمان .. ليست الرغبة في التطهر .. بل الرغبة في ألا يمر عليك الوقت وأنت لم تؤدي (الواجب)

تصطف مع الجمع ... وترفع يديك المخدرتين مكبرا دون روح حقيقية لأن القلق بداخلك لايدع لك فرصة سوى للتفكير في كم الكلاب المسعورة التي تنبح خلفك ... مشاكل العمل ... لقد تأخر صرف الرواتب ومرور الشهر دون جزاءات لمعجزة حقيقية .. كم أتمنى ألا أحرم من الحوافز ... والايجار ..تبا !!.. هذا الأخير يتزايد كل عام ...والأسعار الملتهبة .. ستفسد معادلة التوازن بين النفقات والموارد ... فهذا يزيد .. وهذا يقل .. (الجيبات في الطالع والبنطلونات في النازل) .. من الشاعر الذي قال هذا البيت المشبوه؟ ... ذكرني أن نشتري ملابس للأولاد ... لماذا تزوجت؟ ... ان متطلبات المنزل تلتهم الوقت والجيب بشراهة... ميرام صارت مزعجة لحد غريب .. ترى أين ذهب هذا الحب القديم؟... هل انطفأ.. أم هدأ .. أم أن الواقع كان أقوى من شعلته المقدسة؟ ... ربما هي تعيسة ... فقط لو تبتسم بنت الكلب هذه لحطمت العالم من أجلها ... ربما أنا أيضا لم أعد ابتسم ... لماذا أشعر نحوها بالذنب والسخط في آن واحد؟ ...لقد فرغ الوقود من محرك حياتنا ... كدت أنسى ... سيارتي ليست على مايرام ... أين تجد الميكانيكي الذي يقوم بالمطلوب دون نصب أو جشع؟ ... عاطف يفهم في تلك الأمور .. تلك فائدة الأصدقاء ... فقط تضايقني نظرة التعالي تلك التي صار يملكها بعد الترقية... ان المسئولية قد تصنع بداخلنا وحوشا غير قابلة للترويض... أنا أعلم .. لكن ماذا عن الصداقة؟!... حقا .. ان صديقك الوحيد الحقيقي في هذا العالم هو أبوك ... اللهم أشفيه وارفع عنه ...هوووووب .. لقد انتهت الصلاة قبل أن أدرك .. السلام عليكم ورحمة الله

وعندما تخرج ... تكتشف أن الكلاب قد تركتك ..وأنك رغم كل شيء لازلت قادرا على الاستمتاع بالحياة... تعتبر نفسك متدينا لحد ما ... فأنت تحافظ على الصلاة ... وتتحرى الكسب الحلال ... وتحجب زوجتك وبناتك ... وتكره الفحش والسفالة ... في الوقت ذاته أنت متفتح و(سبور) وترحب بالاختلاف ... لكنك لسبب ما تملك عادة قديمة عندما تصافح أحدهم للمرة الأولى... تتفحص يده من طرف خفي

بحثا عن الوشم اياه طبعا

________________________________

يضحك الحسيني بسخرية وهو يعابث أصابع قدمه

أول مرة شاهدت فيها رجلا أشقر .. حسبته جاسوسا .. كنت في العاشرة حينها... ظللت أراقبه كأنما هو كائن فضائي ... كل حركاته تحمل غرابة من وجهة نظري ... وهو يتكلم ويأكل ويتمخط في منديله ... يالله !!.. كل هذه الشفرات والرسائل المستترة خلف البساطة ذاتها !؟... شعرت وقتها أنني (رأفت الهجان) ذاته ... وبحثت بصدق عن (محسن بيه) .. لأن الأمر أكبر مني ... ان مصر في خطر ..ولا بد أن يطلق أحدهم صفارات الانذار ... وعندما كبرت ..عرفت أي هراء كنت أعيش ... منذ أشهر قليلة عندما كنت خارج البلاد ..جلست في مطعم بالقرب من شاب يرتدي تلك الطاقية اليهودية المضحكة الشبيهة بقصرية مختزلة ... رائحة يهودية قذرة تفعم المكان ...تظاهرت باللامبالاة ورباطة الجأش لكن خاطرا مرعبا ملأ كياني .. يمكنني بالخطأ أن أشرب من ذات الكوب الذي كان يشرب منه .. وآكل من طبق أكل فيه قبلا ... هذه الفكرة جعلتني أترك المكان ... كأنني سأتحول أنا أيضا الى يهودي يرتدي القصرية ذاتها اذا لمست ماكان يلمسه قبلا .... كأنها عدوى باللمس ... الشيء الذي ضايقني حقا .. هو أن هذا الوغد كان يتفاخر بالقصرية علنا ...

كيف يجرؤ؟!!

______________________________

الساعة 11 ونصف صباحا ... حتى عند عرض أخبار التاسعة

دعك من التلفاز ... ان فضاء الانترنت الرقمي يكفل لك حرية أرقى بمراحل ...أكثر تشعبا وتعقيدا من قنوات موحدة الارسال والمنهج والرأي ...

سآخذك معي الى أكبر خدعة مارسناها على الويب ... خدعة الشخصية البديلة

النيك نيم ... شخصيتك الأخرى الرقمية .. ذات البروفيل المصور والبيانات المختارة

فيس بوك ... فيس أوف...

الخدعة المضحكة التي تراها جلية عندما تتأمل حقا ماخلف صفحات المنتديات والبلوجات والميسينجرات .. تأمل بدقة الأسماء والصور والتوقيعات لترى الخدعة الأعظم على مر التاريخ

في الفضاء الرقمي .. الكل فاضل وجميل ... الكل ساخر وغامض وعميق التجربة وحزين لأنه وحيد لم يجد من يفهمه لذا قرر أن يتحول الى شبح يهيم في فضاء الانترنت بحثا عن شيء يعلن مرارا أنه لن يجده ابدا

الكل يكره التسلط .. والاحتكار .. والكليبات التافهة ... والتحرش الجنسي ... والتمييز العنصري ... والتعصب

الكل يحب الفضيلة ... والخير ... والزرع الأخضر ... ويفهم الجمال ... ولابد أن هؤلاء الذين يعشقون القبح والفوضى والدمار هم آخرين من خارج هذا العالم ... هؤلاء الذين يملئون الدنيا صخبا وهلسا ويجوبون ممالك الليل كمصاصي الدماء

لكن اللعنة الحقيقية التي ذابت تحت جلودنا ..هي أن كل واحد قد استقر في غرفته الزجاجية معزولا عن الآخرين ... محاصرا بين السماعات والمايك والشاشة الساحرة الملونة ليمارس متعة الكلام عن الآخرين مرتديا اللباس المميز لهويته السرية ... تلك الهوية التي يحارب بها هزائمه المحتملة في عالم الواقع .. ويهرب بها الى نصر رقمي جديد

ثم يبحث عن أشباهه في هذا العالم .. وعندما يلتقون يصنعون معا مايعرف بالمجموعة أو (الجروب) ... ولأن الطيور على أشكالها تقع فان أفراد أي (جروب) في تزايد مضطرد ... تجمعهم رغبة أكيدة في اجتذاب المزيد من الاتباع , والبحث عن القوة والأفضلية .. ومن ثم تظهر الصراعات بين (الجروبات) لاثبات تلك الأفضلية ... و يبدأ تراشق الكلمات .. والاتهامات .. والحجارة

وفي (جروبك) .. تستمد قوتك الحقيقية من دماء الآخرين .. أن يكون الغربي عاهرا لأنك عربي ... أن يكون الخليجي عربيدا لأنك مصري... أن تكون النساء ناقصات عقل ودين لأنك رجل صارم كثيف الشعر لاأكثر ... أن تكون أهلاويا فيكون الزملكاوي كسيحا ... أن تتبرك بأولياء الله وتتحفز عندما تقرب الكنائس ... أن تكون مؤمنا فتكره الكفار ... وتكون سنيا فتكره الشيعة ... وتكون ملتحيا فتكره الفرافير حالقي اللحى ... وتكون أنت ..... فتكره من سواك

دوائر أصغر..... فأصغر ..... فأصغر

وفي أضيق حلقات الدائرة ... أنت معزول ... كأنك أمام شاشة كمبيوتر بين السماعات والمايك والشاشة الساحرة الملونة .. الوقت لايمر .. والساعة دوما 11 ونصف صباحا .. ربما لأن هذا هو الوقت الذي توقفت فيها ساعتك آخر مرة وأنت تتأمل الآخرين من خلف زجاج النافذة

ارفع علمك عاليا ... وردد بقوة مع (جروبك)

بيييييب بيييب ... أهلي ... المصريين أهمة... مصر دي بلد رقاصين ... ديني أحسن من دينك ... المجد لماركس... أكيد حرمة هي اللي سايقة ... كلنا ليلي ... ( ياسيدي قول كلنا لها)...حد مايحبش أم كلثوم ,القريب منك بعيد؟ (البعيد مابيفهمش) ... شعبولا هو الحل.. أنا وطني .. (وأنا فودافون)... اقف عندك , انت معانا ولا مع الناس التانيين؟ ... أنا معاكم ... أمال شكلك غريب كدة ليه ؟... ماغريب الا الشيطان .... قصدك تقول ان انت الشيطان؟

ياللسخرية ..!!؟ .. لقد تشابهنا من حيث قررنا الاختلاف !

___________________________

يقول الحسيني وعيناه تشتعلان بذكاء مهلك

أتعرف ماهي أقسى حقيقة عرفتها؟ ..أحيانا يكون أكثر الناس تعصبا هم دعاة نبذ التعصب أنفسهم.. لأن فكرة التعصب لديهم تتحول مع الوقت الى هاجس يملأ كيانهم ... أغلب الدعاة لقضية التمييز ضد المرأة مثلا .. يتصلبون تماما ازاء مايمس المرأة.. ويتحدثون باشمئزاز عن (الثقافة الذكورية) ... ويتعاملون مع مفردات هذه الثقافة باعتبارها غزو صريح لمملكة الأنثى الحصينة ... لاتكن قاسيا ... أعتقد أن البديل الوحيد المتروك أمام المرأة في هذا المجتمع العنصري هو ممارسة نفس العنصرية في الاتجاه المضاد دون وعي ... ان هاجس الفكرة يتحول بالتدريج الى هوس يجعلهم طوال الوقت متحفزين ضد هجمات الآخرين المحتملة وهم يتحسسون مسدساتهم من أسفل المنضدة الأنيقة

ان اللعبة لعبة أعلام وفرق لاأكثر ...

صارحته بأن آلام المثانة صارت لاتطاق ..وأنني أحتاج لفعل مايفعله الآخرين في هذه الظروف ... ينظر لي بشفقة

وساكت على نفسك ليه؟

يخرج مفتاح الغرفة من أسفل وسادته ويلقيه الي متابعا

اقفل الباب وراك ... نفسي أنام من غير ما يقولولي فيه حالات في الاستقبال .. الله يلعنهم

أغادر زنزانتي الوهمية في سكن الأطباء وأتفادى الأرضية المبللة التي يمسحها العامل العجوز بالخارج ...أصارح الحسيني بأنهم لايستحقون اللعن... لكنه لم يعلق ... وأدار رأسه للجهة الأخرى

أطفأ سيجارته ال257 ... وغط في نوم عميق

Saturday, October 11, 2008

البنج.... قصة قاتل

جفنه......علّم الغزل
اللحظة التي تقرر فيها أن الحياة لم تعد بهذه الأهمية .. ومشوار عمرك لم يعد فيه مايستحق ..وجعبتك قد فرغت أخيرا من الأحباء والأصدقاء هي اللحظة المناسبة تماما كي تموت
(قول مأثور... ليس له أي علاقة بألبير كامي)
ألم تمر عليك تلك اللحظة التي تمنيت أن تمارس فيها أي مهنة سوى تلك التي تعمل بها حقا؟ مكان غير المكان .. وزملاء غير الزملاء .. ونظام مختلف كليا عن هذا الذي ألفته لحد الملل القاتل؟
للأسف لم أملك يوما هذا الترف ... لكن لهواة التغيير ...أعتقد أني سأمنحهم هذا (الأوبشن) الآن
أنت الآن تمارس مهنتي الكئيبة في يومك الأول
أول مرة ...أصعب مرة ... شد حيلك
بخطوات مرتجفة تحاول اخفاءها ببعض الكبرياء والوقار .. تسير في طرقات المستشفى الكبيرة لانهاء بعض الأوراق
لقد وصل نائب التخدير الجديد
(العوالم جم... العوالم جم)

تتوقع بعض الحفاوة ... بعض الترحيب ... لكن مجيئك لايثير الدهشة أو الفرح .. يوجد منك الكثييييييييير بالداخل.. وكما يفعل الأسطى الحلاق .. والأسطى الميكانيكي .. والمعلم الجزار فور وصوله للدكان .. تخلع ثيابك الملكي الشيك .. وترتدي بتؤدة بدلة العمليات التي كانت خضراء قديما ثم توفرت منها ألوان عديدة تتراوح بين البني والأبيض والكحلي والنبيتي (حريمي بعض الشيء.. ياللمسخرة!!) ..والرصاصي .. تدخل العمليات لتجد أغلب زملاءك يرتدون الكحلي .. ولوهلة تتصور انك في احدى حلقات (بريزون بريك) قبل أن تكتشف أن المرضى المستعدين للعمليات بتلك الملابس الحقيرة المفتوحة من الخلف كاشفة عن أدق أسرار العملاء ..هؤلاء لايتواجدون سوى في مكان واحد
"يادكتور فلان ... العيان في الأوضة"
نعم نعم...أعرف .. العيان في الأوضة .. والعبارة في الشيكارة ... والختم في الدرج .. وأحدهم يجذبك من رقبتك ليرميك في الغرفة المعقمة ويستعد لجعلك تشرب (الصنعة) شربا
"أنت اشتغلت تخدير قبل كدة؟"
يقولها النائب الأكبر بتشكك ...والسؤال تحصيل حاصل .. أنت في النهاية حمار لاتفقه شيئا .. استعد اذا كي تلتقط الحرفة من (الاسطوات) ...تصطدم عينك بعينه الحازمة ... وتلتقط الماسك لوضعه على وجه المريض .. تزداد نظراته صرامة وهو يقول
"افتح الأوكسجين الأول"
أرجوك .. لاداعي لتلك النظرات القاتلة
جفنه....علّم الغزل
وعندما تتعلم أول تكنيك ناجح في حياتك (تركيب الكانيولا ...تركيب الأنبوبة الحنجرية(التيوب) ..منح البنج النصفي بنجاح ).. تطير فرحا .. وتشعر ببعض الثقة تعتريك ..بضعة أيام وستصبح العملاق المسيطر على هذا العالم ...لكن أخطاؤك القادمة ستخبرك بما لايدع مجالا للشك أن الأمور ليست بالسهولة التي كنت تحسبها
"البنج أدب ... مش حط (تيوب)0"
لكن صدقني ..لن تظل الأمور بهذا السوء ... رويدا رويدا سيمنحك النائب الأكبر ثقته .. وسيسمح لك بممارسة عملية التخدير بمفردك ... وبعد أن كان يرقد فوق كتفك .. سيراقبك من بعيد ..ثم يكتفي بالجلوس في استراحة الأطباء .. ثم تجد بعد فترة أنه قد ترك لك الجمل بما حمل ..وقرر أنك شخص يعتمد عليه
أنت الآن ...تستطيع تخدير الناس بأمان
وعندما يأتيك النائب الجديد المرتبك .. تمارس معه نفس الألعاب القديمة دون سبب منطقي
"افتح الأوكسجين الأول ... ياطروبش"
وقت العمل ... وقائمة عمليات طويلة تنتظرك ... والجراحين ينادونك كي تخدر مرضاهم مخاطبين اياك بأدب واحترام ويناولونك الأدوية والابر بتواضع مدهش ... لاتخطيء الفهم ... انه أدب من النوع الذي رأيته في المشهد الأخير من فيلم (حافية على جسر من الذهب) ... عندما يفتح الحراس الباب لميرفت أمين بأدب فائق ... أنت في حقيقة الأمر متجه الى (عزيز) الذي لايرحم العذارى .. وهو الأمر الذي ستتأكد منه بمجرد أن يغلق المريض عينيه
جفنه علّم الغزل
اليوم لايمر بدون المشاكل المعتادة ...مريض يصاب باختلال في ضربات القلب بسبب الغاز المخدر ... آخر يصاب بانقباض في الشعب الهوائية وكمية الأكسجين المطلوبة لاتجد طريقها للرئة ... المريض الذي يتقيأ نائما وتنقذه في اللحظة الأخيرة قبل أن تتسلل محتويات معدته الى الجهاز التنفسي ... الولادات القيصرية وسيدات في منتهى البدانة تكتشف دائما ان تخديرهم كليا سيكون في غاية الصعوبة وأن التخدير النصفي يحمل مخاطر أخرى عديدة ...دعك من أمراض المرضى الموجودة بالفعل (الضغط والسكروقصور شرايين القلب والحساسية الصدرية وامراض الكبد والكلى ومرضى المخ والأعصاب و...و...و...) ...التوقف المفاجيء لقلب المريض ومايتبعه من محاولات الانعاش في جو ضوضائي مفزع وأناس مهرولون وهم يجرجرون جهاز الصدمات الكهربائية الكئيب جرا... الموت يتحول تدريجيا الى شخص مألوف يتواجد في محيط حياتك كموظفي المستشفى , وعامل الأوفيس ... و الرجل الذي يمنحك الجزاءات ... 0
الموت .. انه مجرد موظف آخر في هذا المكان
(عبارة متحذلقة ... ليست لباولو كويلو)
يغيظني أن محاولات تفادي الموت .. غالبا لاتؤدي الا اليه...وعندها تكتشف أنك تجري بسرعة مخيفة في أعماق نفق مظلم في نهايته هذا الموظف الكئيب الذي يسكن المكان ... موظف مقيم ... ينتظر هناك دوما ,رغم أنك كنت طوال الوقت تخطط للهروب من بين أحضانه .. وتخطط لتفادى لدغاته المميتة .. كأنه كابوس .. أو مرض غامض .. أو فيروس مخيف متسلل
Resident Anaethesia ..... Resident Evil
الآن انظر لنفسك ببعض التدقيق ... ستعرف أنك طوال الوقت كنت تهرب من شيء ما لاتعرفه .. تغيب أكثر وأكثر في نفق مظلم عميق دون قدرة على التوقف ..محاولاتك المجنونة للنجاح والبقاء حيا ,تلك التي تعميك عن الرؤية فعلا ... تتفادى بها أنياب الآخرين .. ربما تمنحهم بعضا من عضاتك القاتلة كذلك ...تبحث عن السيطرة واجادة التكنيك .. تورث كل هذا لمن يليك في سلسلة التطور...ثم تتساءل في أوقاتك الهادئة عن سر السعار الذي أصاب العالم... تشغل نفسك بمحاولة الافلات من الموظف المقيم اياه... هذا الذي ينتظرك في أعماق النفق ...ومن حيث كانت رحلة الهرب , تأتي رحلة السقوط في براثن فيروس (ريزدنت ايفل) اللعين الذي يحيلك الى شخص نصف حي - نصف ميت .. يسير متهالكا مترنحا... مجرد باحث آخر في الطابور .. باحث عن الطعام ,عن البقاء ,عن آخر تنقل له ذات العدوى
أيا كنت .. وأينما كنت...في مكتبك .. معملك ... ضيعتك الواسعة... دولتك التي تحكم
الفيروس الذي تجاهد لمحاربته يصيبك من حيث لاتراه عيناك...0
جفنه علّم الغزل ..... ومن البنج ماقتل .0
(أغنية قديمة ليست لعبد الوهاب)0
صدقني عندما أخبرك أني أحاول الخروج جاهدا من تلك الغيبوبة .. والافلات من قبضة المرض السخيف .. ومن ظلال الغيبوبة .. اراقب -ضاحكا- نائب التخدير الذي علمته يوما وهو يستقبل النائب الجديد الهش في غرفة العمليات .. وبغلظة يلكزه في كتفه قائلا جملة مألوفة لحد الملل
"افتح الأوكسجين الأول ... ياجعر"0
بصراحة ..... لست في حاجة الى ( الأوبشن) الذي منحتك اياه في البداية ...0
انت تجري أغلب الوقت هاربا
لكن فيروس (ريزدنت ايفل) قد أصابك منذ زمن
مرحبا بك في النادي

Thursday, June 26, 2008

كارثة المترو

أحداث هذا البوست , خيالية والعياذ بالله
________________________

مطلوب رجال أمن ...0

بهذه العبارة الملطوعة بجوار شباك التذاكر .. استقبل المواطنون يومهم العادي , وهم يتجهون ببطء لقطع تذاكر المترو ...0
الحقيقة أنني - ومن موقعي كهذا كسائق عربة - صرت أتعامل مع كل مايخص العالم الخارجي (خارج العربة) بنفس المنطق الذي يتعامل به الأمريكان مع مايحدث في العالم خارج حدودهم الجغرافية ... تماما كجزيرة معزولة .. التوقف .. السير البطيء ... السير المتهور الذي يرج العربة رجا ... الفرملة .. التوقف .. فتح الأبواب و وانتظار بضع ثوان للتحميل .. كل ذلك صار روتينا يبدأ وينتهي عند نفس النقطة ... تلك التي لاتعلم بدايتها من نهايتها ولاتعلم ماهو الحدث الذي بدأ تلك الدائرة الطويلة الأبدية... تماما كما تجهل لمن كانت الأسبقية في الدخول لهذا العالم ..الدجاجة أم البيضة...0
"الأستاذ المحترم اللي ماسك الباب "
بصرامة أردد في مكبر الصوت لافتا نظر الراكب الممسك بالباب مانعا اياه من رحلة الانغلاق .. ربما يفعلها بدافع الشهامة .. بدافع الاستظراف .. دوافع لاتهمني في الوقت الحالي , ولايعنيني منها سوى أنني لاأملك متابعة السير وهو يعيق الباب بانتظار مرور مصر كلها لاتخام العربة

أنور السادات .. جمال عبد الناصر ... أحمد عرابي ... مبارك

يالله!!! متى يغيرون أسماء المحطات من باب دفع الملل على الأقل؟!0

(مطلوب رجال أمن)

انعزالي في عالم الطريق المرسوم ولوحات المحطات والأزرار والأنوار الملونة جعلني أرجيء رؤيتي لذلك الاعلان لحين فترة المساء والسهرة ... أعني بالتحديد تلك اللحظة التي أقرر فيها أن رحلة العودة للمنزل قد حانت .. وأنني صرت حرا خارج قيود قضبان المترو ... لطالما أحببت المناوبات المسائية ... عالم الليل لازال هادئا مريحا تدعمه الأنوار الصناعية الزاعقة بعيدا عن حر الشمس وزحام الناس المحموم لللحاق بأعمالهم ... في الصباح يكونون أكثر قلقا , أقصر فتيلا , أكثر سعارا بفعل الضغوط التي يولدها الحر .. والشمس .. وعقارب الساعة المتحركة ببطء نحو موعد الامضاء في دفاتر الحضور
(مطلوب رجال أمن)
في الفترة السابقة .. بدأت تزداد المعارك على بوابات المرور ... لازال الناس يحاولون التحايل على بصيرة المراقب ويفرون من قطع التذاكر ... البعض يستغل العابرين في أمان الله .. ويلتصقون بهم في لحظة المرور ليصيران كائنا واحدا ... رجل برأسين وأربع سيقان وخصرين ملتحمين التحاما مهينا... وعندما يعبر هذا الكائن الغريب الضفة الأخرى بنجاح , ينفصل الى اثنين من بني الانسان يقوم أحدهما بالاعتذار للآخر ويهرع للحاق بالعربة الموشكة على الرحيل
"لامؤاخذة ياأستاذ"

الجمهرة أمام الأبواب الاكترونية تعني أن أحدهم قد ضبط وهو يحاول التعامل مع البوابات كما يفعل الرياضين في سباق الحواجز

"عشرة جنيه يامحترم"

الغرامة الفورية عقوبة لابأس بها أبدا ... الغرامة بعشر أمثالها ... الرجل المضبوط يهلل ويقسم بأغلظ الأيمان أن التذكرة قد انحشرت في الجهاز وغاصت في أحشائه للأبد ... لكن المراقب المتحمس يجيد معرفة الكذب ويجيد تشخيص الأجهزة الشفاطة للتذاكر ويجيد تكرار الردود بشكل أكثر غلظة

"عشرة جنيه ياأكتع"

هذه المشاهد مألوفة متكررة لحد الملل ... وكان الاعلان عن الحاجة لرجال أمن لفتة طريفة من ادارة المترو لمحاولة السيطرة على محاولات التزويغ الناجحة من فخ التذاكر والغرامة والمراقب العريض

لكن الأكثر طرافة .. هو مابدأ يحدث في الأيام التالية

يخبرني رفاقي في المناوبات الصباحية (بحكم أنهم أقوى ملاحظة وأقرب لزحام الأحداث) بنتائج الاعلان ... أناس عاديين بمختلف المؤهلات بدأوا يتقدمون للادارة طمعا في الفوز بتلك الوظيفة ... أنا متأكد أني لم ألمح عبارة مثل (مرتبات مغرية) مرفقة بالاعلان... المدهش والمضحك أن من بين من يتقدمون لوظيفة رجال الأمن بعض المضبوطين بتهمة التهرب من دفع التذكرة

زوبعة قررت أنها ستمر في صمت .. سأعتادها كما اعتدت اضافة الخطوط في مسار الرحلة .. واضافة التعديلات على العربات .. واضافة الضرائب على الجميع ... في الأيام التالية بدأت أرى التغيير بدلا من السماع عنه من مناوبي الصباح

للمرة الأولى منذ تسلمت عملي بالمترو .. وجدت رجال أمن بملابس رمادية وهراوات سوداء ..ينتشرون في كل أجزاء المترو .. على منافذ التذاكر .. بوابات المرور .. أبواب الدخول الخارجية .. وحتى عربات المترو
واضح ان الادارة لم تكن تمزح بشأن الاعلان .. بعد فترة تحدد الطاقم الأمني الجديد للمترو .. وتولى قيادته أكبرهم سنا (وأكبرهم جسما وكفا بالمناسبة) .. اسمه (الكابتن عويس)0

المثير أن العساكر التقليدين .. أولئك السمر الغلابة ممصوصي القوام ذوي الزي العسكري الأبيض قد اختفوا نهائيا , كأن مشروع المترو لم يعد تابعا للحكومة .. فقررت رفع يدها عنه

يبدو أن المترو قد تمت خصخصته أخيرا!!0

هكذا!! .. بدون اشارات .. أو تمهيد أو عرض على مجلس الشعب؟... هل صارت الأمور هكذا تدار ... في السكون .. دون ضجيج حتى لايعترض أحد ؟!!! 0

"ياخوفي يابدران ليكون الدور علينا"
شلبي , زميلي الخائف دائما يستعيذ بالله ويبصق عن يساره ويمينه من باب زيادة التأكيد

"محدش عارف الشيطان بقى بيقعد في أنهي جنب دلوقتي"

حقا !!..الى أين نذهب لو قررت الادارة الجديدة التخلي عنا ؟.... ماذا يكون مصيرنا ... ؟... هل سيستعيضون عنا بمترو يعمل بالعقل الالكتروني ؟!!0
لكن الأيام التالية مرت بهدوء دون أن تظهر أي بادرة أو مؤشر لأي تبديل سوى في الحراسة

وقد بدأت الاحتكاكات بين الأمن وجمهور الركاب بعدما اطمأن الجميع لثبات أقدامهم في المكان .. وبعدما منحت الادارة رجال الأمن الجدد والكابتن عويس صلاحية مطلقة للسيطرة الأمنية الكاملة على المترو وضبط أي مخالفات

"تذكرتك ياأستاذي ..؟"

واحد من المضبوطين على البوابات متلبسا بمحاولة المرور قفزا .. يستوقفه حارسان في ظفر .. يتلجلج الرجل .. ان داء الانحراف لن يتوقف حتى تقوم الساعة

"فيه غلط ... التذكرة مرفوضة والباب مابيفتحش ..."

"طب بس وريهاني .."

"ياعم بقولك مرفوضة ... انا رميتها"

"انا اللعبة دي كنت بلعبها زمان ياروح أمك"

يمسك أحد الحارسين بياقة الرجل بشكل مهين .. ويبدأ في اجتذابه بعيدا عن البوابات ليبدأ الرجل في الصراخ

"أوعى.... نزل ايدك دي..."

يتملص الرجل محاولا الافلات .. والعبارات الغاضبة تتناثر من فمه .. وجمهور الركاب يتوقف للحظات متابعا الصراع في شغف ... تلك أشياء لاتراها كل يوم ... يهوي أحد الحارسين على وجهه بلطمة ألقته أرضا .. بينما الثاني يتناول هراوته السوداء وينقض بها ليختم الجولة

ضربة واحدة كافية لكن الحارس يستمر بالضرب عدة مرات .. ونظرة غريبة تلتمع في عينيه...0

لابد أن صدى الشهقات والتحطيم قد وصل لأسماع الكابتن عويس ليقترب من دوامة الأحداث ... ينظر للواقفين ثم يمسح المشهد بعينيه لتحليل الموقف ,ويتأمل الجسد المحطم النازف أرضا .. ينحني بجواره ليردد

"طول ماأمثالك موجودين عمر البلد دي ماهتنضف "

يأمر رجاله بطلب الاسعاف ... ثم ينظر لأكوام البشر المتناثرة في صرامة ليصيح

"يلا ياأفندية .. كل واحد يشوف مصلحته فين"

هؤلاء العساكر المتحمسين يشاهدون الكثير من الأفلام الأمريكية العنيفة ... لازالت آثار الدماء المخيفة على الأرض تغري بالتساؤل .. ماذا أفعل لو كنت مكانه؟ ... أين يذهب حقي؟ ... لا ...أنا لن أفعل هذه الأشياء المخزية .. ان الجنيه الذي تدفعه لثمن رخيص عندما تشتري به كرامتك

أشهد أن سيطرة الكاتن عويس ورجاله كانت فعالة في الحد من ظاهرة التزويغ .. لكن ... كم حادثا تحتاجه كل محطة من محطات المترو كي تندثر الظاهرة نهائيا ..؟!0

كان هذا هو الحادث الوحيد الذي رأيته رأي العين ... لكن كلاما يصلني من العربة خلفي مباشرة يؤكد لي الحقيقة ...

هذا ليس الحادث الوحيد ...0

أتذكر منظر الدماء .. ويقشعر بدني ... ثم أتناسى الأمر مرددا الشعار الوطني المحبب

مادام بعيد عن ......... كابينتي .. خلاص ...0
______________________________________

ثمة حارس جريح فاقد الوعي شوهد ملقى في الحمام وقد فقد عصاه

من يجروء؟!!0

لماذا سرقت العصا ؟!! .. ولماذا ضرب الحارس بتلك الوحشية ؟!!0

ثارت ثائرة الكابتن عويس ... ثمة تصعيد قد حدث ... ان من يضرب واحدا من رجاله هو رجل قررت شمس الغد ألا تطلع عليه .. لسوف يأتي به الكابتن عويس .. سيلتهمه كآكلي البشر الجوعى ,ويسترد هيبة جهاز الأمن في المترو ..... يتوعد ويهدد .. وينظر للناس نظرة شريرة .. كأن المجرم واحد مندس وسطهم .. ثم يذهب الى أحد المكاتب ... يغيب بداخله لدقائق ويخرج بعدها بنظرة توعد غاضبة ليقول
"اقفلوا المترو... خلاص .... مفيش ركوب .. مفقيش مصالح ..مشاوير النهاردة ... بح"

يذكره رجاله بأن اغلاق المترو واخلاؤه من رواده قد يكون عملا لاينطوي على الحكمة ... تضيق عيناه أكثر ليردد بحزم

"ومين قالك هانخلي المترو؟"

ينظر للجمهور المزدحم أمام البوابات ليكمل

"احنا هنقفل المترو ع اللي فيه"

لقد جن جنون الرجل ... وبات يتعامل مع الأمر كسرقة محل المجوهرات التي شاهدها كثيرا في الأفلام ... ان اللص بيننا وبحوزته جوهرة نجمة الصباح والتفتيش المنظم سيجعل وقوعه في أيدينا مسألة وقت

يغلق المترو؟!!!!0

كيف يفكر بالظبط هذا المخبول؟!!!0

لكن الدقائق التي مرت أكدت أنه جاد بدرجة كافية تسمح له بتنفيذ جنونه ...0

في سابقة فريدة توقفت عربات المترو في كل المحطات عن العمل في فترة الذروة ... ونزل الناس من العربات متسائلين بشأن ذلك النداء الذي خرج من مكبرات الصوت

"حضرات الركاب برجاء النزول من العربات ... حضرات الركاب برجاء ترك العربات"

الناس في حالة عدم وعي ... أكثرهم تفاؤلا ينتظر بالقرب من الباب باعتبار المسألة مسألة دقائق يعودون بعدها للنظام الذي ألفوه منذ عرفت أقدامهم طريق المترو

لكن الصدمة المباشرة كانت من نصيب أولئك الذين قرروا الخروج لسطح الأرض

كانت البوابات الخارجية مغلقة تماما

صار المترو سجنا كبيرا يضم التعساء الذين تصادف وجودهم داخله في ذلك الوقت

رجال الكابتن عويس يدورون بين الجمهور ويجردونهم من متاعهم ويفتشونها في غلظة ... ان هدفهم مجرد عصا سوداء يحملها الفاعل الشقي

اشتباكات جسدية صريحة بين الحراس والجمهور ... والضرب والصراخ صار مألوفا بعد ساعات

هذا اليوم لن ينتهي أبدا

بنشاط بالغ ينتقل الكابتن عويس بين المحطات ليصير هو الراكب الوحيد في المترو الذي يستطيع الانتقال بين محطة وأخرى في دقائق معدودة مهما بعدت المسافات كلما أبلغه رجاله بمشتبه فيه تم ضبطه في محطة ما... كنت تقريبا السائق التعس الذي انفرد به الكاتن عويس في أغلب الأوقات .. لنجري في عالم ماتحت الأرض .. في الممرات المظلمة الطويلة
صارت خطوط المترو مسخرة بالكامل لخدمة رجل واحد ألهبه الغضب الحيواني المسعور

الحظ السيء هو ماجعلني أتوقف في نفس المحطة التي تواجد هو فيها لحظة اصداره القرار المتهور

مرت ساعاتان دون أن يتغير الوضع ... واعتراضات الناس ... تحولت مع الوقت لهمهمات معترضة غير واضحة المعالم ... وآخرين يئسوا من الاتصال بكبار البلاد الذي يعرفونهم في الخارج ... ان من يحتاج لوساطة .. لن يحصل عليها الا من داخل المترو

" يابخت من كان الكابتن عويس خاله"

الصوت المتحشرج يتصاعد من لاسلكي الكابتن عويس .. لتتضح معالمه بعد ثوان

" مشتبه فيه في محطة العتبة ياباشا"

__________________________

أحيانا أخاف من نفسي عندما أراقبها تتمادى في الخطأ بحجة تنفيذ الأوامر العليا .. ولو كنت أملك حق الاعتراض .. لفضّلت ترك العربة

__________________________

أوصلت الكابتن عويس لمحطة العتبة ... وسمحت لنفسي بالنزول لرؤية المتهم المضبوط
كان رجلا متوسط العمر قصير القامة أميل للبدانة .. يمسك بحقيبة رياضية لبنية اللون ويقف مقيدا وسط حشد من الحرس الظافرين .. وأحدهم يمسك بالحقيبة ليناولها للكابتن عويس الذي التقطها برصانة وقلب محتوياتها ليستخرج منها (ننشاكو) أسود اللون .. تأمله لدقيقة بين يديه بنظرة مستاءة ... ان رجاله البهائم لم يعرفوا الفارق بين الننشاكو الصيني والهراوة السوداء التي تسلموها في يومهم الأول .. لكنه لوّح بالأداة المضبوطة في وجه القصير ليقول

"شنطتك دي؟"

"انا عايز أعرف انتوا ماسكيني ليه"
ان كل ماكان يهم الكابتن عويس في تلك اللحظة كان القبض على المعتدي المجهول .. لا البحث عن أسلحة مشكوك في هويتها

"انت مش عارف ان شيل السلاح ممنوع؟"

"دة مش سلاح سعادتك"

يمسك بطرف الننشاكو .. ثم يطوح فجأة بالسلسة المتدلية في نهايتها ليوجه بالطرف الآخر صدمة موفقة لخصية الرجل وهو يصرخ

"سلاح دة ولا مش سلاح؟!!0"

يحتقن وجه القصير ويهوي أرضا ممسكا بضاعته الغالية في ألم مخيف .. يقول بصوت ممزق

"دي مش حاجتي ... دي شنطة ابن أخويا ... هوة مستنيني برة"

يشير له الكابتن عويس في تعالي

"قوم على حيلك ... قوم"
القصير المرمي يجاهد لالتقاط أنفاسه .. ثم يشير الى الحقيبة ويحاول اتمام جملة مفهومة

"ال..البخاخة ... أبوس ايدك ... حسا...أنا عندي حساسية"

" والحساسية دي بتجيلك من الخضة؟"

لازال الرجل عند ساقه يتوسل ويحارب للتنفس .... واحد يقترب من الجمع ليقول بلهجة خطرة

"ياجماعة الحقوه .. صدره قفل ... دة عاوز مستشفى"

ينظر له الكابتن عويس بصرامة

"انت ابن أخوه؟"

"لأ ... بس.. "

"خليك بعيد أحسن"

القصير يشير بيده في ضراعة .. وصار تمييز كلماته أصعب وهو يردد في ضراعة

" البخاخة .. أنا في عرضك"

بدأ الجمهور يقترب .. وبعض النسوة شهقن وهم ينظرن للرجل ... لست أكيدا من سلامة عيني .. لكني أرى لونه يتحول للأزرق ... الأعين المتسعة تحدق بالرجل ثم تنتقل للكابتن عويس

ياجدع اعمل حاجة الرجل هيموت .... انتوا أرواح الناس ببلاش عندكم ؟!!... ياناس ياعالم ... عايزين دكتور... انت بني آدم عديم الاحساس .. يالهوي دة بيموت!! ... يلعن أبوكم انتوا ايه؟!!!0 ...

العجيب أن واحدا لم يتحرك للنجدة ... واكتفوا بالتوقف والمراقبة والاستنكار .. ولدقائق نسيت أني تحولت الى متفرج معهم .. بلا حركة أو فعل .. أنتظر من أحدهم فعل شيء ما .. أي شيء ... انقاذ الرجل المريض ... الهجوم على الكابتن عويس ورجاله ... تحطيم أبواب المترو المغلقة .. أي شيء .. أي شيء ... مشهدنا ونحن نتأمل الموقف بعيون منبهرة أعلمني بشيء واحد ..0

ان الرجل الذي سينقذنا .. لن يأتي أبدا...لأنه ينتظر معنا

ببلادة نتابع المشهد ... الرجل يتهاوى ويزرق أكثر .. والكابتن عويس يقف أمامنا عاقدا ذراعيه في ثقة ...والحرس ينتظرون الأوامر دون أن يبدوا على ملامحهم الى أي الفرق ينتمون... ونحن نتساءل .. هل مانراه أمامنا .. يحدث حقا؟!!0
يلقي الكابتن عويس بالننشاكو أرضا .. ثم يجول ببصره في الجمع بنظرات حادة ازاء نظرات الناس الغاضبة المتهمة .. يشير لي ببرود قائلا
"ارجع على رمسيس ياأسطى"
اللحظات التي تقضيها واقفا أمام قنبلة موقوتة تمر كصورة بطيئة ... وهنا لاتدري موقع القنبلة اذا كانت هي الكابتن عويس بلهجته الآمرة , أم الجمهور الغاضب ... اتراجع للعربة .. وافتح الأبواب ليدخل الكابتن عويس نظرات الناس لاأدري اذا كانت تطاردني أم تطارد الكابتن عويس .. لكني أكره البقاء معه في سلة واحدة ... الناس يقتربون من العربة المفتوحة .. يحاولون الدخول لكن الكابتن عويس يصيح بهم في صرامة
"مكانك .. كل واحد يفضل مكانه"
أغلق الباب مستعدا للانطلاق .. انظر للمشهد من جديد .. الرجل المريض لازال يصارع بعد أن ناوله بعضهم البخاخة ... يحاول التقاط أنفاسه بلا جدوى ... بعضهم يصوب نظرات حقودة الى العربة .. وحركة شفاههم أعلمتني أي الشتائم يطلقون ... الكابتن عويس يطرق الزجاج الفاصل بيننا ليردد
"ماتطلع .. احنا هاننام هنا؟!!0"
أعرف أن رجوعنا للمحطة الرئيسية لن يكون النهاية ... سيكون بداية متجددة لحدث متكرر ... الكابتن عويس سيجوب المحطات .. والناس ستنتظر حتى يجد بغيته .. أو تهبط الرحمة في قلبه
أنظر للأزرار ... هذا الرجل سيمضي في سحقنا جميعا دون أن يطرف له جفن ... بحكم منصبه ... بحكم مسئولية تأمين المترو ربما ... بحكم كل هؤلاء الحرس المنتظرين في خدمته ... بحكم السيطرة الممنوحة بلا حدود
أتطلع للأزرار مليا
السيطرة .. هي كل شيء
طرقات عصبية على الكابينة ولهجة الكابتن عويس الحاسمة المستفزة تغمر حواسي لأغرق في احساس كريه من الجبن .. ورهبة الصوت العالي , والاحساس بالعجز والضآلة .. آخذ شهيقا .. أقترب من مكبر الصوت بالروح العدوانية المفاجئة التي أشعلها الضجيج
"الأستاذ المحترم اللي بيخبط ع القزاز"
وقبل أن يستوعب الكلمة .. كنت أضغط الزر الصحيح من البداية
زر فتح الأبواب
تفتح جميع الأبواب أمام الجمهور الذي توقفوا لدقائق محاولين فهم حقيقة الموقف بعد ان اعتادوا البقاء في المحطات .. الكابتن عويس يطرق على الزجاج في غضب استحال جنونا مع مرأى الناس تقترب من مدخل العربة
"اطلع ياحيوان ... بقولك اطلع ... مكانك انت وهوة"
الناس الواقفين على وشك الدخول يرمقون الكابتن عويس بذات النظرات الغاضبة ... شيء غامض يمنعهم من ركوب العربة .. صراخ الكابتن عويس .. تلويحه بالعصا ... حالة من عدم التصديق ... ينظرون لبعضهم البعض .. كأنهم يدعون بعضهم بعضا للدخول .. يقترب الكابتن عويس من الزجاج الفاصل بيننا ويطرقه بعصبية بهراوته السوداء .. الزجاج يكاد ينهار من شدة الضربات ..ينتوي الدخول للعربة للفتك بي ... الزجاج يتشقق أكثر وأكثر ..يصرخ بأعلى صوته في جنون كامل
"اقفل الباب بقولك .. اطلع ....
......اطلع
....اطلع"

Thursday, April 03, 2008

عندما نخرج جميعا من اصلاحية شاوشانك

تذكرت فجأة المثل الروسي ( على ماأذكر من جنسية المثل) .. الذي يتحدث عن بيع فراء الدب قبل صيده
ماذا يحدث عندما نكتشف أن لون الحياة يستحيل تدريجيا الى اللون الوردي الفاقع
وأن معاناتنا اليومية , ودراما أكل العيش , والذل والهوان والتعاسة , والقهر .. وكافة المشاعر السلبية قد انتهت من العالم
ماذا يحدث عندما تندحر الديكتاتورية , وتنتهي اسرائيل , وتندثر فوازير رمضان من الوجود؟
ماذا يحدث بعد أن ندخل الجنة؟
المدهش انك بعد فترة طويلة قضيتها تكافح مع مبدأ ما ... او تقاتل ضد اخر ... تنسى كل هذا الدوار والزحام المشرب بالنقاش الحامي على المقاهي .... المقالات الغاضبة ....ربما بعض الكوابيس

اغلق الشاشة قليلا

حسنا ... ماذا بعد؟

ماذا نبغي حقا من كل هذا القرف ؟

الزعامة ؟.... البطولة ؟. .... محاولة مضنية للبحث عن الذات ؟.... هل تحاول جديا تغيير العالم؟ .... تبحث عن السلام والعدالة والحق والجمال؟ ..... تبا !!! ... ماذا تبغي حقا؟
هذه الشرارة المشتعلة داخلك ... تلك التي تبحث عن معنى للوجود ... نعم ... بنت الكلب هذه ... امسكها .... تأملها جيدا.. تأملها لترى داخلها نفسك .. احباءك ... اعداءك ... الأعداء الذين أوجدتهم ليحلوا محل أعداء اخرين وهميين في عقلك يجسدون كل ماتخاف وتكره وتقشعر منه في فراشك ليلا فتسحب الملاءة لتغطي جسدك رغم حرارة الجو
انهم جميعا هنا بالداخل ... أصدقاء و اعداء ... احلام والام
صور تخيلية منحتك سيفا خشبيا ..ودرعا من الورق.. وعبط الدون كيشوت
انهم جميعا هنا بالداخل ... معارضة وحكومة ... حب وكراهية

ل ...لكنني احتجت لوقت طويل .. كي أدرك اني دخلت غرفة كبيرة ... مليئة بالعرائس ... ووزعت عليهم الادوار .. وبدأت احركهم وفقا لأحداث مسبقة استحضرتها من اللاوعي .... حبايبي الحلويين ... اليوم سنحكي قصة الوحش والأبرياء
وتنتهي القصة ... وغدا .. واحدة اخرى ... اكثر امتاعا , اقل امتاعا .. لكنها بذات العرائس الموجودة في الغرفة سلفا

انهم جميعا هنا .... ملائكة وشياطين ... جنة ونار

ويتلون العالم بلون عالمك الداخلي ... اسود , ابيض , فحلقي داكن يميل للصفرة (لاتسألني ماهو؟)0 ... ويتجسد أمامك الوهم في صورة ملموسة ومرضية ... اعدائي لهم الكره والاحتقار والالم ... اقذف بهم في النار
عندما يبدأ يومك ... انظر جيدا لهؤلاء الذين تشاهدهم في الشوارع .. في العمل .. في التلفاز .. في الجريدة ... اولئك الذين قمت بتنميطهم الى ناديين .. فريق الاخيار .. فريق الاشرار ... النتيجة صفر: صفر ... لازلنا في بداية المعركة
ماذا يحدث عندما يترك العنتبلي مكانه المفضل؟

لاتجب ... اعرف سلفا ماقد يجول بداخلك ... ستشرق الشمس , وتنعكس الاشعة على قوس قزح الجميل , وتغرد الطيور أجمل اناشيد السماء ... ستنمو للناس اجنحة بيضاء على ظهورهم وتظهر تلك الهالات المضيئة فوق رؤوسهم ... وسيحلو طعم البطيخ في ايام الصيف حتما بعد ان ظللت لعهود طويلة تشكو من (طعم الأشياء الماسخ) ...

هل حقا ان انتظارنا للحل الخارق من السماء .... هو الذي جعلنا نعلق عليه كل تلك الاّمال؟
لازالت النتيجة صفر :صفر .... اعتقد أن الأمور بحاجة لبعض السخونة

ألاترى بربك كيف صرنا نحيا حقا ؟!!! 0 .. نقوم صباحا .. نغسل وجوهنا من اثر الليل ... ثم نلعن الماء الملوث (أو المقطوع حسب موقعك الجغرافي من هذا الوطن) ... ننطلق في مواصلات حارة خانقة .. ثم نلعن الزحام والتكدس وسعر البنزبن المرتفع .. نرتمي على مكاتبنا ... ثم نلعن الواسطة واهدار الكفاءات والروتين اللعين ... نستريح لأداء صلاة الضحى ... ثم نلعن الماء الملوث من جديد لأن عدد الكائنات السابحة في شاي (الاصطباحة) صار أكثر مما يطاق

نمارس مهام عملنا ... ثم نلعن الناس الذين لايفهمون كيف يجري العمل هنا ويرهقوننا باعادة شرح الأمور .. اولئك الذين نحب وصفهم ب(البلاوي اللي بتتحدف علينا) .... نذهب للصراف لاستلام الراتب... ثم نلعن الخصومات والجزاءات ... نمضي في رحلة العودة ... ونلعن المواصلات من جديد ... ثم نلعن بعضنا لأننا قررنا جميعا ان ننصرف في نفس اللحظة فتكدست بنا المواصلات ... وتوقفت الشوارع ...

موعد الطعام .. نلعن الجبنة الفاسدة ... والخضروات التالفة .. والخبز الرديء الذي لايوازي بحال القدر الذي انتهك من كرامتنا سعيا للظفر به في طابور ممل سخيف وقاتل أحيانا (لو كنت لازلت حقا تستطيع ارتياد تلك الطوابير ) ... نلعن التلفاز ذو القنوات المملة أحيانا أو الخليعة أحيانا...نتناول الريموت طمعا في شيء مفيد أو مسلي ثم نكتشف أن الريموت لايعمل لأن البطارية ضعفت من فرط التشغيل ,ثم نلعن صاحب الوصلة الحرامي ... نصفع الأولاد ونأمرهم بالنوم ... ثم ننبطح فراشا ... وقد علمنا اخيرا أن المتعة الوحيدة الباقية في الحياة بين الأزواج قد صارت مستحيلة بعد هزيمة مريرة في كل المجالات على مدار اليوم , وأن مابقي من ممارسة الحياة .. ليس الا روتين ميكانيكي خاضع ل(تساهيل ربنا)

انا نسيت ... انت نسيت ... انه في خضم هذا الصراع اليومي ... لعنتك ولعنتني الاف المرات .. دون أن نعرف من المتضرر حقا ... أنا جارك في المواصلات .. وزميلك في العمل , و(البلوى) التي أتت تسألك عما تفعل بخصوص أمر ما .. انا وأنت .. من نعمل بالفرن .. ومحطة المياه... نلوث النهر ... ونسرق الوصلة .. ونبيعها للاخرين ... نلعن بعضنا ... ثم نهرش في غباء متسائلين عمن افسد الجبنة , وأتلف الخضر , وجعل وجه الخبز كحذاء صانعيه
انهم جميعا هنا ... مانحي الخدمات ومتلقييها ... ملوثي النهر.... وشاربيه

لازالت النتيجة صفر: صفر ... أمر عجيب ألا تأتي الاهداف بعد مباراة بهذا الطول
هل حقا .. لازلت تؤمن أن هناك فريق للأخيار .. وفريق للاشرار... نلعب مباراة أبدية لايربح فيها احد؟

نتساءل عن تلك اللحظة الذهبية التي نفر فيها جميعا من شاوشانك ... ربما لو فررنا الى الجنة ... لحملنا معنا كل متاعبنا وشكوكنا , وخبزنا البائس ... ولارتدينا لباس الفريقين .... الاخيار ... والأشرار ... لأنهم جميعا هنا منذ البداية
هم دائما .. حيث نذهب
هم دائما ..... نحن

اعتقد أن الهروب الحقيقي ... هو ذاك الذي نفر فيه من كل تلك الصور التي ملأت اعيننا ... فنرى الأمور على حقيقتها ... الأصدقاء .. والأعداء ... الأخيار .. والأشرار .... ونكف عن لعبة العرائس الأزلية , عندما نمنح كل مخاوفنا والامنا .. اسما .. ونحله في جسد واحد نكرهه .. تنتعش الحياة بهزيمته
نرى لحظتها أننا لم نكن نقهر اعداءنا .... ولم نكن نفتك بمخاوفنا ... اننا حقيقة .. شرعنا في التهام أنفسنا

عندها .... ربما حقا .. تشرق الشمس على قوس قزح الجميل ... وتنمو الاجنحة , وتظهر الهالات المضيئة فوق رؤوسنا .. ويحلو طعم البطيخ في أيام الصيف
عندها ... ربما يترك العنتبلي مكانه المفضل ...وتندحر الديكتاتورية .... وتندثر فوازير رمضان من الوجود
عندها ... ربما نكون قد خرجنا جميعا من اصلاحية شاوشانك
________________________


مللت من الاعتذارات , تماما كما مل منها الجميع ... لكن أكرر ... انا اسف على أي تأخير حدث طوعا أو كرها
من شاء لعن , ومن شاء سامح .. وللجميع الحب والاحترام

أتتني دعوة من أطباء بلا حقوق على أساس أن أقوم بالتعريف عنهم .. أعتقد أن كلامي لايضيف لأنهم معروفون فعلا , بمحاولاتهم الجدية لكسر الأسوار بعد عهود طويلة من الخنوع والخوف والجهل اصلا بأبسط حقوق الحياة, لن أتحدث هنا عن مشاكل تخص الأطباء عندما نشكو من المادة , ونستجدي كادرا ... ونهدد باضراب ,أو أضعف الايمان ... اعتصام .. عندما يتصور الجميع ... حتى نحن .. أننا أشبه بمجموعة بائسة من الفلاحين تتجمهر عند قصر المنوفي .. مطالبة بزيادة( اليومية) وقد تفرقهم رصاصة في الهواء أو تلويح مهدد من اصبع (الكبير) ... لا , لاأحب تلك الصورة ... لكني- كالجميع -أريد أن أصنع شيئا واحدا محترما في تلك الحياة , ولو كان اتفاقا على أمر واحد ... فقط اتفاق , لاتفرقه رصاصات مسدس المنوفي .. ولايخضع لاصبع (الكبير) المرعب.. لأننا - أبدا - لسنا هؤلاء الفلاحين البائسين ... 0

لانستجدي ... لانتسول

ليس للأطباء فقط ... بل لكل من يحق له الحياة على تلك الأرض .. كانسان ... فقط كانسان

سمه الكادر .. سمه الخبز ... سمه الماء النظيف ... سمه مكانا امنا لأجيالك القادمة دون كلاب بوليسية عشوائية الهجمات
العادة ... تقتل الطموح
تذكر .. تذكر .. الرقم ستة
لانستجدي ... لانتسول
لكن ... عندما نتحد سويا لكسر الأسوار
كسر العادة
كسر الخوف
وعندما نرى النور بأعيننا من خلف الجدار

سندرك حقا كم يستحق ...أن نعيش جميعا خارج جدران شاوشانك

Tuesday, January 15, 2008

الاغواء الأخير للعنتبلي

.d;في احتفال بسيط ... توّج العنتبلي مديرا عاما للشركة الوطنية لانتاج البلاستيك
___________________________

يقول العنتبلي في أوراقه المخفية :-0
يومي الأول في مكتب المدير
لم يتغير روتين الحياة كثيرا بعد منصبي الجديد ... لازلت اسير في ذات الطرقات بين نفس المكاتب ... فقط يختلف تصميم الكرسي الذي اجلس عليه وتتسع مساحة الحجرة لتتساوى مع اهمية الموقع الذي احتله

بدأت حياتي العملية موظفا عاديا بالشركة ... الترقّي مجرد عملية ديناميكية خاضعة للوقت وبعض الجهود والتزكية ... هي حتمية كالقدر مالم تصطدم بالمشيئة الادارية ... وكانت المشيئة الادارية تعمل لصالحي ... وهي التي جعلتني في قفزة مفاجئة نائبا للمدير السابق وذراعه اليمنى متخطيا بذلك رقابا كثيرة طالما لمحت في عيون اصحابها , الغلّ والتربص ... ثم اتت مشيئة اخرى اعلى ... المشيئة الالهية , عندما لقي المدير السابق مصرعه بين انياب الماكينات الجديدة التى سعى بنفسه لتطويرها املا في النهوض بانتاج الشركة

حادث مؤسف ... خفف قليلا من صخب الاحتفالات المعهود احتراما لذكرى العزيز الراحل .. وجعلني في ذات الوقت مديرا ومتحكما .. ومقررا لذات المشيئة الادارية التي اتت بي يوما .. اعطي وامنع ..اكافيء واعاقب ... سلطة مخيفة .. محت نظرات التربص التي لمحتها من البعض , وأتت مكانها بنظرات الاحترام والتبجيل المحلاة ببعض الرياء ... رياء لااخطيء تمييزه , لأنني اتوقعه .. ربما .. ولأنني كنت يوما ما .. واحدا من هؤلاء...لذا افهم جيدا مشاعرهم وخواطرهم ومايحدث تحت جلودهم الخشنة

لم يتغير روتين الحياة كثيرا ... لكن رؤيتي للحياة وللاخرين هي التي اختلفت

_________________________

المتجه الى الخزينة يلزم اقصى اليمين ... المتجه الى مكتب العنتبلي يلزم الأدب
تحديات الادارة ... قائمتي مزدحمة بالأعباء والأعداء ... ذهني منشغل بمحاولة التوازن والبقاء اكثر من انشغالي بسير العمل في الشركة ... ممارسة السلطة شبيهة برياضة ركوب الأمواج لممارس مستجد , المهم في الأمر الا تبدو مستجدا لأنك ستسقط مع اول موجة تثير صيحات جمهور الشاطيء .... بدأت في وضع الخطط وتنفيذها طمعا للتفرغ فيما بعد لرخاء الشركة

كانت اول خطوة هي اكتساب الارضية ... النعم الادارية تذيب الاحقاد , تصنع العبيد ان شئت ... الترقيات والمكافئات لاتكلف جيبك عبئا ... بعد ذلك تصير لقراراتك القادمة شرعية على ارضية جماعية مؤيدة ... ومن هنا اصدرت ثاني قراراتي .. تكهين الماكينات الجديدة ... العاقل من اتعظ بسلفه ... انا بصدد شراء ماكينات اخرى اكثر امانا فور ان تستقر الأمور بالشركة ... يمكن لمسيرة الرخاء ان تنتظر قليلا

كنت ارى بعين الطائر مايدور في المكاتب المعزولة خلف اكوام الملفات القديمة ... رشاوي .. عمولات .. اختلاسات ... دعارة وظيفية متكاملة .. دعارة , اعلم جيدا افرادها المنظمين,واشم رائحة فسادهم كالعرق .. ..كأكياس القمامة ... في المكاتب المعزولة بين اكوام الملفات القديمة .. حيث يتراكم الموظفون في ظلام الشقوق بعيدا عن نور الرقابة .. وبخيوط الفساد اللزجة .. يبنون بيوتهم ومخابئهم ... مملكة كاملة بين الجدران .. في المكاتب المعزولة خلف الملفات القديمة .. كثيرون .. كحشرات مختبئة في ركن بعيد .. تهاب الاقتراب منه خشية اللدغات ... لدغات لن تقتل .. لكنها لن تجعلك سعيدا

ومن هنا ظلوا يتراكمون .. ويتعاظمون .. بل ويتكلّسون .. تماما كجير الاسنان .. وصارت مملكتهم شبه منيعة على الاقتحام ... ومن هنا نشأت بيننا معاهدة غير مكتوبة .. بالا يتعدى عفنهم .. عتبة شقوقهم ولايتجاوز صدى فحشهم حد الهمس...هم ايضا حفظوا العهد.. فضمنوا البقاء ... وتظل اياديهم الموافقة وصيحاتهم المؤيدة مضمونة في صفي استخدمها لمصلحة الشركة.. خلا واحد او اكثر .. يتجاوزون الحد الامن .. فيسحقهم نعل القانون كالصراصير .. ومن اشلائهم يتصور الجميع من خارج اطراف اللعبة ان العدالة لاتعاني من عطب .. وانها تعمل بكفاءة ممتازة

قد لاتعاني العدالة من عطب .. لكن نعلها لايطال الشقوق
___________________________

انتبه من فضلك ... الشركة ترجع الى الخلف
لكن لاشيء يبقى مستقرا دون مشاكل على سطحه الهاديء .. ولا يوجد مدير دون مخاوف دائمة وهواجس خفية .. ولايوجد مايقلقني قدر الانهيار والسقوط ... لفترة توقفت عن النظر الى نفسي كفرد .. تتغير نفسيتي منذ مدة لتتواءم مع مشاعر التحكم والاحساس بالقوة الخارقة .. قوة القرارات والامضاءات والأختام .. لكن في لحظات قليلة خاصة جدا ... عندما يختفي المرؤسين , وتغلق المكاتب .. وتطفأ الأنوار .. اتذكر احاسيس البشر .. الفردية .. الضعف ... والخوف... لاشيء يجعلنا اقوياء قدر اناس تؤكد لنا ذلك ... .. تجعلنا نصدقه وتجعله يقينا .. لكني صرت مؤخرا استيقظ خلال فترات نومي المتقطعة على كوابيس .. ارى نفسي فيها وقد انسحبت من تحت قدمي سجادة الادارة .. اسقط كطفل تعثر من على عجلته المسرعة بينما جموع لاتنتهي من الناس تسعى خلفي.. تكرههني. تبغي قتلي ... وستفعل ذلك فور ان تصل الي .. وينتهي الكابوس ... ويتبقى الفزع , والعرق البارد

ازعم اني قدمت الكثير للشركة خلال فترة ادارتي ... اعتقد انها نهضت عن ذي قبل .. لكن السلطة والهم .. توأمان لايفترقان... والاحساس المستمر بأن من حولك لايرون ماترى .. لايشعرون بان الأمور أفضل .. هذا الاحساس يلازمني كرجفة الشتاء ... احساس يملأك بالكابة ... ويجعلك تعادي هؤلاء الذين لايعجبهم سير الامور ... صرت اكرههم , اكره تحفظهم وحماسهم المنطفيء عندما نتحدث عن انجازات الشركة ...و صار ضجيج الماكينات التي كهنتها يوما يعلو بصورة غريبة ... هاجس اخر يضاف الى قائمة الكراهية

ويبدو ان نفسيتي تنعكس على أداء الشركة... صارت الكراهية سافرة بين موظفيها. كأنما انقسموا الى فريقين متناحرين ... فريق المقربين , وفريق المبعدين .. فريق يفوز بالحوافز والعلاوات والترقيات السريعة .. وفريق اخر يلعن ماالت اليه الشركة ويعلن عن نفسه باستمرار في صندوق الشكاوي .. طعنات متبادلة بالاتهامات...وسباب بلغة ادارية محنكة ... فوضى ... احيانا يخيل الي ان الكل قد نسي عمله الحقيقي بالشركة وصار عمله الجديد هو اثبات الذات ... لم اعرف منذ الوهلة الأولى ان الصراع صراع بقاء .... لكن الامور تغدو اكثر وضوحا .. عندما يتحدث الموظفون باستمرار عن المرتبات الزهيدة .. وخط الانتاج المنحدر .. ويصرخون معلنين عن فساد زملائهم .. ويحاربون كمجرمين سعيا خلف مكاسب هزيلة يحسبونها نعيما مقيما

عندما يبلغون هذا الحد من الغضب والكراهية والسعار والرفض ... فهم يناضلون من اجل البقاء .. لأنهم اكتشفوا انهم في واقع الأمر ... يحتضرون
__________________________

لمن أترك كل هذا ....؟
شيء غامض جعلني ابقى على كرسي المدير ... ربما هو مزيج معقد صنعه احتراف الادارة ,مع ارضية ثابتة اجدت تخطيطها , مع خوف الموظفين المستمر من التغيير .. مما يجهلون ... مهما سخطوا وتذمروا ... لم يفكروا حقا في مدير جديد .. ربما لأنهم لايعلمون واحدا ... لم يعودوا يرون سوى السواد ... ولم تشم انوفهم سوى العفن ... ولم تعتد اذانهم الا على احاديث الخيانة والسرقة , ادمنوا عالمهم المقرف كما يدمنون سجائرهم بكل ماتفعل بهم من سعال ومرض ... امر غامض جعلهم يباركون استمراري مديرا لشركتهم الدورة تلو الاخرى

تبلى الكراسي .. وتشيخ الوجوه .. وتتحول الشركة امام عيني من مصلحة تدار .. الى بيت األفه وأحفظ أركانه ... ... احس خصوصية جدرانه وماتحويه من مكاتب وموظفين وملفات ... كأنما هي أشياء تمتلك بحكم الأقدمية وتنضم الى ميدالية المفاتيح ... الأقدمية تصنع الألفة
هناك أشياء تتم دون تخطيط ... كأن أبدأ في اصطحاب ابني الى الشركة ... يقضي بها الساعات يدور بين المكاتب ويداعب الموظفين ... كان مروره متقطعا في البداية ثم مالبث ان صار شبه يومي .. وقد شجعه الترحيب الحار , و الاحترام الفائق الذي يلقاه .. واحساس منطقي بهيمنة والده المطلقة على عالم الشركة
في البدء شجعته على الاقتراب من هذا العالم ... ومعرفة خباياه ... ثم بدأت بذرة صغيرة تنمو داخلي على استحياء ... كأنما ابغي ترك جزء من ذاتي في هذا المكان ... تشجيع الموظفين المقربين جعل الفكرة تختمر في رأسي وتصبح هدفا تصنع له القرارت ... من قد يدير شركتي افضل من واحد من صلبي ؟

قمت بتسريب شائعات في أرجاء الشركة بهذا الخصوص طمعا في جس النبض .. لازالت تصلني بكفاءة أحاديثهم الخفية ورفضهم , وحتى نكاتهم اللاذعة ...لكن الالحاح يصنع المعجزات ...ومايكرهه الناس اليوم , قد يقبلوه واقعهم غدا .. فقط اذا مادأبت على ترديده .. كأنما هي تعويذة سحرية تستمد قوتها من التكرار .. ورويدا رويدا , رأيت الموظفين يتحولون من الرفض المجنون , الى عدم الاستساغة , الى تقبل الواقع ببقايا سخرية .. صفقة أخرى غير مكتوبة عقدتها بينهم في صمت ... سيتركون لي القرار المطلوب .. وسأترك لهم سخريتهم ونكاتهم وثرثرتهم الفارغة بين المكاتب ..صفقة كتلك التي عقدتها يوما مع الفاسدين منهم طمعا في مزيد من الاستقرار

اليوم ... صار ابني واقعهم الذي لامفر منه

_______________________

الاغواء الأخير
شيء واحد اعتبرت نفسي عاجزا عن تحقيقه ... الخلود ... لاشيء يدوم للأبد ... التجاعيد, والشعر الأبيض , الارهاق المستمر الذي يداهمك عندما تبذل ذات المجهود الذي كنت تبذله قبلا دون أن تلاحظ ...انني حقا أشيخ ... ومعي تشيخ القرارت والأختام والعقلية الادارية الجبارة التي حسبتني أمتلكها

لازلت أسمع لهمس الموظفين خلف مكاتبهم ... يتحدثون عن الرحيل , والمدير المنتظر , يتصورون شكل المستقبل من بعدي ... كلامهم يصيبني بالمرض أكثر ... لا , ليست الأمور بتلك السهولة

حرصت على أن أبدو امامهم في أتم صورة وصحة ... أنا لاأمرض , ,لاأرهق , لاأشيخ ... أنا صورة دائمة الشباب .... صحيح أني لم أعد اظهر كثيرا أمامهم كالسابق ... لكنهم يعلمون أن العنتبلي دوما في مكتبه ... باق بالشركة ... يراهم من حيث لايشعرون
صورة ضبابية تتكون أمام عيني ... لم اعد ارى جيدا ... الصحة , والعمر ... تلك امور لاتصطنع ... الخوف ... لم يحن وقت الرحيل بعد ... لاأعرف عالما اخر احيا به سوى مكتب المدير ... لاأعرف زمنا ارغب في البقاء به سوى الأبد ,لأنني لم أعتد تغيير الأمور ... المرض والعمر ... يلتهمان المرء كلهب شمعة لم يبق من فتيلها الا الذبول

الخوف ثانية ... حديث الموظفين ثقيل مسموم ... ينتظرون كأنهم ضباع جائعة حول أسد مريض

مع انفاسي المتثاقلة ... بدأت اعرف الاغواء الأخير الذي قدمه لي كرسي الادارة بعد القوة, والتحكم , ولذة الرؤية بعين الطائر , الاغواء الذي يتراكم في النفس ببطء ... ليحولني الى ماصرت عليه الان ... شيخ يعجز عن ترك مكانه , يحارب لاثبات انه لازال حيا , وسيبقى

كالجدران والتاريخ واحجار الماضي ... سيبقى

كسليمان على عصاه يخيف الجان ... سيبقى

الاغواء الحقيقي ان تعجز عن ترك الكأس ... لأنك شربته حتى الثمالة
لازلت اسهر في مكتبي حتى وقت متأخر من الليل .. ذهني يتشوش اكثر , واعجز عن الرؤية دون النظارة التي أرتديها فقط عندما اختلي بنفسي , ورغم سمعي الذي يضعف يوما بعد يوم ...الا انه لازالت تصلني بانتظام همسات الموظفين , ونكاتهم ,و ضجيج مزعج صادر عن المخازن ... حيث الماكينات الجديدة التي كهنتها يوما

Thursday, November 08, 2007

الأشياء الصغيرة التي لاتراها

يقولون ان كتابة اول سطر في المقالة تسهل كتابة باقي الموضوع .... نصيحة ممتازة للحائرين بشأن الكلمات المناسبة التي ينتون بها افتتاح مواضيعهم البائسة

ك (ماسبق مجرد استهلال .... عملا بالنصيحة ليس الا) 0

دوامة اكتئاب عنيفة خرجت منها ببعض الجروح والكسور والكدمات .. كدمات جعلتني اهجر الناس والتدوين والنت والكتب والذي منه ... واغرق باخلاص في مستنقع الذات

ايهما اكثر املالا .... سرد الشكوى , ام الاستماع لها ؟

كان من عواقب فترة الانقطاع السابقة اني فقدت الصلة بأصدقاء اعزاء التقيتهم عبر المدونات ... فترة انقطاع موحية بالندالة والنسيان ... فترة انقطاع ربما لايغفرها ذات الاعتذار المكرر السخيف الذي لاأجيد سواه

لكن العقاب الالهي اتاني سريعا
دون سبب وجيه سوى لحظة فراغ عابرة قمت بكتابة كلمة (حفار القبور ) على محرك البحث العظيم جوجول ... عناوين ذات صلة بي واخرى لا تهمني ... وجدت الاسم يستخدم في بعض المنتديات .. لكن صدمت عندما وجدت بعض تدويناتي منشورة تحت عناوين اخرى او بامضاءات اخرى

كانت صدمتي عندما وجدت سلسلة حكايات من مستشفى ابو جهل التعليمي منشورة بعنوانها الاصلي في منتديات متفرقة دون اشارة بسيطة للمصدر الأصلي ... على اعتبار ان مايكتب هنا ملكية عامة يمكن لمن شاء أن يهبر منها كيفما شاء , احدهم قام بنشرها تحت عنوان (مذكرات طبيب امتياز) ... وقام (وهو مايثير جنوني) بالتعديل والتنقيح والحذف على مزاجه بتكنيك الرقابة المصرية الشهير على اعتبار ان بعض الكلمات ابيح ويخدش الحياء أو ربما يثير حفيظة المتدينين

نفس تلك المقالات وجدتها منقولة على مواقع معروفة ك الديفيدي للعرب وعمرو خالد .. لم اكن اعلم ان المدونة يتيمة لهذا الحد لاصاحب لها ولا أب

تدوينة مطرقة العاهرات كذلك تعرضت لذات المصير حيث نسبها لنفسه شخص ما على مدونات مكتوب ... نقل مسطرة وحياتك ... نقل ساذج لأنه (وهو غير مصري بالمناسبة) ... يختار تدوينة زاخرة بمفردات بيئية محلية , ولهجة عامية خالصة .. امر لم افهمه او اتوقعه من الاساس

اعتقد ان بعض الاخوة الاعزاء قد خبروا ذلك الاحساس الأليم ربما بأكثر مني .. العزيز حائر في دنيا الله , والمتألق ميشيل حنا وبالطبع الأب الروحي أحمد شقير , وغيرهم كثير

لاأقارن نفسي بهؤلاء الأعزاء ... فما عانيت يعد امر امرا هينا مقارنة بما خبروه ... لكن ذلك الالم يمزق الصدر , ويحرق الاعصاب حقا ... اعتقد اني استحق هذا الألم على كل حال لعدم انتظامي في التدوين والمتابعة ... تخيل اني لم الحظ هذا الأمر الا منذ فترة قريبة نسبيا ... ربما لأني شخص مغيب كأهل الكهف ضعيف الملاحظة ... او اعاني مشكلة مزمنة في بؤرة التركيز

بدأت اكتشف بالفعل هذا العيب الخطير ... اني أركز على امور لاتثير اهتمام الاخرين عادة , واغفل بسببها عن التفاصيل الواضحة الزاعقة .. أغرق في خلفيات الصور ... الكومبارس الغلابة ... اللحن الخافت المدفون في عمق المقطوعة .... اختياراتي في الحياة نفسها تخضع لذات العيب ... هواياتي , قراءاتي , عملي , حتى عندما اكتب ... اختار اشياءا قد لاتهم الكثيرين ... انها امور خارج بؤرة تفكيرهم .. لكنها تملأ عالمي لحد الجنون

شكة بسيطة ياأستاذ ... مجرد كانيولا
اضحك كثيرا عندما اتذكر ... ان حتى التخصص الذي اخترته هو التخصص المنسي في كل المحافل ... التخدير , التخصص الذي ينساه البعض ويكرهه الاخر باعتباره الخطر الكامن الذي لايفكر فيه سوى شخص جريء, ميت القلب ويكره سعاد نصر لحد الجنون ... دعك من انه التخصص الذي لايحب الناس ان يختاره ابناءهم لمجرد انه يخلو (حسبما يعتقدون) من مفردات السماعة والبالطو الابيض والعيادة , وكل المتلازمات المصاحبة للدكتور العقر النشيط المرسوم بكفاءة في كتب المطالعة الابتدائية , صورة كلاسيكية لاتتغير مهما تطور الوعي .. حتى عملي كان خارج بؤرة التفكير التقليدية .. وكذا هواياتي , وافكاري , وهواجسي الخفية التي تلح عل طوال الوقت

خد نفسا واملأ صدرك بالهواء ... سيبدأ التخدير الان

لكني عرفت مغبة التفكير المستغرق في امور فلسفية او هلامية في غير الاوقات الرسمية ... عرفت ذلك عندما صدمت تقريبا من ميكروباص متوحش اثناء فترة تأمل الحّت علىّ اثناء عبور الطريق ... واقسمت بعدها ان اكون كالاخرين ...سأرقب الطريق بحماس وتحفز , وسأفتح عيني على الغادي والرائح , سأكون وغدا سافلا طويل اللسان , والأهم اني سأسب العابرين الشاردين الذين كنت يوما ما أحدهم ... ولأترك التفكير الهلامي والتأمل لفترة المساء والسهرة ... بالطبع فشلت في المداومة على هذا التغيير الجديد وعدت لذات الحالة الشاردة

المشكلة الحقيقية التي اكتشفتها ان كل مفردات عملي تدفعني دون وعي لحالة استرخاء شبيهة بحالات التنويم االمغناطيسي ... صوت معدل النبض على مونيتور العمليات .. شكل رسم القلب المنتظم... صوت انتفاخ جهاز الضغط كل بضع دقائق ثابتة ... حركة جهاز التنفس الصناعي , شهيق ....زفير .. حركة تكرارية متتابعة بانتظام مادامت الامور على مايرام ... وعندما يستقر عالمك الخارجي على وتيرة واحدة .. تتثاءب خلاياك معلنة فترة سبات مؤقتة مالم تقتحمها المصائب مبددة استقرارك الداخلي وتسامحك مع الكون

ديمومة الأمور .... ونوم لذيذ

تعرف شيئا.. عندما اعيد تأمل الحياة من خارج عباءة الذات , ارى بوضوح اننا نحيا في نفس الديمومة المغرية بالنعاس ... فقط تختلف مفردات التنويم بغرفة العمليات من المونيتور وجهاز التنفس الصناعي .. الى عالم ارحب نسبيا ...بنفس مفردات الحياة الازلية , نفس الوجوه التي حولنا لاتتغير ... تحكم اعلامنا وقوانيننا ومصائرنا وحتى ايماننا الذي حسبته الأمر الوحيد المنزه عن السلطان

لازال اليوم هو هو ... اشراقة الصباح ... معركة المواصلات .... صراع أكل العيش ... حضور , انصراف ... ختم دخول , ختم خروج ... صباح , مساء .... اجازة , لا اجازة .... شهيق زفير .... شهيق زفير .... شهيق زفير

نشرة الاخبار الابدية بذات التتر ... لازال فلان مذيعا ... ولازال علان شيخا ... ولازال ترتان وزيرا .... ولازال (م.م) صامدا في وجه الزمن والشائعات دون تغير كالأهرامات وابو الهول والمعابد .... شهيق زفير ... شهيق زفير .... شهيق زفير

الاعلانات التجارية بنفس تيمات مخاطبة الغرائز الاستهلاكية ... ونفس الصوت العميق الدافيء الذي يعدك بشلالات اونو الدافئة , وشقة فخمة في الرحاب , وصلاحية مدى الحياة , ومزّة مضمونة عندما تستعمل اكس الاسر وكلوز اب و بريل كريم وجيليت الأفضل للرجال.... الخ , اضف اليها حمّى السحب وخربشة الكروت ومسابقات ال0900 ... شهيق زفير ... شهيق زفير ... شهيق زفير

معاركنا الثقافية والعلمية والدينية ... العولمة , نظرية المؤامرة , نحن و الاخرون , الحجاب وحرية المرأة , الفتاوي المستحدثة , سقف الابداع ,نقل الاعضاء .... عناوين غليظة تثير شهية الاعلام لعرضها ومناقشتها بذات الاسلوب العقيم الذي يذكي الجدال المتحجر .. ويرفع الاصوات في مشاجرة همجية نتابعها على الفضائيات بشغف وماسوشية لاتختلف عن رغبتنا الدفينة في مشاهدة معارك الشوارع وحوادث الطريق بسلبية وبلادة ونحن متكئين على الارائك في بيوتنا المكيفة... موجة معارك تلتهمها اخرى ... ثم اخرى ... ثم اخرى ... شهيق زفير ... شهيق زفير ... شهيق زفير
معركة الجرائد ... معركة الاحزاب ... معارضة , قومية .... وطني ,اخوان (مفيش اختيارات؟) انتخابات و مظاهرات واعتقالات واستنكار , ثم هدوء مؤقت تحضيري لسلسة اخرى من نفس الاحداث السابقة ( طبق الأصل العلقة اللي فاتت ... لاقلم زاد ولا قلم نقص) ...شهيق زفير ... شهيق زفير ... شهيق زفير


وعندما استمرت حياتنا - بمعجزة ما - بنفس الوتيرة , نفس الريتم , نفس التمبو لم نعد نتساءل عن حقيقة ماحولنا , غرقنا في مستنقع الذات ... اصابنا داء النعاس الذي لايوقظنا منه سوى مصيبة طارئة او ميكروباص متوحش ينهب الطريق اثناء عبورنا الشارد قبل ان نعود مخلصين لنفس حالة السبات .... ذات الديمومة التي تنال من وعينا... ديمومة جهاز التنفس الصناعي ... ديمومة الحياة ... شهيق زفير , انقباض انبساط , موجب وسالب , ميلاد وموت ........ 0

الخوف الحق .. اننا نمر بالتدهور البطيء دون ان نلاحظ .. غرقنا في بحر التنويم حتى الثمالة , بنج زائد كما يحلو لطرشجية الاعلام تسميته ... تتدهور كل علاماتنا الحيوية , المونيتور يطلق انذارا مستمرا ... هناك مؤشرات مخيفة على رسم القلب ... لازالت مرحلة التنويم مستمرة ... خطر الموت يملأ المكان برائحة يميزها العارفين ... لازال الانذار مستمرا ... يبدو اننا كنا بحاجة لطبيب تخدير جيد ... او ربما لم نكن بحاجة الى واحد من الأصل
نغلق الغاز المخدر ونوقف جهاز التنفس الصناعي

فتح عينيك ياأستاذ ... 0
هل حقا لازال في الوعي بقية ؟
حمدا لله ع السلامة ....... 0
ياأستاذ .. أستاذ ..!!!! 0

Wednesday, September 05, 2007

فقاعة النت الأخيرة ..... وبيضة ميلودي

في انتظار انتهاء الداونلود

لاأعلم تحديدا ... ماذا سيحدث لخدمة الانترنت اعتبارا من سبتمبر الاسود


لازالت الأمور امامي غير واضحة عن مستقبل التصفح والتدوين والتحميل في تلك البلاد التعيسة ... كثيرون يخبرونك عن السعة المحدودة التي سيبتلى بها المستخدمون .... ماذا سيحدث عندما تستهلك حصتك الشهرية من حنفية الانترنت (ال2 جيجا المباركة) .... هل نتوقع ظهور عبارة باللون الاحمر تردد بشماتة ... عفوا .. لقد نفذ رصيدكم ؟

حتما سيخيب امل كل هواة التحميل من على الانترنت ... مساحات لامحدودة كانوا ينعمون بها مليئة بخيرات الكتب وملفات الموسيقى والبرامج و الالعاب والافلام المجانية .. البريئة منها , وغير البريئة

عندما تعيد تأمل الامور ... تكتشف ان الحكومة النظيفة المباركة قد ساهمت (ربما من حيث لاتعلم ) في ترسيخ ذاك الهاجس القديم لدينا والمعروف ب(هاجس اخر الشهر) .... ذاك الالم الغامض الذي يمزق كبدك كلما اقترب موعد سداد الفواتير والايجار , الكهرباء ... الغاز ... المياه ...فاتورة التليفون ... كروت الشحن ... وصلة الدش .. وصلة السايبر ... الزبالة ... دروس العيال ... التموين الشهري ... صيانة اجهزتك المنزلية التي تتلف بانتظام ... ياللهول !!! ... كل ذلك ازاء موارد متناقصة تدريجيا باسلوب الساعة الرملية الشهير ... وتنتظر في صبر اول الشهر حتى يدركك الغوث ... الان صارت ساعات الانترنت المتبقة امامك عنصرا هاما يضاف الى مكونات الساعة الرملية ... وصارت بالتالي سكينا زائدة تغرس في قلبك كلما لاح في الافق .. بريق اخر الشهر المرعب

ياترى كم تبقى لي من رصيد الانترنت؟

نفس الهاجس , حرك اصبعي اليوم لكتابة بوست اخر بمناسبة سبتمبر الاسود ... الحق اني بحثت في صفحات الانترنت (ايام ماكان عندنا انترنت) ... على صورة او كاريكاتير غربي غير متداول يعبر عن موقف شبيه بحكاية ( النت ابو 2 جيجا واذا كان عاجبك) .. الصور تتحدث عن بطء الخدمة احيانا ... هوس الشراء على الانترنت ... فقد السيطرة على صغار منفتحين على شبكة معرفية غير محدودة ... المواعدة عبر الانترنت ... اضرار الجلوس الطويل امام الويب ... الخ ... لكن صورة واحدة (اثناء بحثي) .. لم اجدها لتعبر عن ذلك المأزق محدود الكمية ... هنيئا لمصر اذا هذا السبق المتميز

كلام كثير موزع كالشائعات تسمعه عن خطة الحكومة الجهنمية للتحديد من نشاط التدوين ... كان التدوين منذ اكثر من عامين مصطلحا غير ذي بال ... يكاد يقتصر على مجموعة محدودة من مستخدمي الانترنت ... المجموعة التي لم يعبأ بها النظام انذاك لأنها كانت اقل جندا واضعف نفيرا ... اليوم صار التدوين اقرب للموضة المستشرية ... .. مدونات سياسية , اجتماعية , دينية , ادبية ... وشخصية .. مساحة الوعي تتزايد .. الكل يدون الان ... العيال كبرت يارمضان ... صار نفير التدوين اعلى من ذي قبل .... ربما لهذا يكون امرا طبيعيا في بلادنا ان يصيح انصار حزب الكبت والتلطيش من مالكي السلطة اعتراضا على تلك الحنفية اللامحدودة ..... اقفل الحنفية ياجابر
هل الحل البديل هو ابتداع حركة انترنتية غامضة وخطيرة ولها اسم متمرد على غرار (نت بلا حدود).. أو (سايبريون للأبد)..أو اي ماقد يخطر ببالك ... ويصبح شغلهم الشاغل هو التحايل على المساحات المحدودة والتلاعب بالنظام ؟ .... فلنصنع ثقبا ضخما في كرش الانترنت , ولنشفط منه كيفما نشاء
انتبه .... يتبقى لديك واحد جيجا بايت وثمانمائة وعشرون ميجا بايت وبعض الفكة
هههع .... اساطير الأولين
انطلق كالمجانين لأحمل فيلما ما ببرامج التورنت .... اشرب اشرب .. ولا يهمك ... النت لايزال في جيبي
قرارات غبية كثيرة وتصريحات اكثر غباءا تطاردنا يوميا من السادة الغير مسئولين ... النت محدود , ورمضان القادم مع المدارس ... لا لتأجيل الدراسة ... تأجيل رمضان اكثر منطقية ... تلك هي الحقائق الجديدة ... صار الويل ويلات ... وصارت النفقات مضاعفة هذا العام ... من استطاع الصمود , فليكمل بالجولة الثانية ... واما من ابى وانتحر ... فالبقاء للأقوى ... هذا هو منطق الغابة المصرية الجديد ... ايها المغفلون , اننا نساهم في تقوية مناعتكم ... قانون الانتخاب الطبيعي سيخلق اجيالا اقوى ... واكثر برودا وتناحة ... المجد للحلاليف
ياأرعن ياأهوج ... يتبقى لديك جيجا وخمسة عشر ميجا بايت .. انت حر
يبارك الله في القليل .... بعض الكيلوبايتات مثلا تسمح بتصفح كل الجرائد القومية والمعارضة والصفراء والخضراء والسوداء
نميمة عظيمة تنتشر وتتعاظم تتعلق بصحة الريس ... متقال يعني .... هاهو يشد حيله ايها الحاقدون ويفتتح المصانع ويقابل الوفود ويمارس دوره الابدي في عملية السلام الدودية ... ويل للمعارضين .... تلاحظ شريط الاخبار الاحمر وهو يكرر اسم الريس ... متقال يعني ... وهو يقابل فلان وعلان وترتان من جميع انحاء المخروبة ... وفود ومبعوثون ورؤساء وزارات ... ولازال واقفا شامخا بصحته وهندامه وبذلته الوحيدة التي يخصصها للخروج والمقابلات والتصوير ..... الاعلام يركز على معلومة واحدة من كل هذه العناوين البيضاء على الشريط الأحمر اللانهائي .... الشائعات مجرد اونطة ... كذب المعارضون ولو صدقوا
ياعبيييييييط .... يتبقى لك سبعمائة وخمسون ميجابايت ... شد الحزام قليلا
تذكرون اعلان ميلودي افلام ....وذلك السمج الذي يستمر في اطلاق النكات المستفزة ويضحك ضحكات اكثر استفزازا .... ضحكات لاتقل سخافة عن كل التصريحات الغبية والهراء الاعلامي المستمر ... بيقولك مرة واحد حدد النت , طلع ضيق عليه .. (ضحك هستيري) ... بيقولك مرة تلات طماطمايات بيعدوا قدام موكب الريس ... واحدة قالت للتانية حاسبي الرييييي ... طك ... التانية قالتلها الريس ميييي؟ ... طك ... التالتة قالت الريس ... متقال يععععع ... طك (ضحك هستري وترجيع) .. وهنا يظهر فتى ميلودي المربرب المتوحش ذو الشعر المنكوش .. وبالطبع لاتعجبه النكت ... فيضع نظارة المعارك امام عينيه ليرى الأمور على حقيقتها ... انها فقط بيضة عملاقة تتلو كل تلك النكات والتصريحات , وتردد كل هذا الهراء
يابن ال(...) ... يتبقى لك اربعة عشر ميجابايت .. وتدخل السجن
طمعا مني في استغلال اخر فقاعة انترنت في ذلك الشهر الفضيل (سبتمبر يعني) ... نشرت هذا البوست مبكرا على غير العادة ... احساس غامض بأن بحبوحة النت السابقة قد ذهبت ودخلنا عصر الظلام ... اخر فقاعة لأخر نفس شهري في صدر الرصيد المتناقص ... رصيد الانترنت , رصيد السعادة , رصيد الاحلام , (رصيد) نمرة خمسة , رصيد الصبر لأناس صامتون مغيبون , رصيد الكرامة المهدرة يوميا في الشوارع والاقسام والمستشفيات ومختلف المصالح الحكومية , رصيد المسئولية التي يحلو لنا دوما الفرار منها والقائها على اقرب رصيف .... من اي تأتي الشرارة الملهمة التي تغير مسار الاحداث ؟ ... ماذا يتبقى لنا عندما نستمر يوميا في ممارسة فن الاستربتيز الخاضع المتنازل تدريجيا ؟ متى تأتي لحظة الاشراق السينيمائية المنتظرة ؟ .. هل نحتاج الى بطل عظيم ملهم ؟ .. ام اننا لن نتخلى ابدا عن انتظار المعجزة و تكنيك (الاله من الالة) ؟ ... اقرأ التفاصيل المثيرة وقاتل مع نور وفريقه من اجل ال......... 0
.................................
عفوا ..... لقد نفذ رصيدكم لهذا الشهر

Thursday, August 16, 2007

اخنقه يافوزي

ورد في بعض الحكايات الأسطورية ... أن قطيعا هائجا من الفيلة العملاقة ( التي يستعينون بها في السيرك أو في فيلم ملك الخواتم) قد اقتحم أرض النمل البريء ... وعاث في جحوره فسادا وتدميرا ... وبينما كانت ملكة النمل الحائرة المرعوبة تهرب من بين أقدام الفيلة الطائشة لمحت نملة من أتباعها وهي تعتلي ظهر كبير الفيلة في يأس ... فصاحت صيحتها التاريخية الخالدة
اخنقه يافوزي ... اخنقه
______________________

دعونا من فوزي البائس اليائس وملكته المجنحة الخرقاء حيث لم يعرف مصيرهما حتى اليوم

من ان لاخر كانت تثار دوما قضية ( الرقابة على الابداع ) .... تعلم بالطبع تلك المصطلحات الخطيرة شائكة الملمس , تلك الامور التي يحلو لنا دوما الانقسام حولها الى مؤيدين ومعارضين لأنها تغذي دوما احساسنا بالتميز والاختلاف

دون سبب مباشر اذكر الضجة التي ظهرت عقب صدور رواية (شفرة دافنشي) ... والجدال والصخب ... فريق المهللين وفريق الساخطين ... اقلام تكتب , وافواه تحلل , ومزيد من الاضواء على وجه مسبب الزوابع وقاذف الاحجار في بركة الحياة ...والاهم من ذلك ... رد الفعل التقليدي الذي يتبناه السواد الاعظم ..... فلنحرق هذا العمل الشيطاني بحق السماء

الحق ان رد الفعل موحد مكرر وان اختلف عنوان (موضوع الصخب) ... كانت التساؤل المنطقي الذي قد تطرحه عندما يصادفك هذا السعار المشتعل هو .. لماذا صار التعامل مع كل مفردات حياتنا الغريبة هو بالدفن او الحرق او التخريب ؟ .... ولماذا نلجأ عامدين لنزع حرية الاختيار من يد الفرد ... على اعتبار اننا دوما (ضعاف الوعي والارادة .. قابلون للفساد)؟

منذ فترة غير قليلة ظهر فريق من مهاجمي ثورة الدش (الطبق الغربي الداعر العامر بالمزز والسكس الصريح) ... ودعوا - منتهجين نفس اسلوب مدرسة (احرق تربح) - الى نبذ الدش واغلاق القنوات الخليعة (وغير الخليعة وحياتك) والكليبات الماجنة و الافلام الهدامة لأنها نتاج حضارة شيطانية لعينة تبغي تتويه الشباب المؤمن وحشو عقله بالتافه المثير من الامور

نحن لانزرع الشوك .... نحن لانبوس الواوا
الملاحظ اننا نحلل كل مانتفق على تسميته ب (الاعمال المعادية ) نحللها من منظور ديني أو جنسي مطلق ... ربما لأننا تحولنا مع الوقت الى مهووسين بأكثر مانكره ... الهرطقة , والجنس ... صرنا مهووسين بالفكرة ذاتها .. وصارت كل شفرات حياتنا خاضعة للتفسير برموز دينية او جنسية بحتة (نحن اكثر من نجيد اطلاق وفهم الدعابات الجنسية , واغلب الفاظنا البريئة صارت قابلة للتحوير الى معاني فاسدة او بذيئة تضمن نجاح الافيه) 0

حدث بالفعل
واحد من اخواننا ... اراد التعرف على عالم الانترنت .. في بدايات ظهوره (تذكر تلك الايام التعيسة عندما كان النت في السايبر كالراديو في دوار العمدة في زمن ابائنا الاولين وكانت كروت المودم وفواتير الهاتف الملتهبة والساعات المدفوعة مقدما من مفردات المرحلة ) .... حسنا ... كان صاحبنا لايعلم عن النت اكثر من كونه ذاك البحر الالكتروني العملاق العامر بالمجون و(الاشياء الابيحة) التي لايسمحون بظهورها على التلفاز مع قدرة مطلقة على (الشات) تحت اي اسم وجنس وسن ليتحول المجتمع الى مجموعات متحاورة من المعاتيه , ذكور يدعون الانوثة يتحدثون مع اناث ينتحلن اسماء الرجال

المهم ان صاحبنا بمساعدة بعض القدامى المخضرمين في هذا العالم قاما بحجز جهاز في احد السايبرات , وهمّ المخضرم بتفحص بريده الالكتروني ... وعندما سمعه (محدث النت الغرير) يتلفظ بكلمة (هوت ميل) ... قام بعصبية رافضا الدخول الى المواقع الاباحية ... الحقيقة انه لم يميز سوى الشطر (الساخن) من اسم الموقع .. ذاك الشطر الذي اشعل فتيل القنبلة ... القنبلة المحشوة سلفا بفكرة (الويب العامر بالرذيلة) 0
سؤال منطقي ... لم كل هذا التحيز المسبق.. وحب المصادرة ... ؟ هل نحن فعلا نرى الامور من المنظور الصحيح؟
لعبة الساحر ... وشيء من الكلكعة
اكبر مشكلة في طريقة تفكيرنا ... اننا نعجز عن قراءة مابين السطور فنتعامل مع الجمل الطويلة الرشيقة بسطحية , ونعجز عن استخراج العنصر المهم من هذا العصير الكلامي الساحر ... فنتعامل مع الكلمات المألوفة باستهتار واهمال باعتبارها مسلمات, وتنصرف انظارنا دوما الى الكلمات الغليظة الرنانة التي نحسبها تحوي حل اللغز ... لهذا دوما ... تخدعنا لعبة الساحر في المسارح الفقيرة ... انها خفة يد تستثمر خلل عيوننا المسطحة سهلة الخداع

تمرين رقم 1 .... تعال نحلل جملة او عبارة من العبارات التي نسمعها او نقرأها يوما في حياتنا

الجريدة (....) بتهاجم الاسلام ... مع ان اللي بيكتبوا فيها مسلمين

اول رد فعل غريزي يكونه المؤمن المتحمس تجاه تلك العبارة هو النفور من (اسم الجريدة) ... التي تتحول الى رمز مرادف للشيطان .. للصهيونية ... للكفر ... للمتامرين ... او لأي شيء شرير ومقزز في هذا العالم ... مع الوقت ... ينقل الفكرة لأتباعه المخلصين و صفوته المنقادين ... وتتضخم العبارة الى مانشيت ... ومن ثم تصبح يقينا ... ومن ثم اسطورة تتغذى عليها الاجيال

تعامل المؤمن الاول مع (اسم الجريدة) .. باعتباره الجزء المهم الحيوي في الجملة ... فتعامل مع بقية العبارة بالتجاهل , انها مجرد مسلمات ... اعتبر ان (بتهاجم الاسلام) ... امر مفروغ منه ... مع ان الهجوم على الاسلام حكم , ومحصلة نهائية لمجموعة مقالات من الثابت انها تحوي انتقادات سلبية للاسلام .. ربما تتم بشكل غير موضوعي يجعلنا نحصل على هذا الحكم النهائي ... في حين ان تلك المقالات قد نختلف حول موقعها من الاسلام ... بين ان تكون مجرد مقالات بصيغة خارجة عن المألوف , أو مقالات محايدة تبغي الصالح العام , أو مقالات شريرة من مأجورين ... تلك امور قد نختلف او نتفق حولها

اما الشطر الثالث ... فهو الافيه الذي بيرز المفارقة المبنية على عبارة سابقة اتفقنا بعيون مغلقة وقلوب مطمئنة على صحتها دون مناقشة (مع ان اللي بيكتبوا فيها مسلمين) .... وهو التعميم الساذج لهوية المسلم ... فهل هو المتشدد ذو اللحية والزبيبة ويقين الحقيقة المطلقة, ام الواعي الفاهم لدينه ومتطلبات عصره , ام المثقف الذي يؤمن ان الدين هو الحل , ام مجرد مرتزق متخفي , ام انه فقط حامل الاسم والهوية المسلمة , ام هو مزيج معقد من بعض هؤلاء

انتهت العبارة .. وذابت الحقائق خلف وهم التعميم والمسلمات ... وبقي اللفظ الغليظ .. الذي الهى العيون عن لعبة الساحر العبقرية , التي تحولت مع الوقت الى يقين موروث ... ومن ثم صنعت الاسطورة التي تغذي النار المستعرة التي تلتهم كل مايثير الدهشة او الغضب او النفور ... صنعت الاسطورة التي اتت بكل الفيلة الهائجة الى ارض النمل البريء
قس على ذلك مئات الجمل والتصريحات المسموعة والمقروءة والمرئية ... مئات الالعاب السحرية يوميا ... ولايتبقى في الوعي سوى المفردات الضخمة ذات الرنين الجذاب .. تذوب حقيقة الخدعة , ويتراكم انبهارنا باللعبة تدريجيا حتى تصبح واقعا
كلام مكلكع ؟... غريب ؟... هراء ؟... ننتقل اذا للتمرين التالي

تمرين رقم 2 .... ردد العبارات التالية مع التسليم المطلق ومد الساقين
لذا فاعلم ان الارض ليست كروية , وان الرعد ماهو الا غضب الالهة ,وان الدش والانترنت ماهما الا وهم عصري لعرض كل ماهو خليع و ماجن و (هوت) , وان مدرستي جميلة نظيفة متطورة ومنتجة, وان مصر مهد الحضارة .. ولحدها ان شئت, واننا شعب مؤمن معروف بالتسامح , وان الشرطة في خدمة الشعب , وان الاسلام هو الحل فقط عندما تحمل كرنيه الاخوان , وان الرضاعة الطبيعية المشبعة هي سبيل الامان بين زملاء العمل ,وان بالختان وحده يحيا الانسان,وان النصر يكون بالدعاء والمقاطعة وانتظار المهدي , وان من ليس معنا فهو ضدنا ,ومن هو ضدنا فهو عميل مأجور وضال ملعون لاننا رغم كل خيبتنا وفسادنا وجهلنا لازلنا خير امة اخرجت للناس , واننا جميعا نقول نعم لمبارك وجمال وشادي وماما وبابا والاهل والاقارب بالمنوفية والنجوع المجاورة الذين يرسلون بكامل التأييد وأرق التهاني ويطلبون سماع اغنية الحنطور
تمرين رقم 3 ... خذ نفسا عميقا وتهيأ للنزال ... اهنئك ... بامكانك الان الانضمام لقطيع الفيلة
وبعد ... لم يعد امامنا الا التصفيق , لأن لعبة الساحر قد تمت ببراعة

_____________________
فقط عندما تجد نملة يائسة تعتلي ظهر كبير الفيلة وعندما تسمح صيحة بلهاء تردد في عجز مزري (اخنقه يافوزي) ... اعلم انك تقرأ هذا البوست

_____________________
اعتذار مكرر من شخص مكسوف
اسف جدا على التأخير المبالغ فيه تلك المرة ... واسف اكثر على حكاية عدم الرد على التعليقات ... سيحاول فوزي الانتظام والرد في القريب العاجل

Friday, June 29, 2007

مطرقة العاهرات

الشيطان يكره الصابون
_________________________
ماجدوى النظافة في بيت يعشق الهباب؟
خاطر يومي غير مميز دار في رأس الممرضة سناء وهي تدخل غرفة ولديها قبل البدء بطقوس الايقاظ الخفيفة ... منظر الغرفة بكتل الملابس المتناثرة ارضا والأقمشة الخارجة كالأمعاء من بطن الدولاب يثير الغيظ , وأكيد هناك أعقاب سجائر زوجها ملقاة أرضا بالكنيف المدعو صالونا
ليه تطّفي في طفاية لما ممكن تطّفي ع الأرض؟
دقائق وتحولت طقوس الايقاظ الى عملية ارهابية مفزعة حافلة بالسباب والشلاليت ... قوموا يازبالين
لازال أمامها نصف ساعة قبل اعداد الافطار والسندوتشات وتفحص الثلاجة أملا في غداء متوسط المستوى ... تقطع نفس المشوار وتركب نفس المواصلة للمستشفى وتمضي في دفتر الحضور , وتتلقى توبيخا من رئيسة التمريض لأمر خائب , تتفحص الاّلات بالتعقيم , وتتشاجر كالعادة مع (ف . ف) عاهرة الطالبية .. البكر الرشيد رغم كل شيء لأنها تتحرش بأطباء الامتياز العذارى
وبتحب ايه بالضبط في هيفاء وهبي ؟
معظمها .. صوتها حلو الصراحة
صوتها!! (بنغمة خبيثة) شكلك هاتتعب معانا أوي
تشخط سناء في (ف) الجالسة ببجاحة أمام الطبيب ذو الوجه المحمر وتكرشها بصرامة من الاستقبال ... لهذا تنتعش الرذيلة وتتورد وينمو لها اجنحة لتحلق فوق رؤوس العباد , لأن الذين ينهارون بسرعة أمام اللحظ الفتان والقد الواعد المنبعج قد صاروا متوفرين بغزارة
__________________________
الشيطان له لحية
__________________________
يضحك الدكتور (ع) ويقول كلمة مازحة عن الشيخ سناء التي تجز أعناق الخطيئة ... الحقيقة أن كلمة الشيخ متسقة أكثر مع (ع) بذقنه العظيمة وعلامة الصلاة المستقرة بوقار على الجبهة كأنما تستند على شنبر نظارته الأسود السميك ... رائحة البخور والمسابح والمسك الأصلي تفوح منه باسترار بغض النظر عن عينيه الذئبيتين المنهكتين ولسانه السليط المحترف والحكايات الأسطورية التي يتناقلونها همسا في اقسام المستشفى اّخرها قدرته على تخصيب النساء بمجرد اللمس ... يقولون أنه اطلق اللحية ارضاءا لأهله تماما كما أصبح طبيبا ... ولهذا سيتزوج من قريبته المؤدبة المطلقة ذات العيال , ربما من العدل أن تكون له حياة سرية عربيدة ... لاضير مادام يحافظ على الصلاة والصلاة الوسطى ويصل الأرحام ويطيع الكلام
__________________________
الشيطان لايقرأ صحف المعارضة
__________________________

لازال الفناء الخلفي خاويا ويتحول بنجاح الى مقبرة لفضلات المطبخ ... المدير اللين المذعور دوما لايملك سوى توعد العمال وتجميل مدخل المستشفى بالرخام والخضرة والوجه العفش لرجال الأمن الصارمين المصابين بالضمور والضغط ... كله تمام , التنظيف مستمرعندما يأتي تفتيش الوزارة ... الأخصائيين في الاستقبال بالبالطو يبتسمون للزائرين بود ويرفعون ايديهم بشعار مطاعم كنتاكي (ايحاءا برقي الخدمة) ... جهاز رسم القلب الأخرس صار يعمل بكفاءة مفاجئة ... وسناء صارت عاجزة عن الحصول على اجازة لأن التفتيش يتزايد وحالة الطواريء لازالت قائمة ... المستشفى تلمع وان عانت من نقص في المحاليل والقفازات وابر الخياطة الحقيرة ناقلة العدوى والفناء الخلفي المغري بمزيد من القذارة , لكن توفير هذه الكماليات يأتي في المقام الأخير لمدير يهاب المفتشين الغلاظ الباحثين بنهم عن فضلات ملقاة أو عنكبوت في الزوايا أو مصباح تالف الحال , سيظل يقبل الأيادي الكريمة التي لاتمتد للأدراج المغلقة والعهدة المنسية والفناء المهمل
ربما تكون مشكلة المدير أنه لايريد حقا رؤية الفناء الخلفي
___________________________
الشيطان يأكل اللحم الميت
___________________________

ولابأس من الأحاديث الجانبية مع زميلات العمل الثرثارات بشكاوي لاتنتهي من المدير والمرضى والعيال واللطخ المقيم بالمنزل ... كتل مركبة من التعاسة ترتدي البياض وتشخط في الناس بعصبية طوال اليوم ... هناك شيء يتحطم يوميا في تلك النفوس ... تموت الأحلام عادة بعد سن الثلاثين ولايبقى سوى أشباح باهتة من كلمات جميلة ومشاعر دافئة ... منذ متى صاروا يقبلون واقعهم المزري ؟, أزواجهم اللامبالين غزيري العرق .. عيالهم الجاحدين كثيري الشكوى والبرابير ... عملهم الكئيب ومديرهم العويل ويد دكتور (ع) السافلة التي لاترحم ... ماأمتع جلسات النميمة الحافلة بالكلم الماجن والضحك الخبيث!! ... ضحك كالبكاء , لكنه كفيل بأن ينزوي الرجال والمرضى والمسئوليات الى أبعد زوايا المخ ... مالايقتلني يزيدني قوة ... لم تكن سناء مثقفة ولم تكن تقرأ سوى صفحة الحوادث وخاصة الحوادث ذات الصبغة الجنسية ... لكنها تدرك معنى هذه الجملة وتستشعرها تماما ... كل التنازلات التي قدمتها على حساب طموحاتها وأحلامها ... قدمتها بطريقة تدريجية كفتاة محترفة تتخلى عن ملابسها في ناد للتعري ... لكن أحدا لم يصفق مستحسنا تلك التنازلات .. بدا كانه أمر عادي .. طبائع الأشياء ... لست مميزة في شيء ... لست بطلة هذا الفيلم ... انت واحدة ككثيرات ... تعلمي كيف تعيشين اذا .... تعلمي كيف لاتنتظرين الرحمة لأنك لم تعودي تملكين قلبا يمنحها ... عندما كانت فتاة خجول تهاب الرجال وتسمع لعبد الحليم وتشبع عواطفها البكر في احتضان ابناء أختها الرضع وتحلم في الشرفة وهي تعبث بأطراف شعرها ... كيف صارت الدنيا هكذا ؟... تزوجت وأنجبت وقد مرت أجمل لحظات حياتها دون أن تثير الانتباه ... لقد سرقت الفتاة حتما ... سرقت .. مثلها كباقي المغفلين الذين استسلموا لحياتهم وظلوا يمارسون الحكمة على الاّخرين ... حكمة غبية لأنها بأثر رجعي ... غبية لأنها تمنح الاّخرين الحق في ممارسة سلطات أخلاقية عليها , علهم يشعرون بأنهم افضل ... 0
هناك شخص افتراضي تحمّله سناء دوما تبعات خيبة املها المزمنة ... الشخص الوهمي الذي تنظر له بغل ونقمة لتقول له بكبرياء غاضبة ... شكرا ... شكرا لأنك جعلتني اقوى
_____________________________
الشيطان يرتدي بذلة رسمية
_____________________________

يوما ما ... اتت عربة الاسعاف الشائخة لتلقي بفتاة منهكة الوعي مع رجل شرطة ضخم الشارب ليلقي بها في اشمئزاز على سرير الاستقبال ... الفاظ مختلطة سمعتها سناء من الشرطي وهي تجري بغير حماس لتركيب الكانيولا والمحاليل ... الفاظ من عينة ( محضر سكر ... عربة مسرعة ... محاولة اعتداء ... شباب وسخ) ... لم تسعفها العبارات بصنع جملة مفيدة تخرج منها بضحية وجاني ... لكنها استسلمت لأوامر دكتور (ع) وهو يتحسس الضحية التي تقيأت على معطفه
اخص الله يقرفك
يهرع لغسل معطفه المنكوب ليعلق الشرطي مطفئا سيجارته
اشربوا (خرا) وادلقوه هنا بقة
اشار (ع) متسائلا لملابسها الممزقة التي تشي باعتداء عنيف ليجيبه الشرطي في شماتة
تستاهل ... دي مومس اصلها
تفيق الضحية لتقاوم يد سناء فجاة قائلة
أوعي ... سيبيني أموت
انتي هاتعيشيهم عليا..؟
قالتها سناء وقد استسلمت لانطباع انها تعامل عاهرة مخضرمة فضحها الخمر والطريق ... لطمت يدها بقسوة وقامت بسحب عينة دماء لاتمام محضر السكر غير عابئة بألمها ... انها تعامل نسخة اخرى من (ف .ف) اللعينة ليس الا
لكن شيئا ما في عينيها الدامعتين كسر ثقة سناء المتربصة .. لم تكن قد رأت اثما يبكي من قبل ... ان الاثمين الذين يملئون عالمها لايعرفون الألم ... لا يتمنون الموت السريع ... يجيدون وضع المساحيق , ويلقون بسجائرهم في الصالون , ويخافون الناس المهمين , ويعرفون كيف يغسلون معاطفهم البيضاء من قيء الاخرين ... لذا تراهم دوما في ابهى صورهم عندما يتحدثون في ثقة عن دنس البشرية
حرام عليكي ..... 0
تعرف سناء تماما دموع الضحايا المخذولين ... تلك الدموع التي طالما سكبتها على وسادتها في ليالي الاحباط والهزيمة الابدية .... ومرارة العلقم في حلقها المستعصية على البلع .... واحساس العجز المهين عندما تتساءل في مرارة عن رصاصة الرحمة
لكن عقلية سناء - رغم كل شيء - تأبى الا القولبة .... ان الناس قد خلقوا مسبقا في قوالب ثابتة قابلة للتكرار ... لذا تنفع معهم الاحكام الجاهزة , والمصادرة الفورية ... مالنا ووجع القلب في فهم البشر ... كل بهمه مشغول ذاهل
انتي ليه بتزعقيلي؟
قالتها الضحية بانكسار الاطفال وقد بدأت تستكين لوضعيتها الجديدة , تجاهلتها سناء وهي تحمل عينة الدماء منادية العامل الاعور المكوم في ركن الاستقبال لايصالها للمعمل
احساس مفاجيء بالقرف ينتابها .... مالفارق الحيوي المهم بين الضحية الراقدة أمامها والعشرات الذين تقابلهم يوميا منذ تغادر منزلها حتى تعود ؟ .... الفارق الضخم الذي يجعل مديرها المذعور يتعاظم , و(ع) يزداد سفالة , وزميلاتها الكئيبات يزددن نهما لأعراض الناس وعوراتهم ... ربما أن الاخرين اكثر هندمة ونظافة .. اكثر قدرة على السيطرة وأسرع في احتلال مقاعد القضاة والجلادين
الكراسي بأسبقية الحجز ... الكمية محدودة
العامل الأعور يمد يده القذرة لاحتضان السرنجة ... والشرطي الغليظ يشعل سيجارته الرابعة ليتابع
مش هانخلص النهاردة ولا ايه؟
الغدا لسة ماجهزش ... عندك 5 أيام جزا ... عملها المحروس بسلامته وغرق الصالة ... ماتقعدي جنبنا هنا ياشيخة منورانا والله ....سمعتوا اخر الفضايح ...يلا يابنت الصايعة
السرنجة يامس
انا مابخافش غير من ربنا ... وماحدش بيملي عليا قراراتي .... قومي ياولية افتحي الباب ... التفتيش جه ... كل دي سجاير مرمية في الصالون ... اديها مسكّن ياسوسو ... عندك نوبتجية أول يوم العيد
هية الأبلة تنحت كدة ليه؟
العيال اتخمدوا؟ , طب ماتيجي .... الفتلة قصيرة قوي ,عاجبك كدة ؟, الغرزة فكت ... اعملكوا ايه مافيش فلوس في المستشفى .... مش عارفة ليه بيقولوا علينا (ش...)؟.... عايزين ناكل عيش , ان شالله من الزبالة
ايه ياسوسو , هانقضي الليلة كلها في عينة؟

لاشعوريا ... وجدت نفسها تضغط مكبس المحقن الموجه ناحية الشرطي لتندفع قطرات حمراء في شلال سريع منمنم في الوجه الغليظ الذي صاح

يامس (....)

شرع يلعن بوجه محمر ويمسح الدماء مرتبكا وهو يقول كلاما كثيرا عن النجاسة والايدز والبلاء الازرق المستكين في دماء اولاد الشوارع والساقطات ..... بدأت الفوبيا تتمكن منه وهو يجري ناحية جركن (البتدين) ويصيح

عقموني .... عقموني ياكفرة ياولاد الكلب

كان مظهره مضحكا ووجهه يتحول بفضل التعقيم الى اللون البني قبل ان يهرع لحوض قريب متحسسا الجدار ليذيب بقايا السائل المعقم اللزج بالماء المتدفق من الصنبور .... كان يحك وجهه بجنون بينما ينظر للضحية وسناء موزعا السباب بالعدل بينهما .... 0

لو عايز تتطمن ... اسحب لك عينة

مستسلما كطفل سلمها ذراعه... كانت بقايا السباب تتحول تدريجيا الى همهمات غير واضحة المعالم ....اعماه الرعب عن ابسط الحقائق وقواعد المنطق.. صحيح ان احدهم لم يذهب يوما لتحليل الفيروسات بعد منتصف الليل الى المعمل الذي ظل مقتصرا على البحث عن الكحوليات لمحاضر السكر(دعك من سخافة الفكرة ان تبحث عن الفيروسات في نفس اللحظة التي حدث بها الاحتكاك المتوقع مع الدم) ... لكن سناء لأول مرة تجد امامها الضحية وجلادها يجلسان في استسلام بانتظار عينة الادانة ... المظهر الذي لم تتخيله سناء يوما

تطفو الاتهامات الجاهزة لدينا بالعهر والدنس على السطح عندما تتطابق الصورة الانية مع تلك المخزنة سلفا بعقولنا لنخرج بتلك النتيجة المريحة للاذهان

ان (ف.ف) قد عادت من جديد
ربما كان على سناء ان تستوعب قليلا هذا الدرس

قد تبدو الفروق احيانا واهية بين الضحية والجلاد ...0

مجرد اسبقية في احتلال المقاعد ... ليس الا

_________________________

من كان منكم بلا خطيئة .... فليسحب العينة

Thursday, May 31, 2007

البوست البمبي

سمي البوست البمبي بالبوست البمبي ... ربما رغبة في الخروج عن مسيرة الكابة واليأس والاحباط التي يشكو منها زوار المدونة ( بغض النظر عن كون الأمور هكذا فعلا , لكن دعونا نفتح الشبابيك قليلا) 0
______________________
بعيدا عن الطب والدكترة
ملحوظة قديمة وجدتها في احد التعليقات ... هل هذه المدونة للدكاترة فقط؟
ربما على اعتبار ان اغلب الموضوعات يغلب عليها جو البلاطي البيضاء والدم والبنج .... الخ .... لكن اعتقد ان تدوينات اخرى سابقة للعبد لله ترد على ها التساؤل بالنفي ... لكن, لنكن واقعيين ... عندما يكون روتينك اليومي جو مستشفيات وبتدين وصراخ وكانيولات ومرضى مذعورين متشككين ... اعتقد انه الجو الذي يسيطر عليك ويدفعك للكتابة من خلاله ... ربما لو كان المرء بحارا أو قاتل محترف , لتغيرت الامور كثيرا
شكر وتقدير
عرفت من البعض ان شخصا ما يقوم بالدعاية لهذه المدونة .. ويقوم بارسال الايميلات المصحوبة بلينك المدونة لكثيرين ... ايا كان هذا المعلن المجهول , له كل الشكر ... لاأعرف هويته اذا كان انونيموس او احد الاخوة الهاربين من التربة ... انما شكرا جزيلا واتمنى ان اظل في نظره شخصا يستحق ان تضيّع بعضا من وقتك لقراءة مايكتب
هل انا الوحيد الذي يشكو من الروتين؟ اذا كنت تعاني من نفس المرض فبادر بوضع مقترحاتك في صندوق الشكاوي
يقتلني ان اقضي الوقت في محاولات بائسة لقتل الوقت .. للوصول الى مرحلة (الساعة التاسعة صباحا .... فلننتظر ان تصبح الواحدة بعد منتصف الليل) .... ويصبح الامر كله مجموعة حلقات مفرغة تدور داخلها .. تقرأ الجريدة ... تبحث في التلفزيون عن فيلم عبيط لاتدري لم يجذبك ... تدخل لفضاء النت وتقوم بتحميل المزيد من حلقات (بريزون بريك) .. ويصبح الانجاز الاعظم في حياتك ان تصل للحلقة الاخيرة قبل ان تبحث عن شيء اخر تقوم بتحميله .... البحث عن صديق تجلس معه على المقهى وتجترون نفس الاحزان وتكررون نفس النكات , ثم تنتهي فترة الهدنة الصغيرة وتدخل الى ماكينة العمل المتوحشة ذات التروس والبزابيز ... توتر ووصراعات واحاسيس متتابعة من النجاح احيانا والفشل احيانا اخرى ... ثم فترة راحة ... ثم اقتحام الماكينة مرة اخرى ... اجازة العيد ... عمل وتروس وبزابيز من جديد ... صديق لم تره من فترة يقتحم الاحداث ... المزيد من التروس ... اجازة رأس السنة .. تروس وبزابيز ... ..و...و...و
ياللهول ... اي ماساة نحياها؟
ماحدش يفهمني غلط ... انا لاأكتئب الان .... ليس هذا لونا اسود ... لنعتبره كوكتيل الوان محايد ... لنعتبره تناسق كامتزاج اللونين الازرق والاصفر ... هذا المزيج الذي يفهمه عشاق الاسماعيلي والبرازيل والتابعي الدمياطي
لاتخش شيئا .... لن اكتئب ... لن اكتئب ... سأتساءل فقط - بينما اشكو من الروتين - عن ذاك الركن الغامض من العقل ... الذي يقف فيه كاظم الساهر , ورأفت الهجان والهلف الذي ضربك في اولى ثانوي ... يتصارعون جميعا من اجل الفوز بفتاة احلامك ... ترى الى ايهم ستنجذبهم امّورتك الغالية؟
ستضحك بالطبع عندما تدرك انك لست طرفا في الصراع ... انت مجرد متفرج .. هنيئا لرأفت وكاظم وكل هلف شجاع اخذ حياته بالدراع العظيمة المشعرة .... وهنيئا لنا التابعي الدمياطي

اتعرف؟ ... مهم جدا ان تغير روتين حياتك وحتى كتابتك لمجرد ان تشعر بالتوازن ... امر طبيعي ان اتصرف احيانا على عكس طبيعتي , ربمالأن الفضول سيقتلني لو لم اعرف كي سأبدو من الخارج لو كنت سعيدا أو متفائلا أو راغبا في الحياة (حتى في غياب الدوافع لتلك الاشياء) ... عادي .. احساسك بالفراغ الذي يستقر داخلك بعد نوبة الم عاصفة سيدفعك لأشياء لن تصدقها .. كأن تذهب من ارض اللواء الى التحرير سيرا على الأقدام , أو تدخل لمشاهدة قراصنة الكاريبي بجزئه الثالث مع علمك المسبق بأنك ستنام داخل القاعة من فرط الاجهاد , أو تلتهم خمس شطائر من التابعي الدمياطي دون خوف من( الام مابعد الطفاسة) , أو حتى كتابة هذا البوست الذي اشعر انه بلا هدف واضح ... عادي ... الفراغ يصنع المعجزات
ربما تقضي الوقت في مراقبة الزمن ... ماأغرب مايمر بك من تغيرات ؟... تعددت هواجسك وتعقدت مشاكلك , صار القلق ملموسا اسود اللون كدخان السجائر والاسفلت والهباب الذي يغطي افران التابعي الدمياطي ... مشاغلك الدنيوية وعلاقاتك الانسانية ... اشياء تسعى لاكتسابها وأشياء تخشى فقدها.. كلها أمور تحفر دماغك كالشنيور... وتتعجب عندما تتذكر انه منذ عشرين عاما مضت كان هاجسك الاعظم هو أن يموت جريندايزر !!! ترى كيف ستكون الأحوال بعد عشرين عاما أخرى؟
_______________________
ارجوك لاتسيء الظن .. ليس هذا سوادا لكن ... قضيت حياتي في حزن خافت عميق ... واعتقد انني سأموت بجرعة ألم زائدة ... لاعليك ... فقط عندما يحاصرك الاكتئاب , تذكّر تذكّر .... اللون البمبي ...... أو التابعي الدمياطي
_______________________
اعتذار واجب
كان الأحرى بهذا البوست ان يكون اسمه البوست الدمياطي ... حصل خير

Monday, April 30, 2007

RELOADED الابن الضال

دائما وابدا ستظل الامتحانات تذكرني بالمشهد قبل الختامي من فيلم القلب الشجاع عندما يستمر ويليام والاس في العناد ورفض الانصياع لاوامر القاضي المتشفي .... دوما اجدني اتذكر تلقائيا - امام كل ممتحن - عبارة (عذبوه بالمخلعة) في شريط الترجمة بينما يعلو صوت الجماهير في الخلفية مؤيدا ومباركا
_____________________
يقول صلاح مهنئا
بس بركة انك رجعت بالسلامة
اقول له بهدوء ان العودة جعلتني اختزن افكارا ما خاصة بالامتحانات والضغط والنفسي المصاحب لها ... وتجعلني اتساءل مندهشا بعبط الاطفال ... لماذا تسبب الامتحانات كل هذا الفزع بحق السماء؟
_____________________
في هذه الاثناء كان الدكتور (م.م) يقوم بتحضير الامتحانات التعجيزية في معمله الشرير
(مشهد 1 ليل داخلي في معمل مظلم الا من لهب سبرتاية حقيرة على تختة عامرة بصنوف ملونة من محاليل مجهولة الهوية بعضها تنز منه الفقاقيع بشراهة )
صوت كلاب شرسة محبوسة في قفص ما بالمعمل بينما شخص منكوش الشعر يرتدي البالطو يعكف على اضافة بعض الاخلاط الى بعضها البعض مع الغلي المستمر ثم يتناول بالسحاحة قطرات من سائل أحمر مريب ويقوم برشها على ورقة بيضاء خاوية بينما يغني في شرود
خمسة عشر رجلا ماتوا في امتحان تخدير
يقوم بتجفيف الورقة المبللة على لهب السبرتاية ثم يقتطع منها سلخة صغيرة يضعها بركن قفص الكلاب التي سرعان ماانزوت الى الركن المقابل وهي تعوي عواءا اليما مثيرا للشفقة بينما يسقط احدهم في نوبة تشنجات ويزرق لونه على الفور
يظهر الرضا على وجه الدكتور ويقول كلمة ما من نوعية (دي الاسئلة ولا بلاش) ... ثم يضحك ضحكة شريرة ترج ارجاء معمله الشرير يدوي على اثرهما الرعد بدوي اكثر شرا (تأثير درامي ليس الا) قبل ان يعكف على صنع المزيد من الاوراق وهو لازال يردد بنفس النغمة الرتيبة
خمسة عشر رجلا ماتوا في امتحان تخدير
_______________________
قلت لصلاح بينما هو يعبث بمحموله
في اعتقادي ان فزع الامتحانات ناجم عن مجموعة من مفردات حياتنا المؤلمة والمرتبطة بشكل وثيق بسيناريو الامتحان نفسه ... استيقاظك المبكر .... ملابسك الغير مكوية والتي تسارع لارتدائها على عجل بينما الاسهال يمزقك احشاءك (لأنك لم تاخذ وقتك في الحمام ايها العجول) ثم انتظارك للمواصلات (هذه اللعينة تتاخر دوما وتصل بعد فوات الاوان) هاجس انك ستصل متأخرا يلسعك دوما ويبلل يديك وجواربك بعرق التوتر ... وتصل الى زملائك المحتاسين وسط مذكرات واوراق لانهاية لها قبل ان يساق الجميع الى اللجان بتكنيك (يوم الحشر) الذي يجيدون صنعه ... بياناتك واقلامك وضربات قلبك المتزايدة ترج التختة رجا ... ثم ورقة ما كئيبة يخرس على اثرها الجميع ويراقبون الموزع وهو يقترب بالة جز الاعناق (لحظة اعدام وليام والاس على وشك البدء ياجماعة) .... وعندما تستقر الورقة امامك تدرك انها لحظة الحقيقة وانك انما كنت تخوض وتلعب في الايام السابقة
اعتقد ان كل تلك الاشياء المرتبطة بالامتحان هي الشيء المفزع بالموضوع ... وليس الامتحان ذاته
لكنها طقوس لابديل عنها طبعا ... الا اذا قادنا خيالنا المريض الى العالم الوهمي الذي يأتيك فيه الممتحن صبيحة يوم الامتحان وانت على فراشك ليترك لك ورقة صغيرة على الكومدينو ... وعندما تستيقظ براحتك تماما عند الساعة الواحدة ظهرا مثلا تجد الورقة بجوارك تقول
الامتحان على الرخامة في المطبخ بجوار كوب اللبن ياحبيبي
لابد اذا من الذعر والفزع والاسهال بينما احدهم يردد في الخلفية (عذبوه بالمخلعة) ... هكذا تكون الامتحانات
لكنك ( ان اردت الحقيقة) ... يمكنك ان تتوقع ان هذا الفزع والذعر يعود لأمور اخرى اكثر عمقا ... وابعد ما تكون عن الامتحانات نفسها
_______________________
ولماذا تكون الامتحانات واللجان ونظام المراقبة والدرجات المنتظرة واللهاث خلف وهم الشهادات ... لماذا يكون كل ذلك مختلفا عن اي شيء اخر نعيشه في هذا الوطن ؟
_______________________
نسيت ياصلاح انك تعلمت ان تنسى كل ماكنت تعرفه عن البروتوكولات ... تلك التعاليم الغير مرئية والتي صارت تحكم حياتنا , تجري مسرعا ... خوفا من شيء ما مجهول .... لم تترك لنفسك الفرصة يوما ... ان توقف الكادر ... لتتأمل الصورة
_______________________
بروتوكولات حكماء فرعون
البروتوكول الأول ... لستم عظماء لتكونوا مختلفين
كي تؤمن انك كالاخرين تستسلم لمنهج محكم , واسلوب تلقين منذ الصغر ... ان تردد خلف الاستاذ عبارات طويلة لاتفهمها , وتشب على ترديد الاراء المكررة والمناهج المستهلكة ... مرحلة مهمة لنزع المخ والكرامة معا ... احساس بالهوان سيطاردك , ربما تسارع بتفريغه الى من يليك في السلسلة الغذائية .... ربما تتظاهر بالحكمة والفهم وعمق التجربة ... لكنك تؤمن انك كالاخرين الذين يمشون في الطرقات (يأكلون ويشربون ويتناسلون , ويدفعون الضرائب بانتظام ) .. سيعلمك التلقين الطويل أن تكره كل مختلف باعتباره نشازا , لايعزف النغمة الصحيحة التي وجدنا عليها اباؤنا ... ستكره الاخرين لأنهم دوما عملاء , خونة , كفرة , أو في اي تصنيف سيء اخر في جداول الحياة
انت الان ولد شاطر .. يردد باطمئنان خلف الاستاذ نفس العبارات الطويلة التي لازال لايفهمها حقا
البروتوكول الثاني ... محاولة الهروب من شاوشانك دائما تبوء بالفشل ... خليك بالبيت
تستمرون في الايمان المطلق بان الاختلاف عن الاخرين يفسد للود قضايا ... وتتعلمون ان تمشون على الدرب المرسوم ببراعة باحذية اسلافكم ... الان صار الطريق اكثر وضوحا , حتى وان ساروا على نفس العقبات , وتعثّروا في نفس الحفر , وارتكبوا نفس الاخطاء الغبية ... لاتنظر حولك لأن الفلكة بانتظارك ياجابر ... انت لاترى الحارس الذي يمنعك من ان تحيد عن الطريق لكنك تتتخيل كم هو بشع طويل الانياب ... مع الوقت لم تعد تحتاج لمن يبقيك حبيس الاسوار ... انك تقوم بهذا الدور بأمانة من تلقاء نفسك ... انا الان مطمئن عليك ... لقد صار شاوشانك منيعا حصينا بفضل ابائكم الاولين ... انتم اليوم تتممون الاسطورة وستمررونها بعفوية عبقرية الى منتجات نطفكم التعيسة ... اجيالكم القادمة
انا الان مطمئن ياجابر
البروتوكول الثالث ... الكهرباء لاتنقطع عن قفص الموز
مهما تظاهرتم بأنكم اذكياء مثقفون ... لكنم تقعون في الافخاخ الساذجة وتتصرفون بسليقة البهائم العمياء ... سنترك لكم حكمتكم المنتفخة ... وستدخلون بارادتكم قفص القرود ... القفص القديم المعلق بسقفه الموز كالثريا والمحاط باسلاك الكهرباء ... وعندما تلسعكم الكهرباء الصارمة مرارا ... لن ينقذكم من الجوع سوى الفتات الحقير بالارضية .. تعلّموا ان تقتاتوا به .... وعندما يدخل المزيد من القرود .... ستغنيهم حكمتكم المكتسبة عن عناء التجربة ... وسيتعلمون ان يتقاتلون معكم على الفتات تاركين الموز... وربما ينظر احدكم يوما الى الاسلاك بحسرة قبل ان يتساءل ... لماذا لاتنقطع الكهرباء ابدا ؟
نستطيع الان فصل التيار ترشيدا للاستهلاك , مادمتم مؤمنين ان سليمان لم يمت على عصاه بعد
_________________________
قلت لصلاح الشارد
الملاحظ هنا أن النظام يعتمد علينا , ربما بأكثر ممانعتمد نحن عليه
________________________
البروتوكول الرابع ... الابطال وحدهم يصارعون لنيل الحقوق ... حكمة جديرة بالتدريس
نعم ايها السادة المهذبون .... سيصارع المرء منكم كالوحوش لينال (الحد الادنى من الحياة) ... وعندما ينال هذا الحد ستنسيه مباهج الانتصار الحقيقة البديهية الخالدة ... انها حقوقك من البداية ... يفرح المرء منكم لأنه تخطى البواب وقابل المسئول وسارت مصالحه الحيوية بالواسطة المهمة .... هذا السراب سيمتص قواك ... وغضبك المؤقت سريع التبخر سيطفئه المكسب العبيط الذي تتصور انك حققته ... ساعتها لن تفكر في البحث عن المزيد ... انت الان تعيش في افضل العوالم القابلة للتحقيق
لازلتم تعيشون داخل اضيق حلقات الدائرة .... ماحولها هو مجرد (مساحة أمان) نعرف كيف نجعلها مهابة الاختراق
البروتوكول الخامس ...عندما تقومون قومة رجل واحد ... لاتكن ساذجا .... رجل واحد لايصنع شيئا
لأنكم دوما تخافون الاختلاف ... يمكن وضع الامتحانات الصعبة , يمكن فرض الضرائب الباهظة, يمكن تطبيق القرارات الغبية ... لاأحد سيعترض ... ستنظرون لبعضكم البعض حائرين ... شاعرين بالغباء حيال ورقة امتحانكم , واقعكم , دستوركم ... تتمنون لو يقوم واحد تنهضون خلفه بحماس ... ثم تخشى ان تقوم وحدك ... فتخسر كل شيء, بينما يستسلم من حولك ... ويبدأون باجابة الامتحان في استسلام ... ستفعل مثلهم ... وستلتقط اقلامك وتشرع في التسطير ومحاولة غش الاجابات ... وعندما ينتهي الامتحان سيكون امامك وقت كافي لتسب الممتحن مساءا ... على مقهاك المفضل بصحبة رفاقك الخذولين
البروتوكول السادس ... عزبة لكل مواطن
مع الوقت يغدو تحولكم لمسوخ مسألة بديهية .... امنح كل فرد قطعة صغيرة من الكعكة يمارس عليها سلطاته الصغيرة ... امنحه مصنعا , شركة بسيطة , وحدة صحية , مخبزا , مكتبا باحدى مؤسسات الدولة
سيمارس كل كبته وحرمانه من خلال ملعبه الجديد ... ارضه المكتسبة التي اعتاد أن يملك مفاتيحها ... سيمارس مهامه بحماس وهو يستشعر القوة ولذة التحكم ... انت تمنح الخدمات للاخرين , وهم يحتاجون اليك ... الى بعض المال , الى العلاج , الى الخبز , الى المصالح التي تسير بها الحياة ... وانت القيّم على كل هذا ... استمتع وانت تمارس التحكم والاذلال اللذان طالما مارسهما الاخرين عليك في اراضيهم ... لسبب ما , تنسون انكم تحتاجون لبعضكم , لكنكم ايضا تمررون احقادكم وثأركم من فرد لاخر .... انكم تمارسون نفس الدور الذي يمارسه الحكام الطغاة على شعوب جائعة ..... فتتحولون لنسخ صغيرة ممن تكرهون ... وتمارسون سلطتكم من خلال تلك العزبة الصغيرة التي صرتم تملكونها
لاتستطيعون الان ان ترفعوا عيونكم في عين فاسد مختل ... لقد صرتم جميعا اصحاب عزب , طغاة مصغرة, داخل عزبة كبيرة
____________________________
ترى ياصلاح ان الاعتياد والتراكمات التدريجية , تمنعك من الرؤية الصحيحة ... او حتى تجعلك تتجاهل تلك المعلومات وتصاب بحالة من الخنوع والترهل ... كما ترى الحركة تعني أن تزيح طنا هائلا من التأقلم والقاذورات والاخطاء ... اعتدت الا تكون عظيما كي تقوم وحدك بالمهام الجسيمة ... بل ان احساس الضالة يهيمن عليك ... فتظل بانتظار مثل اعلى يزيح عن كاهلك المسئولية وعبء البطولة
صرت تنتظر كثيرا ياصلاح بجوار ورقة الاسئلة ... ولم تجرؤ يوما أن تتساءل ... ماذا سيحدث بحق السماء اذا تركت اللجنة؟
____________________________
مشهد 2 ... نهار داخلي باحدى اللجان ... الطلبة يجلسون في حالة توتر واسهال حادين .. بينما الدكتور (م.م) يردد تعليماته المهمة من خلف المايك
ممنوع استخدام الاقلام الملونة أو الاقلام الجاف ... الاجابة بالقلم الرصاص النصف مل ... لن يتم توزيع اسنان رصاص أو ورقة اجابة اضافية , ممنوع استخدام الممحاة أو الالة الحاسبة أو حتى المسطرة ... ممنوع الكتابة على ورقة الاسئلة ... مدة الامتحان 25 سنة ... ممنوع الخروج قبل الوقت الاصلي ... ممنوع ... ممنوع ... ممنوع ..... 0
توزع ورقة الاسئلة يعقبها حالة صمت تام ونظرات غباء على وجوه الطلبة .. ونظرات سادية غريبة على وجه الدكتور (م.م) ... بينما يردد في سره ... هكذا تكون الامتحانات
ينظر الطلبة لبعضهم ... يمسك احدهم بورقة الاسئلة , ويكورها بيده ملقيا اياها ارضا
يقوم الطلبة مرة واحدة ويطغى صوت المقاعد على صمت الصالة المقدس ويتجهون لباب الخروج ... يصمت (م.م) للحظة في ذهول قبل ان يردد كالمجانين
من سيترك الامتحان ... باق للاعادة , هيه ... انتظروا ... لن ينجح ابدا طالما بقيت بالتدريس ... سيتم تأديبكم بأسوأ الطرق ... اجلسوا ياأغبياء ... ستضيعون ... مستقبلكم ملك يدي الان .... انا رئيس القسم الأعلى ... اغلق الابواب يافرج
جموع الطلبة تتجه نحو الباب ... يمزقون في طريقهم ورقة واحد منهم فضل البقاء والاستسلام للامتحان ... يزيحون فرج عن الطريق ويغادرون اللجنة وبقايا صوت (م.م) تخفت تدريجيا وهو يردد
انا باق على قلوبكم ... باق ولن تنجحوا ابدا
حتى اختفى صوته تماما خلف وقع اقدامهم المتجهة للخارج بينما يردد احدهم
لم يكن سليمان خالدا عندما مات على عصاه
_____________________________
كان صلاح ينظر لي في عته بينما يسيل خيط من اللعاب من ركن فمه .... افاق فجأة عندما اتاه النادل لتقفيل الحساب ... فمد يده في جيبه قبل ان يقول
بس بركة انك بخير

Friday, March 02, 2007

ازياء رسمية

عندما خطوت أولى خطواتي الى عالمكم المخملي الرائع ... لم اكن اعلم أن الدخول بالملابس الرسمية
_____________________
خريف 81
تعرف تماما وقع بكائك المزري بين يد الحضور في غرفة العمليات بعد خروجك بسلام من دفء الرحم ... سائل لزج يحيط بك ويكمم انفاسك قبل أن يرفعك احدهم من ساقيك كالفراخ الهاربة , ويقوم بالضرب على ظهرك (على سبيل الروتين في بعض الاحيان) ... بينما انت تصرخ (انا حي ... وحياة امي حي واتنفس ياأولاد الافاعي) ... ثوان ويقومون بفردك على مصطبة دافئة تحت مصباح عنيف مستفز الانوار ويلعبون في فمك بشفاط قميء مقرف وهم يرددون عبارات التهنئة ويتبادلون الاذان في اذنيك
تذكر بالطبع الملابس الموحدة المشتركة لكل المواليد الجدد ... تلك الملابس الشبيهة بملابس رواد الفضاء والمكونة من قطعة واحدة من منتجات القطن المزدان برسم لأرانب وفئران وردية اللون ... النور مستفز ويد العامل العجوز الخشنة اكثر استفزازا وهي تداعب لحمك الغض البريء بينما يكور هو وجهه في وجهك بتعابير مفزعة يعتبرها هدهدة وملاعبة لطيفة
اين ذهبت تلك الظلمة الامنة الاولى ؟
يعتقد المهنئون المتحمسون - لسبب لاتعلمه - أن لباسك القطني العبيط اكثر دفئا من الظلمة الاولى ... لسبب ما يرون المخاط مقرفا يهابون لمسه ويستعيضون عنه بحلتك القطنية الفريدة ... بحجة انها (ملابس البيبي) ... ربما أن الأمر لايعدو كونه اشمئزازا من لمسك مغلفا بالمخاط
صيف 86
شيء مجهول يدفعك لتفحص شنتطك المدرسية وادواتك الملونة لذيذة الملمس ليلة أول أيامك الدراسية ... تمد يدك متحسسا المريلة الكاروهات الخشنة , ورهبة لذيذة مشبعة ببعض الفضول تدفعك دفعا لتخيل احداث اليوم التالي ... ستكون غندورا ياواد بلباسك الجديد وشنطتك الجلد السوبر المحلاة ببادج عظيم لبطلك المفضل ... الزمزمية ستكون اسطورة وهي معلقة في عنقك ... ستكون رهيبا .. كرحالة عظيم يجوب فناء المدرسة (انس قليلا ان الرحالة العظماء لايقفون في طوابير , ولايحتاجون الى مرشد محترف لحمام المدرسة الرهيب , ولايتصارعون امام الكانتين بهمجية , ولايستطيع مدرس الالعاب اعتصار اذانهم على سبيل التأديب)
كيف تواتيك الجرأة على الحلم ... قبل ان ينمو رصيد خبرتك؟
لكن اياما قليلة في المدرسة كفيلة بجعلك تكره تلك المريلة حتى النخاع ... فهي ولاشك تطمع فيك العيال المتشردين الذين يسارعون بحقد لقذفك بالفلين وعلب الكلة الفارغة ويردد بعضهم في شماتة لامبرر لها من وجهة نظرك ((...) أمك ياكابتن ... (...) أمك ياكابتن) .... ثم ان الشنطة ثقيلة تمنعك من المراوغة والفرار المحنك , وتدفعك دوما للانحناء والتهادي في الطريق قبل ان تتبوأ مقعدك من الفصل الصاخب الملي بالعيال الذين لايقلون اجراما عن قاذفي الكلة الشرسين اياهم ... فتطمئن نفسك الى اضعفهم بنية واطيبهم ملمحا لتجلس بجواره في اخر دكة قبل ان تكتشف مذعورا انه كثير البرابير ,دائم النوم , مهدود الحيل , وربما غبي ايضا ... ورائحة غريبة تفوح منه باستمرار كرائحة الملابس المخزنة في قعر الدولاب لسنين ممزوجة برائحة المربى أو مادة كيميائية اخرى لاتدري طبيعتها
ربما تلك هي رائحة المريلة ... تلك الرائحة التي تعاظمت حتى صارت رائحة للأيام ذاتها .. تلك الايام التي ظللت تكرهها ... ربما لأنك اضطررت لكراهية المريلة والفصل ... والطفل الغبي ذو البرابير ورائحة المربى أو المادة الكريهة مجهولة الهوية
شتاء 95
كثيرون يحدثونك عن طور المراهقة الحرج .. والتغيرات الطارئة المدمرة التي تقلب حياتك راسا على عقب ... صرت مشغولا بشكلك الخارجي بحثا عن علامة الجودة .. الشعر في الوجه , والصوت العميق البجح , والعضلات الفاخرة سريعة النمو ... وتفرح عندما تظهر علامة جديدة , وتقلق عندما تتأخر باقي العلامات ... وقلق يجتاحك وهاجس يشغلك دوما انك ربما لست كالاخرين ... وعما قريب قد تكون مثارا لسخريتهم ونظراتهم المهلكة ... ثم تكتشف ان اختراعا جديدا قد ظهر ليغير وجه العالم اسمه الجنس الاخر .... ذلك الاختراع المدمر الذي يتركك مؤرجحا بين التعلق بأمل , والانسحاب محطما كاسف البال ... ومن ثم تطيل النظر في المراة لاعادة تقييم علامات الجودة السابق ذكرها ... , وتنهمك في الامال والاوهام مرة اخرى ... ثم ينتابك القرف من كل هذا , وتدرك انك بحاجة الى قيمة اعظم تطوف حولها لتغير وجه حياتك ... عندها فقط ستأتيك كل نساء الارض طمعا في نظرة من عينيك المرهقتين بعد رحلة كفاحك الطويلة , وسينحني أمامك العظماء في احترام لأنك فعلت الشيء العظيم الذي لاتعرفه بعد لكنك ستصنعه يوما ولاشك ... وبعد ان تجني ثمرات نضالك يتبقى امامك سنوات قليلة من العمر تخطط لقضائها في التعبد والتأمل ضمانا للجنة
لماذا تولد برغبة جارفة في الحصول على كل شيء؟
كنت تتمنى دوما ان تغير القالب أو (الكافر) الذي يحيطك من الخارج ... ربما لازلت باحثا عن شخص أو مثل اعلى تبغى السير على دربه وقد طعّمته بقليل من سمات بطلك الخارق المحبوب الذي لازلت تحتفظ ببادجه على شنتطتك المدرسية الكئيبة المستقرة في غرفة الكراكيب
خريف 2000
انها خطوتك الأولى الحقيقية الى الحياة ... صرت موظفا مقيدا بسجلات بلادك التعيسة ... وصار هناك مبلغ ما من المال يدخل جيبك شهريا يدعى المرتب .... لم تعد الملابس الروشة والجينز ملائمة لمكان العمل ... والا فانك ستتحول فورا الى وغد مراهق فرفور يدعوه الناس بالكابتن ... تتعلم في تلك الايام ان تخطيء , وأن تحترف الخطأ , وتحترف اخفاءه حتى تسير الامور كما ينصحك (القدامى العارفين) , وتعرف ان ذنوبك القديمة بسيطة , غضة ... كلحمك الابيض البريء يوم مولدك , وان روحك - التي يمكن ان تصفها بالبريئة - تتشرب الفساد والقذارة كالفلتر القديم
متى بالضبط صرت كالاخرين الذين كنت تكرههم؟
وكلما غصت اكثر في مستنقعك الجديد ... كلما دعتك حاجة ملحة الى المزيد من التجمل المعبق بعطر الفضيلة ... وتصير ملابسك اكثر شياكة , وحذائك اشد رونقا ولمعانا , وتحرص كل الحرص على ارتداء ملابس العمل ( البدلة .. الخوذة .. الروب الاسود .. الهدوم الميري .. أو البالطو سواء كنت طبيبا أو جزارا) .. تماما كحرصك على الامضاء بعناية في خانتي الحضور والانصراف في المواعيد الرسمية التي وجدنا عليها اباءنا ( لكن احدا لايسأل عن تلك الفترة المستترة مابين الحضور والانصراف) ... وتفرح للعلاوة , ويحزنك الخصم والجزاء ... وتسب الحرامية النصابين الذين لايراعون الله ويأكلون اموال الموظفين بالباطل , مع ان (ورقك سليم ) وامضاءك يؤكد انك عنيف المجهود في العمل ومناضل حيوي مهم في منشئات الدولة التي - بالتأكيد - تعلمت ان تكرهها وتلعنها وتنتظر علاوتها التي ستصرفها على بدلة جديدة تدعم رونقك المهم
صيف 2009
كما فعل اسلافك تماما ... تبحث عن عروس لأنك تحتاج الى واحدة , وتكلف اقاربك بالبحث عن بنت الحلال , أو تنجذب لفتاة ما رأيتها في فرح قريب لاتعرفه اصلا من اقاربك الكثيرين في تلك الفترة الحيوية المهمة والشهيرة ب (موسم التزاوج عند الانسان) , وتسأل عن تلك (المزة الحائرة) ... لتعرف انها بلا زوج أو خطيب أو احد يتكلم عنها وتبدو (خد بالك من تبدو دي) على ادب ودين ورقة بابتسامة بريئة تليق بفتاة غير ذات ماضي كما يصور لك خيالك المريض - عفوا - العريض ... وتبدأ المباحثات المبدئية وجلسات الصالون بعلبة جاتوه وابتسامة مهذبة تجاوبها ابتسامة خجول محترفة , وملابس شيك مختلفة تماما عن ملابس العمل ... وتجد انك تتوه في تفاصيل غريبة عن الجهاز والقائمة والشبكة والمؤخر ومصطلحات اخرى غريبة تبتلعها في ادب ...( واللي له عند الكلب حاجة يقول له ياعمي) ... ولحظيا تقفز امام عينيك صورة مريلتك القديمة , وشنطتك المتربة ببادج بطلك الحبيب المفضل التي القيتها في غرفة الكراكيب ... وتكتشف ان مفردات اخرى جديدة ستقتحم عالمك وتغير حياتك للأبد
وتجلس مع خطيبتك بحق قصمة الوسط التي عانيت منها في جلسة الصالون , وتتعرف على كائن جديد , وقد تشعر بالسعادة الحقيقة لأول مرة - واخر مرة برضه - في حياتك , قبل ان يعكر صفو الجو حكاية الفرح والزفة وفستان العروسة الابيض وبدلتك السوداء الكئيبة بنت الكلب ...و تفاصيل اخرى كثيرة تدمر اي لحظة سعادة تجاهد لاقتناصها ... وتعرف ان الامور ليست دوما كما في خيالك ... انها فقط تلك الصورة الجميلة على لوحات الاعلانات ( كالفارق بين شطيرة الهامبرجر الجبارة المرسومة على اللوحة , و تلك المهترئة المستكينة امامك كجثة هامدة في علبة الدليفري)
متى اخر مرة قلت لنفسك .. لم يكن الامر هكذا في الفيلم ؟
لكن الايام تمر سريعا ... وتجد نفسك في ليلتك المفترجة التي ينتظرها المرء طوال عمره وجها لوجه مع (حقائق الحياة) ... وانك مقبل على ضغط عصبي شبيه بالامتحان الذي يثبت جدارتك ... وان المعازيم والزفة وسندوتش الكفتة التي طفحته بالسم الهاري من يد حبيبتك هو الامر الوحيد الذي يمنعك من الصراخ كالعيال (عاوز اروح عند ماما) ... لأن رد فعل عروستك ساعتها لن يختلف كثيرا عن العيال الصيع الذين قذفوك بالكلة في اول ايامك الدراسية
خريف 2052
تترهل انت كما تفعل كل الاشياء التي كانت يوما ما جديدة ... وينمو كرشك ببطء مستفز صعب الملاحظة... وتتأمل امبراطوريتك الصغيرة دون استمتاع حقيقي ... لقد صرت كثير الهموم والعيال ... صرت مفعما بالخطايا بسبب فلترك الذي صار عاجزا عن العمل واعرب عن انتهاء صلاحيته ... لكنك على الاقل صرت ذو سلطة وشخطة مخيفة , وخبرة لايستهان بها في معاملة البشر ... لكن شعرك الابيض يشعرك بالاسف , ويذكرك بالعجوز الكحكوح الذي صرته , والذي يصر الناس دوما على نعته ب(البركة) و (الحاج) ... انها كلمات تثير الغيظ لدرجة الجنون ... لازلت بعد هذا العمر تواقا لمجون الشباب , لكن اّلام المفاصل لاترحم الشيوخ
اين تقع بالضبط تلك النقطة الفاصلة التي تعلن دخولك الى مرحلة جديدة في مشوار عمرك؟
يتركك احباءك يوما بعد يوم , دون ان يعلموك ب (سفرهم الاخير) ... انك تبكي حقا ... تبكي كيوم نزلت مغلفا بالمخاط ... وينسحب الناس تدريجيا من حياتك تاركين اياك للبرد والوحدة ... سمعك يضعف , وكلام الناس الذي تعجز عن سمعه يثير جنونك ... ترى ايتحدثون عن عصاك الخشبية وخطواتك الغلبانة المضحكة؟ ... أم ترى يتهامسون بشأن صلعتك البهية المستورة ببقايا شعرات بيضاء ؟ .. أم انك اصلا لست محورا للحديث لأنك صرت اقل من ان تكون مرئيا؟
وتظل الكابة تطاردك للنهاية ... وتشتاق لأيام مضت , وذكريات لم تخلق الا لتموت كي تدمن البكاء عليها ...و تسأل نفسك عن الحافز الملح الذي يدفعك للنزول الى غرفة الكراكيب المتربة بقبو بيتك ( لو كنت تملك قبوا) ... ويدفعك لتقليب البوم صورك ... تضحك , وتبكي ... تتحسس شنطتك المدرسية وبادج بطلك المفضل .. ميداليات وشهادات تفوق ... فستان زفاف زوجتك المرحومة الذي اصرت على أن يكون غارقا في الترتر ... أوراق مهترئة لمحاولاتك الساذجة القديمة لكتابة الشعر .... برطمان كلة لاتدري مالذي اتى به الى هنا ... صورة قديمة لشخص عزيز مع كلمة رقيقة في بظهر الصورة ... واناس كثيرون تشتاقهم لكنهم لن يلبوا دعوتك , لأنهم لم يعودوا يقدرون .... ويزداد حزنك وألمك .... وتتخيل صراخك الاول في لحظة الميلاد ( لاتذكره طبعا لكنك اكيد من انك فعلت) .... كم كان مفعما بالحياة !!... مالذي يجعل الدنيا تمر امامك قبل ان تلاحظها ؟ ماهو ذاك الحنين الغامض لشيء مجهول لاتدري كنهه لكنك تنتظره طوال حياتك؟
ثم مالذي يجعل عينيك تغلق فجأة ليسقط الالبوم من يديك؟
صيف ما بعام ما
يفترض ان الجو شديد الحرارة ... لكنك لم تعد تشعر بالأمر أو تمنحه الاهمية .... يفترض انك ميت , لكن الناس تأبى ان تجعلك تفارق الدنيا دون لباس اخير يشيعونك به الى مستقرك المؤقت ... تشعر ان ملبسك الجديد ربما يكون اكثر راحة ... وان دفء الارض ... قريب الشبه بظلمة الرحم الامنة التي كنت تفتقدها ... بامكانك الان ان تكف عن الاسئلة الحائرة لتتكيف مع ردائك الجديد
عجبا!! .. انه الملبس الوحيد الذي جاء ملائما لمقاسك من المرة الأولى
_______________________
عندما خطوت اولى خطواتي الى عالمكم المخملي الرائع .... لم اكن اعلم ان الخروج سيكون بتلك السرعة
__________________________
__________________________
تنويه ,أو ملحوظة , أو شيء من هذا القبيل
اعتقد انني سأتغيب لفترة لابأس بها لامتحانات الماجستير اعادها الله علينا وعليكم بالستر والدرجات , ربنا يستر... ادعوا لي

Thursday, February 08, 2007

أن تكون طبيب تخدير

منذ سنين وقفت الى جوار طبيب تخدير محترم ... كان يمسك بمحقنين كتب عليهما اسماء الادوية الموجودة داخلها ... وقبل ان يحقن كان دوما يقول (يارب استرها معايا) .. يومها لم ادر لتلك الجملة التي كان يكررها روتينيا سبب واضح ... اظن انني بدأت افهم السبب هذه الايام
__________________________
أن تكون طبيب تخدير ... يعني انك مقبل على مقامرة ما , أو على فتح بطيخة لاتدري بالضبط محتواها كلما بادرت بتخدير مريض ... وأسوأ مافي الامر ان الكوارث عندما تأتي , لاتكون مصاحبة باجراس الانذار , ولاتتلون الشاشة بالأحمر كما في العاب الكمبيوتر والافلام ... اسوأ مافي المصائب أنها تأتي في هدوء ... وترحل كما اتت ... في صمت جليل
أن تكون طبيب تخدير ... يعني انك مضطر يوميا للكذب على اّلاف العيال قبل العمليات بدعوى لبس الساعة للتصوير (رباط ضاغط لوضع الكانيولا ) ويلا ننفخ البالونة ( استنشاق الغاز المخدر) ... ترى كيف كان شعورك مع عملية الطهارة التي تمت لك بعد خداع وتاّمر من أقرب الناس اليك؟
أن تكون طبيب تخدير .... يعني عجزك المستمر عن التركيز اثناء الصلاة بينما مريض ما في غرفة العمليات تحت تأثير البنج على مقربة منك لايلاحظه غيرك مع احساس مستمر بأن مصيبة ما في الطريق أو ان المريض قد انتقل في صمت الى الرفيق الاعلى , بينما الاخوة الجراحين لازالوا يمزقون الاحشاء وهم يتطلعون الى (الايمدج) / الأشعة بشبق وتوحش
أن تكون طبيب تخدير ... يعني ان علاقتك بمهارات الجراحة وخياطة الجروح التي كنت تعشقها ايام الامتياز قد ولّت ولم يتبق امامك من مهام الجراحة سوى محاولاتك المستميتة لفصل البرتقالة عن قشرتها باستخدام الملعقة البلاستيك العقيمة بعد الفراغ من وجبة عديمة المذاق في مطعم المستشفى
أن تكون طبيب تخدير ... يعني ان عادة سيئة تتكون لديك وهي التطلع باستمرار الى اوردة البشر في محاولة خيالية ملحة لايجاد افضل وريد يصلح لأضخم كانيولا ممكنة ... لي زميل طمع في عروقه شخصيا وقام بتركيب الكانيولا لنفسه لاطفاء نار الرغبة .. طب والله حصلت
أن تكون طبيب تخدير ... يعني أن تبتسم دوما لكل جراح وهو يعطي اللمسات النهائية على خياطة الجرح بينما يقول لك في ثقة (احنا خلصنا يابيه) ... وعندما تتأمل الوقت الطويل الذي قضاه صاحبنا في العملية دون داع سوى الخرق وقلة الخبرة , وتتأمل خياطة الجرح المشوهة , والدماء التي تملأ المكان بعد نزيف عظيم .. يكون ردك التقليدي الجاهز بعد كل هذا (ياباشا تسلم الأيادي) ... مرارا فكرت ان اغير الرد الى (تولع الايادي) ,لكن لا .. لم افعلها بعد
أن تكون طبيب تخدير ... يعني احساسك المستمر بأن كل من يناديك غالبا ليبلغك بكارثة ما خاصة بالتخدير ... تدريجيا صار عندي هاجس ان كل من يكلمني (حتى في الشارع أو لايعرفني اصلا) يقول لي في هدوء (الحق .. عايزين حد تخدير في أوضة 5) ... 0
أن تكون طبيب تخدير ... يعني أن الناس لم يعودوا يقسمون الى فئات حسب اللون أو الجنس أو الدين .. بل حسب لياقتهم للتخدير الى مرضى لايصلح لهم الا البنج الموضعي , ومرضى ينامون كليا بعد محايلات واستعدادات وتحسب للمصائب وخناق محترم مع الجراح , ومرضى في أسوأ حال من عينة (الراجل فيكم ييجي وينيمه) , ومرضى لاتوجد فيهم مشاكل من أي نوع ( والملاحظ ان اغلب مصائب التخدير تأتي من تلك الفئة الاخيرة , ولاتسأل عن السبب) 0
أن تكون طبيب تخدير ... يعني انك مدان قبل أن تبدأ أو تتكلم أو تتعامل مع اي كائن ... يعني أن تستسلم للفكرة الساذجة المكونة لدى الجميع بأنك (ذاك الرجل الذي يقتل المرضى بسبب الجرعة الزائدة) .... يعني أنك مطالب بايجاد أوردة لمريض مستعصي حاول فيه قبلك عشرون ممرضة وثمانية اطباء من تخصصات عديدة بعد أن قضوا على جميع الاوردة بمحاولات غشيمة عرجاء(من باب التجريب وامتحان خبرات أياديهم الطاهرة اللي عايزة قطعها) , والمفروض ان تجد الوريد بنجاح والا فان نظرة غبية ستتكون على الوجوه من عينة (أمال تخدير ايه بقة؟!!)... يعني انك الرجل الذي يحلوا للجميع الكذب عليه واخباره بأن المريض صايم وتحاليله زي الفل ومستعد تماما للعملية , (ربما الى درجة تزوير نتائج التحاليل) ... احد الاخوة البنجاوية سأل مريضا يوما (اّخر مرة أكلت امتى ياحاج؟ ) .. فتلفت الحاج اللئيم يمنة ويسرة متوجسا قبل ان يجيب في خبث ( انا لسة واكل من ساعة , بس والنبي ماتقول لبتوع البنج) ..!!. يبدو ان البعض لابد وأن يحاكم بتهمة الغباء على رأي السادات
أن تكون طبيب تخدير ... يعني انك متيقن من ان احساسك بالام الناس يقل تدريجيا بدءا من جو الرهبة المغلف لغرفة العمليات (بينما هي بالنسبة لك كجو البيت أو اكثر), مرورا بتركيب الكانيولا ( لأنك نسيت احساس ان احدهم يغزك باستمرار مطالبا اياك ان تصبر وتكف عن الدلع ... انها مجرد شكة كشكة الشنيور)... والماسك الاسود الكئيب المعبق ببقايا رائحة الغاز المخدر ( طبعا لأنك اعتدت ان تكون فوق الماسك لا أسفل منه بينما شخص تراه بالمقلوب عند رأسك يأمرك بالهدوء مع اخذ الانفاس العميقة والعد) لن يلومك احد اذا لطمته بغلّ وفررت هاربا من هذا الجحيم
أن تكون طبيب تخدير ... يعني أن وقتا طويلا سيمر قبل التدوينة القادمة لأن الاسبوع القادم حافل بالعديد من النوبتجيات والمفاجئات الغير سارة التي ستحتاج الى وقت قبل اعادة التوازن وممارسة الحياة الطبيعية
________________________
عندما أبدأ في كل مرة ... اسأل نفسي .... هل ستكون هذه هي المرة الأخيرة؟

Sunday, January 21, 2007

شعب الله المختال

انها حكاية اسطورية تتناقلها الأمم ... عن شعوب انقرضت منذ زمان بعيد ... وسجلتها الأجيال في كتاب عملاق مزخرف ... تحت عنوان اساطر الأولين ... التدوينة مجرد مختارات من الكتاب
_____________________
الاهداء
لانهدي هذا الكتاب لأحد ... هو في الأصل لعنة متوارثة ... تلك صفحة لايصح تضمينها هنا
_____________________
الفصل الثالث
صدفة مشقوقة وكثير من الطين
ولايهم القاريء موقعهم الجغرافي ... فهم واسعي الانتشار , واينما يذهبون .. تذهب معهم خيلاءهم المدمرة وغرورهم الاكيد ... لكن المهاجرين منهم لبلاد الاخرين يذوبون في مواطنهم الجديدة .. بعيدا عن قوقعتهم الصغيرة الرطبة... التي يشعرون داخلها دوما انهم مستهدفون ... رغم ان اثرهم في حياة الاخرين , لم يعد قط عظيما
_______________________
الفصل العشرون
سر الجوهرة المقدسة
والملاحظ على هؤلاء الاهالي كراهيتهم المزمنة لكل غريب وافد .... حتى عندما يجتمعون في صلاتهم الاسبوعية فهم دائمي اللعن على الغرباء من خارج البلاد ذات العقائد الاخرى باعتبارهم اعداء كارهين لهم بالمثل ,الملاحظ ايضا هو ذاك الاحساس الطاغي بالتميز, لم يتميزوا قط بجدهم وكدهم , ربما تميزوا بما ورثوه عن ابائهم أو انبيائهم... فعاشوا في وهم الكمال... ربما لهذا يكرهون الاخرين المنقوصين ... وربما لهذا يعتبرون انفسهم من النخبة المختارة حاملة النور والمسك .... ربما يكون الغرور من عيوبهم التي لايمكن - ابدا - ان يروها
____________________
الفصل السابع والتسعون
من قال لاأعلم فقد هرطق
يغلب عليهم كثيرا ... حبهم لتمجيد الفضيلة , حتى وهم يأتون الرذيلة في المساء ... كثيري الكلام والانفعالات الساخنة غير ذات الجدوى ... كثيري الرغبة في المزايدة ... قليلي العلم , ربما لهذا عندما يطغى عليهم الجهل يسارعون الى كتابهم المقدس مضمنين منه عبارات في كل حوار بجدوى وبدون جدوى ... ربما لاخفاء جهلهم العميق بالكثير من الشئون العامة التي يحلو لهم كثرة الحديث فيها بغير علم ولاهدى ولاسلطان ... فالجهل في بلادهم يعد تهمة .. والصمت البليغ احيانا يعد عارا على جبين القوم هناك .... لدرجة انك تجدهم يهذون ويجهلون حتى عندما يستشهدون بكلمات كتابهم المقدس ... لكنهم يعتبرون النوايا الطيبة مبيحة لبعض انواع الهرطقة مادامت قد ارتبطت بذكر الله العظيم والنبي الحبيب
________________________
الفصل الخامس عشر بعد المائة الأولى
طقطقة احجار في سبيل الكيف
وكان كلما ظهر منهم عالم مفوه انقسموا حوله الى لاعنين وساجدين .... وعندما علا صيت احدهم يوما واقترب نفوذه الملموس من حدود السلطان , وصار له اتباع مؤيدين, ومريدين مستمعين ... اشتد الصراع بين ذوي المصالح وذوي المسابح ... حتى وصل الامر الى سلطان البلاد فأمر بنفيه خوفا من لهيب الفتنة على خشب العرش .... وظل المنفي يرسل برسائله الحكيمة من منفاه الى الاهالي المنتظرين والذين كانوا يقومون فورا بتوزيع رسالاته ويرددون كلماته بعيون مغلقة مطمئنة ... كأنما اطمأنوا الى انهم يصنعون الحياة
_____________________
الفصل الثلاثون بعد المائة الثانية
من الذي أكل الجبنة ؟
حريق يجتاح البلاد عندما يحكي الرحالة النشطين الى بلاد الابقار البعيدة عن الفظائع المرسومة على جدران الحدائق العامة والتي تسخر من نبيهم الحبيب .... وانطلق المتحمسين يدعون الى الحرب على المارقين صانعي الجبنة الشهية , واخرون اكتفوا بطلب الاعتذار والندم وكميات ضخمة من الجبن اللذيذ على سبيل التعويض ... في حين دعا السواد الأعظم الى مقاطعة جميع واردات بلاد الأبقار البعيدة حتى يهلك الظالمين من شدة الجوع ... وقد طغت تلك الأصوات على القلة العاقلة المتهمة دوما بالتخاذل ... و مرت ايام طويلة انتشرت خلالها اللافتات المهاجمة حادة النبرة والتي كان لأصحاب البضائع النصيب الأعظم منها , وقد اجاد كثير منهم استغلال تلك اللافتات للاعلان عن بضائعهم البائرة التي راجت بحمد المولى ... ومن ثم اهدروا مكاسبهم العظيمة احتفالا وابتهاجا ... بعد ان حققوا حلمهم العظيم بمقاطعة الجبنة الكافرة
_________________________
الفصل الرابع بعد المائة الثالثة
الشمطاء والشعر الأكرت
ويحكى ايضا عن ثورة عارمة اجتاحت الطريق من مدخل المدينة حتى القصر الحاكم ... بسبب والي اكرت الشعر ارتشف كوب اللبن المستورد ذات صباح غامق , وسب رمزا دينيا مقدسا لدى الاهالي ... يقولون ان السباب لم يتعد حدود قصره المنيف , لكن جارية شمطاء من حريم الأكرت نقلت التصريح العنيف الى حكواتي البلاد المولع بالحواديت والفضائح ... ومن ثم كانت ثورة البلاد العارمة , وقد زادت من حدتها حكايات كان الاهالي يتناقلونها همسا عن شذوذ الوالي الأكرت
يقولون ان القصر نفسه بارك حريق الجماهير الهائجة ... ولأول مرة منذ عهد بعيد .. تتحد الطوائف المتناحرة , والكبراء , والمارقين والكلاب وأولاد الكلاب على امر واحد ... وبدأ الجميع يصيح بجنون ... اعزلوا الأكرت الزنديق
الى هنا ولم تذكر المصادر التاريخية كيف حلت الأزمة ... لكنها - غالبا - اندثرت كالعادة واختفت خلف موجة جديدة من الاحداث والملهيات
_____________________________
انتهى الكتاب بعد هذا الحد باربعين فصلا اخرين... باقي الصفحات مهترئة بفعل العثة .... لم يوضح الكاتب المجهول اين انتهى اثر هؤلاء القوم
اندثروا غالبا ... وذهبوا في زباله التاريخ

Tuesday, December 05, 2006

دعوة للثورة .. بين قوسين , وربنا انا زهقت

هذه التدوينة مافيهاش اي فن ... كتبتها خبط لزق من وحي القرف ... حسيت بالرغبة في الفضفضة
___________________________________
زهقت من التدوينات الطويلة التي اكتبها على مراحل , ربما على مدار اسبوعين حسب الانشغال ثم اسبوع اخر للسنتفة والحنتفة والاخراج والذي منه ... بجد هذه التدوينات ترهقني ... خايف التدوينة تقتصر على مجموعة قصص متعاصة ببعض الواقع الشخصي .... رغبة طارئة في ان اكتب عن نفسي تجتاحني اليوم ... رغم اني قليلا ما افعلها
معلهش اسمحولي اتثاءب واطقطق عمودي الفقري المتمرد .... تككك ... تكتكتك ... طراخ... تمام كدة
زهقت من كثرة الجدال مع الناس ... تصور انه ممتع جدا في بعض الاحيان ان توافق الناس على مفاهيمهم الغلط (من وجهة نظرك على الأقل) ... وتوافق وتوافق , وتظل توافق وتؤيد وتستحلب اليقين المضاد الذي ترفضه في قرارة نفسك لأنك تعبان ومنهك وتتمنى تنهي زجاجة البيبس في تلك الجلسة المنيلة بسلام
زهقت من عادة الاعلام ... الجواني والبراني واللي بالي بالك ... عادة الفرقعة المفاجئة , اللغط الذي يجيدون استثماره , التسخين على النار , ثم ينتهي الموضوع فجأة لأن امرا اخر قد اقتحم الكادر .... نفسي نتجاهل الاعلام تماما لمدة يومين بدون مشاركة أو متابعة ولو من باب العند فيه ... صدقوني , هايموتوا ويقعوا لوحدهم ... وربما ترحل الوجوه الشائخة والأفكار المملة فجأة .. بالجلطة أو بالذبحة ... ونكون قد حققنا انجازا فريدا في حياتنا الكئيبة تلك
زهقت من كلمة اننا شعب متدين بطبعه ... شعب متدين لأنه يلعن الممثلات والراقصات مع انه يتابعهم بنهم على الفضائيات , يكره الملابس العارية لدرجة انه يستمتع بانتزاعها من على الاجساد الحية بحجة انها لمومسات مستباحات, يقدس الشرف والنزاهة والأمانة وقادر باحتراف على اعادة تسمية الرشوة والمحسوبية والتدليس والسفالة الى مسميات جديدة اخف وطأة , يحج ويعتمر في اوقات الفراغ (يمكن هواية) ... ويعز الكيف والممنوع زي نن عينيه .... شعب متدين الأفكار , وسخ التعاملات , قذر التنفيذ
زهقت من جهاز الكمبيوتر الذي لابد يضرب وتعيد انزال الويندوز والتطبيقات الاساساية ... مع العلم بأنك ستعيد نفس الكرّة كمان اسبوعين
زهقت من محاولات فرض الرقابة الذاتية التي احاول بها كبح اغرب الافكار والخواطر التي تردني باستمرار ... مش عارف والله خايف من ايه بالظبط ... ومتى يتحول كل المخزون الاسود بداخلي الى طز عملاقة مربكة ؟
زهقت من تناول اغلب الموضوعات بسخرية .. في التدوين .. في البيت ... في العمل ... في كل الحياة ... مع انه اسلوب ناجح ومفضل ... بفكر اتركه (وغالبا سأفشل) ولو من باب التغيير ياأخي ... ايه دة؟
زهقت من عدم قدرتي على الانتظام في متابعة التدوين والمدونين ( الحبايب منهم , والزوار , والذين اكتشفهم صدفة) ... حفار القبور دة عايز علقة جامدة عشان يتعدل , لكنه غالبا مش هايتعدل لأنه مش بيده حاجة اصلا
زهقت من قالب المدونة الاسود .. وصورة البرفيل الغريبة ... بس خايف اغيرهم مش عارف ليه برضه؟
زهقت من التصريحات , والاخبار , والاعلانات , والأغاتي , وعروض المحمول , والنت البطيء , (والسريع وحياتك) , والأفلام , والكتب ..... و...و..و
اخذ نفسا عميقا .... حد يكبّر في ودني .... وحّد الله في قلبك ياأبو لوزة
انا زهقت من الارهاق ... وارهقت من كتر الزهق .... كنت ناوي اشعل ثورة عامة على الحكم ( ليه نظام البلد مافيهوش نظام فورمات أو زرار ريستارت أو حتى نعمل كويك لود من اخر محاولة عدلة عملناها في حياتنا؟) .... ... ياخسارة , تعبت قبل ماأتكلم عن نفسي , أو أكمل ثورتي ... استراحة قصيرة يمكن بكرة أكون احسن
ولنستكمل الثورة في يوم اخر

Sunday, November 12, 2006

لاأحد ينام في العناية المركزة

لماذا أحب البالطو الأبيض المفتوح؟
لأنه يعطي - كما اعتقد - انطباعا للمحيطين بأنك طبيب محنك مفترس لاوقت لديه للتزرير وممارسة باقي تفاهات المستجدين ... ربما لأني بطبعي اكره غلاة التأنق والحنتفة ... وذاك الهاجس المستمر بأن القميص غير مستقر في البنطال ... وانه غادره الى براح العالم بعد صراع مستمر في المواصلات والطوابير اليومية
سؤال قفز الى ذهني عندما رمقني الاستشاري العظيم بنظرة لائمة على البالطو المفتوح باستهتار كاشفا عن قميص مدلى خارج البنطال الجينز بحرية ... لسان حاله يقول .. ليس هذا بطبيب , انما هو بلطجي مخضرم
اقفل البالطو .... انت دكتور مش عربجي
تعلمت بعد فترة وجيزة من بدء عملي ان اكره العناية المركزة ... احساس داهم بأنه ذاك المكان الذي يقضي به المريض بعض الوقت البائس لينتقل بعد ذلك بنجاح مطلق من العناية المركزة الى العناية الالهية
علل ... يفقد الطبيب مع الوقت حساسيته تجاه الموت ؟
ربما هو مرض التعود ... ان المرضى يأتون ويذهبون ... والناس ستموت بلاتوقف الى يوم الدين ... لم يحتفظ مريض معين بذكرى خاصة تجعله مميزا؟... ويجعل المك عليه ذا معنى ... انما حزنك الاساسي هو حزن المقامر على فرسه الذي خسر السباق ... حزن عملي صلب ووقح الى حد ما ... صدمة العالم في نتائج تجربته الفاشلة التي يعلم ان غيرها ينتظره في اطراف المعمل
اعتقد ان مشاعر الصدمة لدى الموت تختفي بهدوء ... ويحل محلها خبرة ناشفة تسمح بالانقاذ المتجرد من اللوعة البشرية العادية ... وان كنت ارتبك عندما يسألني اهل مريض عن حالته المتردية وعيونهم تنبض بأمل زائف .. أمل قضى عليه تماما انعاش قلبي فاشل أو موت حتمي بجذع المخ ... امل لازال راضخا لدراما تلفزيونية عبيطة
لو الاربعة وعشرين ساعة الجايين عدوا على خير حياته هاتبقى في خطر
ربما جملة من هذا القبيل ... لا .. لاأملك بعد تلك الجرأة لمصارحة ذوي المريض بالوقائع الأليمة ... لا احتمل بكاءهم وصراخهم من خلف باب اقامتي المغلق ... عويلهم اشد وقعا من جثة باردة ملفوفة بملاءة بيضاء صادمة تنتظر في الممر انتهائي من كتابة تقرير الوفاة
انسى قليلا هواجسي عندما يلتهمني الاخصائي ... خلصت المرور ولا لسة ؟ .. يلا نشييت الحالات دي... ؟ طب اكتب انت التقرير دة ... سرير 5 ضغطه لسة عالي ليه ؟ ... مافيش كنبة في الاستراحة ... أمال احنا هاننام فين؟ ... وهو من امتى كنا بنعرف ننام في العناية يابيه؟
يستوقفه السرير السابع ... مالداعي الملح لاحتجاز حالة نزلة شعبية يمكن علاجها منزليا ؟ ... لغط وهمسات بين الاخصائي والتمريض ليعلم ان السرير السابع هو سرير الرجل المهم ... ربما قريب من اقارب المهمّين ... (باعتبار ان كلمة المهمّين كلمة كافية وافية معبرة عن سلطة جارفة تتمتع بحقوق فوق العادة لاتمنح في الاحوال الاخرى كما ورد في عبد المجيد الصحاح) ... بدليل زيارات في غير الأوقات المسموحة والاتصالات الكثيرة والمرور المكثف من اطباء لاتعرفهم لكنهم على مايبدو استشاريين فطاحل على علاقات واسعة بمسئولي اجهزة الدولة الداخلية الحساسة ... يناسبني ان اتجنب هذا السرير تماما ... فاخرين يموتون (وغالبا سيموتون) ... بحاجة الى الوقت الجاد بعيدا عن واحد لايعجبه ان(شخشخة) صدره اثناء الكحة لاتروق لمسمع المدام
اتعلم ؟.. ربما صرت اكره العناية المركزة لأن الأمور لاتسوء فيها الا اذا كنت بحاجة ماسة للنوم
يرن جرس الهاتف ... الاستقبال كالعادة يعلن عن حالة بحاجة للعناية المركزة .... لابد من نزول احدهم ... وبعد عشر دقائق كاملة تقتحم النقالة باب العناية بجلبة متوقعة وصراخ ملتاع يخمده قليلا باب العناية وقد التقى مصراعيه ... هناك بعض الكلفتة المتوقعة ... كأنبوبة حنجرية نزعت من فم المريض بعد تثبيت مهمل وكانيولا مسدودة عقيمة.. ونقص حاد بالمعلومات عن الحالة التي لاتعرف عنها اكثر من كونها حادثة بالطريق السريع ... مع اشتباه بكسر بقاع الجمجمة .. كانت فتاة بالعشرينات لم تخفف الدماء المتجلطة على وجهها من جمال ملامحها
كالعادة ... يتعامل التمريض بسرعة في تمزيق الملابس بالمشرط وتعليق المحاليل وتثبيت اقطاب جهاز رسم القلب ريثما ينتهي الطبيب من تثبيت الأنبوبة الحنجرية وملاحقة المونيتور المتوتر ... هذه المريضة ستحتاج في الغالب لجهاز الصدمات الكهربائية ... امسكت باقطاب الجهاز المشحون وثبتتها على صدر المريضة قبل أن القي بنظرة امل اخيرة على المونيتور ... صحت بالجميع ان يبتعدوا ... وافرغت الشحنة ..... 0
__________________________
البالطو ياعربجي ... 0
صياح مألوف لكنه يأتي من عالم بعيد ... صدمة عنيفة اجتاحتني كأنها تمسك بعضلة قلبي بجنون وتعتصره قبل أن يختفي الوجود ... هل انا أموت ؟ ... افتح عيني لأجدني ممدا بجوار النقالة ... أين ذهب التمريض والأطباء والمسعف الغلبان؟!! ... ماالأمر؟ ..... غرفة العناية نفسها خالية من المرضى الا من فتاة العشرينات الجميلة ونور ازرق خفيف يحيط بالجدران
نهضت ببطء لألقي نظرة على المكان لأجد الفتاة مستلقية وحية كأحسن مايكون ... بملابسها السليمة وبدون اقطاب أواسلاك أو محاليل
اشارت للبالطو المفتوح باسمة وقالت برقة
مش تخلي بالك يادكتور ؟
نظرت للباطو قبل أن افهم .... ان البالطو المفتوح باهمال والمتدلي ليلامس النقالة المعدنية قد استقبل الصدمة الكهربائية التي انتقلت اليه عبر الألياف الصناعية التي تحفل بها خامته الرديئة .... تلك كانت صدمة كهربائية التي كانت تخلع قلبي
صوت عجيب من خارج العالم يصيح
هية المشرحة ناقصة قتلى؟
نظرت للفتاة ولم ارد ... ماموقعنا بالضبط من خريطة الحياة ؟
الباب منين؟
كذا صحت قبل أن ترد هي بصوت باك
ارجوك لاتتركني وحدي ؟ ... انا اخاف اللون الازرق والبرودة وكل الاشياء الداكنة في هذا العالم الجديد .... كم مرة تركت مريضك بعد ان مات ؟ ... اتحسبه لايشعر ؟ .... اتحسبه همد بلا الام أو مخاوف؟ اتحسبهم في نوم ابدي ازرق ... يالقسوتك .... تنتظر مريضك الثاني ولم تبرد دماء الأول بعد .... انهم يلتفون حولك يادكتور ينتظرون يدا دافئة لن تشعر ببرودة عالمهم الصامت .... الم ترهم قبلا؟
لماذا سكتّ ولم اجيب ؟ .... أي هلوسة تلك التي احياها ؟ .... لماذا تركتها هكذا دون كلمة أو لمسة مطمئنة .... أم أنني بالفعل قد احترفت الوفاة؟
تواصل وهي تمد يدها برجاء نحوي
اكنت بحاجة لصدمة كي ترى ؟ ..... ان الشحنة التي مرت عبر قلبينا كانت واحدة ... لقد شعرت للحظة تماما ماشعرت به انا ... هل ستعود مرة اخرى ؟ ... هل ستتركني وحدي في هذا العالم ؟ .... ارجوك .... انا اخاف البرودة
صوت خافت اقرب لباب يفتح ثم يغلق ...التفت حولي لأجد رجل السرير السابع المهم يتلفت حوله في خوف ثم ينظر لي ببعض الرجاء المقنّع ببقايا كبرياء المهمّين المقيتة .... اراه في طرف الغرفة يقبع مستكينا , واتذكر يوم دخل العناية في ضوضاء عظيمة مع حاشية مدججة بالمحمول واللاسلكي
انهم يتركون خلفهم جلبة هائلة مع انهم يدخلون هنا في صمت عجيب
انظر للفتاة ... ربما احترقنا قبل أن تنطفيء شعلتنا و صرنا مع الوقت اشكالا عبيطة جامدة كبقايا الشمع الذائب
يعني خلاص يادكتور .... ؟
خلاص ياماما
كم مرة لطمتني تلك الجملة من أم ملتاعة , أو اخ مفجوع ... يحاول عبثا ان يفهم ان روح العزيز الصاخبة قد انتقلت مع اخر انفاسه الى فضاء العناية .... ربما تشكو الغرفة من الازدحام ... من بقايا ارواح لم نعد نراها ... ولم نعد نستشعر معنى لجملة (البقاء لله) الروتينية التي نتلوها على مسامع المكلومين ...
اقتربت يدها جدا ... أوشكت ان تلمسني وانا شبه مغيب عن العالم .... بدأت اشكال كثيرة تظهر في جو الغرفة , بعضها مألوف ... وبعضها لااذكره .... كانوا يدنون ببطء وعلى وجوههم نظرة امل لم ادر سببها .... لكني عرفت اين اكون .... غرفة مزدحمة بأرواح نسيتها ... نسيتها عندما احترفت روتين الموت والعزاء ... روتين التقارير التي تحرص على كتابتها وتقفيلها بجودة عالية تحميك من المسئولية
خلاص يادكتور
شعرت بصدمة مألوفة ترجني من جديد ... تلك القبضة المميتة التي تهز اعماق روحك ..اخر مارأيته كان ايد ممدودة ووجوه باسمة ... ارتفعت في سماء الغرفة التي بدأت تتحول للاظلام التام ... ثم مشاهد متعاقبة سريعة من سقف ابيض مألوف , وشاشة مونيتور .. وجهاز صدمات , وبقايا سرنجات مبعثرة في الفضاء الداكن ونقطة دم في الخلفية تتضخم تدريجيا لتغطي الموجودات
خلاص ياجماعة ... رجع اهو
بدأت الاضاءة المؤلمة تغزو عيني لأجدني ملقى على سرير بالعناية وطاقم الانقاذ يتنهد براحة والاستشاري العملاق ينظر لي لائما
مبسوط ... ابقى لمّ البالطو ياعربجي
جمل اخرى سريعة لم اميزها متبادلة بينه وبين التمريض ... القي نظرة على الفتاة , وجدت الملاءة البيضاء تحتوي جسدها بالكامل
خلاص ياماما
ربما لم تكن هلوسة كاملة ... لكني ولأول مرة منذ فترة اعلم ان مريضا ما قد يترك لديك ذكرى خاصة ... لم تكن تلك فرس سباق خاسر أو تجربة فاشلة نعبر عنها بحيادية باردة عندما نتكلم عن ( الحالة اللي دخلت) و (الحالة اللي ماتت) و (سرير 7 نفسه مش حلو) 0
بالمناسبة .... لقد مات صاحب السرير السابع المهم ... مات في نفس التوقيت الذي كنت غائبا فيه عن العالم
أنا أخاف البرودة
ربما لم تكن هلوسة حقا
لكني تعلمت الا اكره العناية الى هذا الحد قدر ماأكره برودتها ... واعلم ان اخرين لاأراهم يعانون من برودتها واضاءتها الخافتة نوعا
تعلمت ان احكم غلق النوافذ ... وان احترف الحزن واحترم صراخ البائسين خارج ابواب العناية
تعلمت ألا أكره العناية تماما ... وان كنت الى الان , أعجز عن النوم فيها
تعلمت الا اعطي ظهري لغرفة فقدت فيها مريضا ... وتعلمت ان اردد داخلي ...0
يمكنك اليوم الا تخاف
اغلقوا العيون ... احكموا الملاءة ... وارخوا الستائر
فبامكان المونيتور الان أن يستريح
_________________
ارجوك .... لا تتركني ثانية

Thursday, October 12, 2006

حكايات من مستشفى أبو جهل التعليمي 3

الحلقة الثالثة
جعلوني نائبا
فقرة اعلانية .... احصل على المجموعة الكاملة للمسلسل ... حاليا على أقراص دي في دي .. الحلقات 1 و 2
سئل ابو جهل يوما عن أشد الاسئلة احراجا للطبيب الورور الأمور في مقتبل حياته الوظيفية ...فقال هو سؤاله عن مهنته , لأنه عندما يجيب في خفوت يمزقه سعال الارتباك قائلا دكتور ... يكون السؤال الحتمي القادم هو ... دكتور في ايه؟
انه التخصص ياعزيزي اّرثر ... 0
يحلم الطبيب الخريج (بعد نهاية مرحلة الاحلام الوردية بنيابة في مستشفيات الجامعة ) بنيابة والسلام تحمل هويته الجديدة بعيدا عن تلطيش السادة المفتشين في الأرياف بالوحدات الصحية ... وتمر عليه شهور وأعوام وهو لايزال في مرحلة الممارس العام التي سنصطلح على تسميتها هنا بمرحلة ( حمامة بتاع مصلحة التليفونات) ... لأنه كثير النقمة والزوغان , متلهفا على اعلانات النيابات والزمالة والتعيين لهفة العوانس الكسيحات على العدل , لذا تجده دائم التنطيط داخل أروقة الوزارة بين مكاتب السادة الغير مسئولين , دائم التوتر , تميزه بشنطته السمراء الكئيبة المعلقة على كتفه وذقنه النصف نامية ونظرة الشباب المعقدين نفسيا الحالمين بيوتوبيا لاتجيء ... ويزداد القرف والنقمة وتضمحل علاقته بالطب المحترم المذكور في الكتب أو الوارد في مسلسل اي . ار الشهير ... وبين يوم وليلة تضع عليه وزارة الصحة لاصقا ابيض كتب عليه اسم التخصص الذي سيقضي صاحبنا عمره في سبر اغواره وتعلم فنونه وفك مغالقه ورش دواخله ان أمكن ... كما قلنا سابقا .. تلك هي النيابة يااّرثر ( سنلاحظ أن اّرثر هو المشاهد الوحيد لتلك الحلقة على مايبدو) 0
عندما يتسلم حمامة بتاع مصلحة التليفونات نيابته العزيزة
وقد تكون غير عزيزة اطلاقا ... فقد يلبس نيابة في تخصص لايطيقه , أو مكان لايبغاه ... مش طايقاه يابابا ... لكن بابا الحمش لايرحم الفرافير ... وهنا لايجد حمامة بدا سوى التسليم بالواقع واستلام النيابة عن يد وهم صاغرون ... ويكون ذلك من أول و أهم التنازلات التي يقدمها في حياته العملية والتي ستتلوها تنازلات اخرى مخيفة في المستقبل ... وتصبح تلك أول قطعة ملابس يخلعها مترددا قبل أن يعتاد الاستربتيز الحياتي المعتاد
تجيء ثاني التنازلات عندما يستقبله مدير مقر عمله الجديد بابتسامة طامعة لاشك فيها ونظرة شبق مخيفة في عينيه عندما يجد رقما جديدا يضاف لعمالة المستشفى يمكنه الاضلاع باستقبال الحوادث في المخروبة التي تعاني عجزا رهيبا في أطباء الاستقبال كثيري التزويغ ... وتجده يقبل تلك النوبتجيات في خنوع عجيب ... لاحظ أن مهمة الاستقبال هي عينها مهمته الاثيرة العتيقة في طب الارياف ( وكل تخصص وانت طيب) بعيدا عن أن طب الطواريء يفترض ( أقول يفترض ) أن يكون أمرا محترما كما هو الحال في العالم المتحضر .... ورغم ذلك سيتحمل حمامة في صمت نوبتجيات الاستقبال الباردة مقابل أن يرى ولو للحظة الاخصائي الكبير المهم الذي سيعلمه أصول الصنعة التي استلم نيابته من أجلها
حكاية الطبيب الرابض والاخصائي المختفي
والاخصائي عزيزي اّرثر هو ذلك الرجل الغامض الحاصل على درجة الماجستير في تخصصه بعد أن أدى فترة نيابته وقام بتسجيل الدراسات العليا ... انه الرجل المهم الذي يأتي (أو لايأتي) اياما معلومة في الاسبوع .. وتتقدم به الأيام حتى يرد الى أرذل العمر ليكون استشاريا نعسانا عظيم الكرش ... 0
يكتشف النائب الغلبان أن مرحلة التعليم قد انتهت منذ زمن , وان سبيلك الوحيد للتقدم المهني على مسئوليتك الشخصية ... تعلم العلم واقرأ ... وعندما يحين موعد التسجيل ترتد مرة اخرى الى طور الشرنقة للالمام بالمحتوى الأكادمي لتخصصك ... دون احتكاك عملي حقيقي بالمرضى تحت اشراف الخبير ... ودون كلمة نافعة من الاخصائي الخطير (والذي مر بنفس اطوار التحول ونال شهادته العليا دون توظيف حقيقي لها , ودون تطبيق مفيد للمرضى.. انها فقط تلك اللوحة المهمة التي تزين عيادته الخاصة ) .... ويكتشف النائب أنه يتعلم بأسوأ طريقة ممكنة عندما يرتبط الأمر بصحة الانسان .. طريقة .... 0
trial and error
ويتمزق البائس بين لوم الضمير , ورغبته الحقيقة في التعلم , والكبرياء التي تتعاظم لتبرر أخطاءه الفادحة امام الجميع (وهو تقريبا الأمر الوحيد الذي يتعلمه من الاخصائي المتعجرف الجريء) فالطبيب منزه ولايمكن أن يخطيء , خاصة امام أهالي المرضى المتربصين , وهذا هو الدرع الوحيد الذي يحميك من شكهم , ومطاويهم , وسبابهم الحانق الرنان ... وتجد نفسك قد احترفت الجرأة واللسان الطويل ... وعندما يتساءل الجميع حولك عن انحدار مستوى الصحة , وعن حريق المسارح , وعن العبارات الغارقة , وعن القطارات الشاردة , وعن الانة في الفودافون .. تنسى أن الأمور تتدهور عندما نتوقف عن ملاحظتها , وتتوقف عن الملاحظة عندما تصدق المبررات التي اعتدت تلاوتها على الاخرين ... مسألة اقتناع داخلي ليس الا ... الا ترى؟!!! .. انك تتحول بنجاح الى الاخصائي المختفي الذي يبحث عنه الجميع
لكن لاتبك يااّرثر فلايزال هناك دوما ابوابا خلفية للهروب
الزائر ... والعدوى ... وفرعون الذي طغى
ولكي ينقذ حمامة مايمكن انقاذه , يسعى خلال فترة تسجيله للدراسات العليا الى الحصول على فترة كطبيب زائر بمستشفيات الجامعة ( أي يحصل على نيابة بالجامعة يدفع من أجلها وطبعا دون الحصول على راتب ) ... فالجامعة هي المكان الوحيد الذي يتعلم فيه النواب بالجزمة ... دعك من مزايا النائب الزائر المحتك بالاساتذة المشرفين على امتحاناته ورسالته , فيصير وجهه مألوفا لديهم ... سيحصل حمامة بالمال على فرصته الكاملة في التعلم ونيل الشهادة الكبيرة التي طالما دعت له والدته الحاجّة لنيلها
يحتك حمامة داخل أروقة الجامعة بالنائب الكبير (أو النائب السنيور بلغة الدكاترة) ... ويصبح حمامة هنا نائبا جنيور (بنفس اللغة البائسة) ... أي مرمطون القسم المنحني للجميع ... كله يهون في سبيل الشهادة الكبيرة... مباشرة العيادة الخارجية, تسجيل دخول الحالات , مرور على الأقسام , تعنيف متوسط اللهجة من السنيور ,كتابة التذاكر , مناكفة الممرضات اللبط , ثم نصف ساعة فسحة يقضيها في الحمام للتدخين والعياط , مرور مرة اخرى لأن زيادة الخير خيرين , صراع مع زملائه الجنيور الاخرين على الحالات (وغالبا يخسر هذا الصراع لأنه ليس ابن المكان .. انما هو زائر معفن) , حوار مع دكاترة الامتياز المتطلعين له بانبهار ممتع مؤقت ينسفه النائب السنيور بكلمة غليظة مؤنبة يضحك لها حمامة بعصبية مداريا احراجه المبلل بالعرق , مرور مرة ثالثة لأن زيادة الخير بلا حدود,و...,و... 0
وهنا .. يدخل رئيس القسم الاسطوري ويقتحم الكادر ... يتجمد الزمن مؤقتا وتظهر حروف يابانية أسفل الشاشة كمشهد ظهور الوحش في مسلسل جرندايزر ... ثم تعود الحركة ببطء للرجل المهم المتهادي باستهتار والذي لايرى النواب الأبرياء .. مع أن النواب أحباب الله ... لكنه في القسم , الرجل الأعلى صوتا والأطول لسانا , انه يستمتع باهانة الجميع واحراجهم ... يجلس بمكتبه المكيف ويريح كتلته الهائلة على الكرسي المنتفخ العظيم ويشخط في نائب دخل خلفه يبغي الحصول على اجازة ... ثم يغلق عينيه كأنما يرتاح من رحلة كفاح طويلة .... يتخيل ماضيه الملون بالأبيض والاسود (كناية عن الفلاش باك ) منذ كان طالبا بالكلية يسكن احراش البلاد ويرتدي الملابس الرخيصة التي لاتتغير , يسير كفتاة مراهقة خجول ناظرا للأرض تفاديا للاحراج ... اصوات زملائه ولاد الناس المرتاحين , كلكسات سياراتهم الروشة , ضحكات زميلاته الفاتنات كثيرات الماكياج والعطر تصم اذنيه , يستشعر الضحكات الساخرة موجهة اليه , ويشعر ببرودة عجيبة تجتاحه وألم غامض في كتفه كلما امتلأت نفسه حزنا وأحس بالرثاء لنفسه ... كان يعيش دور الشاب المكافح المنطوي حتى النخاح ... دائم الحضور .. مرهق العينين ... حامل الملخصات والمحاضرات ... تقدمه العلمي ملحوظ ... لكن نقطة سوداء بدأت تنمو على استحياء في قلبه وتتضخم تدريجيا وهو يستشعر المهانة يوميا في نظرات الزملاء ... وعندما تخرج وفاز بوظيفة في الجامعة ... كان قد خرج بعقدة نفسية متوقعة صقلها تعامله مع اساتذته الكبار
المياه اللي مش ولابد .. التي تحدث عنها المرحوم السادات
تعلّم أن نظام الأستاذية والقيادة شبيه بسكان في عمارة واحدة .. يلقي الطابق الأخير بقمامته على الساكن الذي يليه , الذي يقذف قمامته بدوره على التالي له ...وتكون القمامة العظمى من نصيب المقيم بالدور الأرضي الذي يليقها بغل في وجه البواب ... انهم يجيدون تفريغ احقادهم القذرة لمرؤسيهم الذين يعيدون الكرة عندما تسنح لهم الفرصة ... دورة حياة كاملة مستمرة ... سلسة غير قابلة للكسر .... عدوى لاترحم أحدا ... وعندما يعتلي هؤلاء كراسي المناصب الوثيرة .. تتبخر ذكريات المعاناة , ولايتبقى سوى حوصلة سوداء كامنة بالقلب يستمتع باعتصارها في مقره المكيف
لاتحاول تحذير حمامة يااّرثر ... ان حمامة يعرف مكان الفيروس الكامن في تلك النفوس... وينتظر الاصابة به كالقدر ... كالمسيخ الدجال الذي سيظهر بلا شك قبل نهاية العالم , ورغم كل شيء ... ربما يشكل هذا وضعا افضل له من مستشفى أبو جهل التعليمي التي يعمل بها
ان حمامة لم يتغير بعد ... لكن المؤكد انه صار يكره مصلحة التليفونات
نعتذر عن التتر ... والفقرات الاعلانية ... والاذاعات الخارجية ... ونقطع الارسال مؤقتا لحين خروج ارثر من المصحة

Friday, September 01, 2006

النخلتين ... لما توعد

خلاص ... قررت كسر قشرة الروتين والمشاغل ونويت أوفي بالوعد الذي قطعته للعزيزة بعدك على بالي اللي أرسلت تاجا جميلا عن المدونين واللي بيدونوه ... راجعت النص الأصلي للأسئلة من مدونة أحلام ... وهي فكرة جيدة اذا كنا نتساءل عن جدوى التدوين وتعبئة أجولة الكاّبة والاحباط والأفكار العجيبة على أرفف المدونات , وتدريجيا يتحول الأمر الى عادة أو ادمان يقتحم روتينك ويعيد بناء شبكة معارفك وتواصلك مع اّخرين لم تكن تتخيل وجودهم , أو تتعايش معهم كما تفعل مع أصدقائك الموجودين في عالم الواقع
طريقة الأسئلة حسستني زي مايكون بيتعمل معي حوار من عمرو اديب أو محمود سعد أو على الجزيرة ... اسمحولي أتقمص شخصية جناب الكومندا المهم الذي يتناوب عليه المذيعين ... وبسم الله , نفتتح الحلقة
هل أنت راض عن مدونتك شكلا وموضوعا؟ (سؤال مليان تأنيب ومذيع الجزيرة بيقوله وهو مكشر) 0
بصراحة (أعتدل في الجلسة) المدونة مالهاش ذنب ... أنا فعليا غير راضي عن أدائي أنا كمدون ... الأمر الذي يتضمن الانتظام في الكتابة , الاخلاص في المتابعة ... يعني مشكلة ان اكتب بمعدل بطيء نسبيا رغم وجود حوافز كثيرة للكتابة وموضوعات أكثر للمشاركة والعرض , ومشكلة عقدة الذنب التي تنمو عندما تعجز عن استمرار التواصل ومتابعة الاّخرين ... المدونة نفسها أقول ايه عنها بس؟ قالب اسود واسم مهبب .. دة يرضي ربنا بالذمة؟
هل تعلم اسرتك الصغيرة بأمر مدونتك؟
والدتي فقط ... لحسن الحظ أنها لاتعرف سوى ان تفتح جهاز الكمبيوتر عن طريق الضغط على الزر المستدير الضخم في سرة الجهاز فيبدا الزمجرة ... عدم قدرتها على الوصول للمدونة يعطي براحا أكثر في الكتابة ... خصوصا كتابة السطر السابق
هل تجد حرجا في أن تخبر صديقا عن مدونتك ؟ هل تعتبرها أمرا خاصا بك؟ .. اتوترت كدة ليه
(أضحك بعصبية)اجد حرجا في أن أتكلم عن المدونات أساسا .. الناس في الشارع لاتسمع عنها أو تعتبرها مصطلحا جديدا وافدا لايثير الانتباه .. طبعا هي أمر خاص بي ... أرتاح لفكرة ان يقرأ لي اّرائي أناس لايعرفوني اصلا ... لأن معرفة الناس بك تدمر الكثير فيك وتوقعك مسبقا في فخ التنميط والمصادرة (يعني من يقرأ هنا قد تروقه بعض الأمور التي قد يرفضها أو يسخر منها اذا وردت على لساني لمجرد معرفته الشخصية بي ) ... انها الهالة المقدسة لذلك (الشخص الغامض الذي يكتب على النت) .... صديق أو اثنان فقط أعلمتهم بأمر المدونة طمعا في ضمهم لصفوف المدونين
هل تسببت المدونات في تغيير ايجابي لأفكارك ؟ وضح اجابتك بالرسم
استفدت جدا مسألة قبول الاّخرين ... رغم اختلافي مع منهجهم أو اّرائهم ... منهج التعصب والجمود مرفوض لأنه نابع من غرور شخصي واعتداد قد يكون غير مبرر بالنفس .... أغرب الاّراء والمواقف احب سماعها ومحاولة تفهمها دون السعي لانتقاد الاّخرين ورفضهم دوما في محاولة بائسة للاحساس بأني افضل او أنني (أكثر منك مالا وأعز نفرا) .... طبعا تبدا المشاكل عندما أتحاور مع واحد من أصحاب توكيل الحقائق والأخلاق والدين ... بكلامهم الغليظ المليء بصيغة اخرس انت بقى اللعينة .. متهيألي حكاية الرسم دي صعبة شوية
هل تكتفى بفتح صفحات من يعقبون بردود فى مدونتك أم تسعى لاكتشاف المزيد؟
أحاول اكتشف المزيد ... لكن المشكلة كما قلت ... الاستمرار في المتابعة
ماذا يعنى لك عداد الزوار.. هل تهتم بوضعه فى مدونتك؟ (دي أكيد هالة سرحان) 0
في البداية وضعته على سبيل الموضة ... من المفيد أن يشعر الانسان أن معدل التوافد يتزايد ... لكن بعد ذلك نسيته تماما وظل العداد كوحمة بيضاء في ذيل الصفحة
هل حاولت تخيل شكل اصدقائك المدونين؟ اعترف (دة محقق من رعب الدولة شكله كدة) 0
دة أكيد ... لازم لما ييجي اسم لمدون ما (حتى لو مش صديق) أقوم فورا وبدون وعي بوضع معادل بصري للاسم ... ودة مع الوافدين الجدد ... فمن باب اولى أن يكون للأصدقاء طبعا ... وهوة دة اللي حصل بالضبط يافندم ... بس مش عارف أنا موفق في تصوراتي ولا لأ
هل ترى فائدة حقيقية للتدوين؟ .. اشرب العصير الأول (واضح انه قلب على محمود سعد جدا) 0
ر (اطفح العصير على بق واحد)هذا يتوقف على تعريفنا للفائدة ... هل هي منفعة شخصية للفرد (السعادة , التطهر , متعة المشاركة , رغبة أثيرة في الروشنة ) ... أم المنفعة العامة ( تغيير حقيقي للواقع , نشر أفكار ومباديء أو تنمية وعي معين أو تدمير معتقد فاسد , تحقيق اي مطالب شعبية عريضة عن طريق الضغط المستمر ) ... انا متأكد من مسألة المنفعة الفردية ... اما العامة ... فالمشكلة أننا - غالبا - نكلم بعضنا فيما اتفقنا عليه ونعيش لذة اجترار الأمور (يعني برضه قلبت بمنفعة شخصية) لاأقول مافيش فايدة , ولنذهب جميعا الى ترب الغفير ... لكن المحاولة نفسها محترمة ومطلوبة ... خاصة اذا كان نشاط التدوين في مصر يعتبر وليدا نسبيا (رغم مساحة الوعي العجيبة التي يلمسها الانسان من خلاله) 0
هل تشعر أن مجتمع المدونين مجتمع منفصل عن العالم المحيط بك أم متفاعل مع احداثه؟
انا اصلا اعرف الواقع وأتابعه من خلال المدونين وكتاباتهم ... يعني الجرايد ونشرات الأخبار تكون صدى لأمر عرفته هنا أولا ... حتى المدونات التي تبني العالم الافتراضي الجميل الخاص بها , حتى في خضم محاولاتها للهروب .. شديدة الاقتراب من الواقع ... لا .. لاأعتقد أنها منفصلة على الاطلاق
هل يزعجك وجود نقد بمدونتك ؟ أم تشعر انه ظاهرة صحية؟ (عمرو اديب على مايبدو) 0
نفس منهج تقبل الاّخر ...كيف أدعو لشيء وأرفضه اذا مسني ... احترامي لرأي الاّخرين أيا كان أعتبره جزءا أساسيا من احترامي لذاتي ... وهو ظاهرة صحية والا فان البديل الرسمي الصريح للنقد هو التسنيج
هل تخاف من بعض المدونات السياسية وتتحاشاها؟ هل صدمك اعتقال بعض المدونين؟
وليه أخافها؟ ... مسألة الاعتقال متوقعة لأي معارض عموما في بلدنا ... جت على المدونين؟
هل فكرت فى مصير مدونتك حال وفاتك؟
السؤال دة عجبني جدا ... يمكن أكتب قصة أو تدوينة عن هذا الأمر ... بس مافكرتش لسة ..اصلي بفكر في مصيرها وأنا لسة عايش أصلا وشكله مصير مش ولابد
آخر سؤال : تحب تسمع أغنية إيه- بلاش صيغة آمال فهمى دى - ما الاغنية التى تحب وضع اللينك الخاص بها فى مدونتك؟ (لأ بس هية الست اّمال فهمي فعلا ) 0
ماليش في الأغاني الصراحة ... ممكن مقطوعة لوسمحتي ؟ .. ميرسي جدا ... فيه مقطوعة جميلة اتعزفت في نهاية فيلم شفرة دافنشي .. الموسيقى للعبقري (هانز زيمر) ... الراجل دة مفتري عموما ... فيه كذلك تيمة قائمة شندلر للعظيم (جون ويليامز) ... ممكن برضه ... طب خلاص عشان وقت البرنامج
اكتب اسماء خمسة مدونين ليقوموا بهذا الاسقصاء بعدك
طب اجيب خمسة منين دلوقتي؟ ... نشوف وأرجو مايكونش حد من اللي هاقوله يكون عمله
حائر في دنيا الله , اياكش تولع , كلبوزة وسمباتيك , ابيتاف , شغف
يارب مايكسفوني .. نزل التتر يابني

Tuesday, August 08, 2006

سارة .. مانويلا ... المخدرات وصلت مصر


أشهد أن لا اله الا الله ... وأشهد أن محمدا رسول الله
وبعد طول انتظار ... وبعد صبر الأيام وسهر الليالي و حرب اطاليا ... تكرم سماحة القائد الأعلى وزير الصحة باعتماد نتيجة النيابات
الحمد لله
أتتني اخيرا نيابة التخدير المرجوة في القاهرة
وبعد أن تيبست المشاعر واهترأت الأعصاب وسالت الدموع والدماء على بلاط التكليف بالريف العفيف ... لازال بالمرء نفخة روح يمارس بها الحياة بعد أن ظل ممارسا عاما لعام كامل
انتهى عصر اللاهوية ... انتهى زمن البوسكوبان والكورتيجين ... واّلاف العيال الذين (يسترضون) و(يستنطقون) ويشكون من (اّلام بالمحاشم) ... يامحاشم الصدف
وداعا يامستشفى شلهوب العرس (بكسر العين وفتح الراء وضم الساقين) ... انا ذاهب للزحمة وعوادم السيارات وتذكرة المترو أم جنيه
الحمد لله تاني
المخدرات وصلت مصر يابن رشد .... المخدرات في أمان
______________________
لم نمت بعد .... يمكننا أن نبدأ من جديد

Monday, July 31, 2006

مهلبية ... حزب الله ... ردود مؤجلة ... وأشياء أخرى ... resurrection

تتقدم أسرة البلوج (أنا يعني بس باترسم) بخالص الشكر لكل الأخوة الهاربين من التربة (وغير الهاربين برضه) والذين شاركوني يتعليقاتهم ودعمهم في البوست السابق ... لم تتغير الدنيا بعد لكن مشاركتكم كانت كقبلة الحياة في الجسد الغريق ,أصبت بنزلة برد , و جرحت لساني, وجربت تذوق فتة الكوارع ... لكن لازلت حيا ...أحبكم و أحييكم جميعا وأهدي لكم أغنية كاظم الساهر في فيلم العقبة الكئود ..هوة دة ..أيوة دة ... الحب الحقيقي
___________________________
انتي رقيقة قوي ... بتفكريني بمدرب التايكوندو بتاعي (جملة قالها صديقي للفتاة التي يحبها ... الله يرحمه بقى) 0
___________________________
مش لابس البالطو ليه يادكتور ؟ ( قالها واحد معقد نفسيا من بتوع محاكم التفتيش على المستشفيات) 0
___________________________
أنا مش بتاع حلول ... يمكن أكتفي بالفضفضة والدعاء على الخاين وابن الحرام , اعتقد ان نجمع همومنا المشتركة في شوال واحد وندفنها سويا يعطي احساسا بالتطهر وأنك لست وحيدا في نفق مظلم ( ردا على العزيزة تمر حنة في البوست السابق ) 0
___________________________
موقف الحكومات العربية من حزب الله مفهوم وغير مدهش أو صادم ويتفق مع مانعرفه عن حكامنا من شجاعة ودعم وتعريض ... للقفا يعني .... بس أحيانا يكون سكوتهم أفضل .... عزيزي الحاكم .... اذا بليتم , فاستتروا ... وان لم تستح , فاصنع ماشئت
___________________________
وأنا قاعد .... الهوا رمى دي عليا (يمد يده بورقة) 0
دي ورقة جمع تكسب بتاعة الشمعدان
ماهو دة اللي الناس فاهماه
أمال معناها ايه ؟
جمع جنود ... تكسب المعركة
(حوار في عيادة الأمراض النفسية)
___________________________
لويز دي واحد صاحبي ... الله يرحمه ... ماشوفتيش فيلم الناصر صلاح الدين ؟ (ردا على اللي لسة بتتنفس ) 0
___________________________
أمال نتيجة النيابات امتى ؟ (بلهفة مغلفة بالوقار) 0
تعال أول الشهر (بلا مبالاة ) 0
هوة أنا بتاع الزبالة ياولية ؟
(حوار دار بيني وبين موظفة بوزارة الصحة ... طبعا قلت الجملة الأخيرة في سري هوة أنا اتهبلت ؟)
___________________________
بعد العديد من التدوينات اكتشفت اني لاأفهم في تصميم صفحات الويب وعاجز تماما عن وضع لنك صوت كما يفعل باقي خلق الله ... هاتساعدني .. هاتساعدني أروح مكان ممكن يعالجوني فيه؟
___________________________
قلبك جامد ؟ ... أعصابك حديد ...؟ لماذا اذا تنهار أمام صورة الأطفال الخارجين من تحت الأنقاض؟
___________________________
صفقوا أيها الأصدقاء ... لقد انتهت المهزلة ( بيتهوفن ... على فراش الموت ) 0
___________________________
لقد شفيت الاّن تماما (من فيلم ممنوع اسمه البرتقالة الاّلية ) 0

Tuesday, July 11, 2006

وهكذا سقطت لويز

بصراحة ...لاأعرف لم كتبت هذا البوست
____________________________
قال لي صاحبي وهو يحاورني
فيه ايه بالضبط في الدنيا؟ ... عالمي الصغير يتقلص و ينهار ببطء , الناس تتجمد مع الزمن ولايبقى في عيونها سوى نظرات خرساء غير واعية , كل متع الحياة تنتهي كطعم اللبانة المستهلكة فلايبقى منها سوى روتين ميكانيكي ماضغ بلا طعم
ليه اسبوعك القادم أسوأ من السابق؟ ... عملت ايه في سنواتك الماضية الخائبة؟ ... حياتك تمضي ببطء ممل بلا تغيير يذكر ... كأنك تحيا داخل أحداث مسلسل عيلة مرزوق الأبدي الخنيق ... أقعد هنا رايح فين؟ مايولع التليفون ... هو ليس لك على كل حال ... لم يعد أحد يتصل ... يمكن تكون نمرة غلط
اسمك مش موجود يابني
قالها لي مدرس ابتدائي يوما عندما هممت بركوب الأتوبيس المدرسي لبيتنا في أول أيامي الدراسية ... سرت يومها خلف طابور متصل ينتهي عند الأتوبيس ... كنت الوحيد الذي استوقفه المدرس سائلا عن اسمي ... وقال لي تلك الجملة اللعينة بعدما راجع السجل ... اسمك مش موجود ... وعندما كبرت , عرفت ان اسمي غير موجود في سجلات أخرى كثيرة ... سجل المحظوظين , سجل السعادة , سجل الحب , سجل الحياة
لم تفقد تواصلك مع الاّخرين ياممل ياخنقة ؟
العيب فيك طبعا ... لأ .. الدكتور قال أنا سليم وممكن أخلف .. بس أرجوك هات اسبرين للصداع ... مدمرني ... اخر اسبرينة خلصت والله بس انا موصي على علبتين لي ... تعال السبت الجاي ... حتى المسكنات خلصت ... وابراهيم عيسى اتمسك ... وعمرو سليم ساب الدستور ... وعبد الوهاب مطاوع مات من زمان ... ومن تحبها اختفت فجأة دون أن تعرف هي ان بقفا ما أحبها بصدق في صمت أعرج
اذا كان لابد وأن نتألم ... فمن العدل أن نستمتع بألمنا
واضح انك عيان وعندك ماسوشية عالية محترمة ... ومن منا ينكر لذة الألم الحارقة ؟ مرحبا بالأورجازم الجديد ... ووداعا للأحلام والحياة الحلوة وحب الشباب بالمرة ... مع الماسوشيزم المفتري لاداعي للقلق
الرؤية غير واضحة قليلا ... انها دموعك ياأمال ... امسحيها بتلك الخرقة المبللة ودعينا نرقص التويست ثانية ... ألا تعجبك الرقصة؟ ... ياخسارة ..أمال مشلولة وصماء لاتسمع الموسيقى ... وانت اسمك مش موجود معانا ... اتفضل برة ... والله عندك حق .. حتى الواحد ينام بدري لأن عنده شغل بكرة
تنام صريعا كمحموم ... الحياة مظلمة , لكنك في عمق غيبوبتك بدأت ترى هلاوس من عوالم أخرى فيها اناس ظرفاء متفهمين وأطفال نظاف يضحكون ويغنون كالملائكة ..لا ألم ... لا بكاء ... وسيدات رشيقات يتكلمن ببساطة دون عجرفة او خيلاء ... رجال أمن يبتسمون مشجعين ويحيوك في احترام ...لاتوجد سجلات مقرفة هنا , ولاتوجد ضوضاء ... فالصوت الوحيد المسموح به هو موسيقى بيتهوفن بسمفونيته السادسة الريفية ... السجائر ممنوعة ... والمشروبات لذيذة ... والمفارش نظيفة بيضاء كقلب البكر الساذجة ... وعشب أخضر مهذب ... ورجل عجوز يجلس وحيدا في الركن ... لكنه سعيد .. تهرع اليه لتقبل رأسه الطيب فتجده يشبهك جدا ... ربما يكون انت بعد سنين من الاّن ... محمولك يرن باستمرار من اصدقائك المقربين والمبعدين كذلك ... ترفعه لترد فتكتشف انه جرس المنبه وان الصباح قد اتى وانت غارق في الأحلام
لاتبتئس ياصاحبي ... فقط حافظ على عقلك من التشرد وعلى أفكارك من الضياع والانحراف .. وكما قالوا ... الأفكار لها أجنحة ... لأ ... الأفكار مالهاش أجنحة .. أولويز هو اللي له ... ضحك بهستريا ودارت يده باحثة عن الحشيشة الممتازة التي يطّعم بها لياليه الحزينة ... وبدأ يستعير طبقة صوت حسن مصطفى في العيال كبرت ... قوللي ياخويا كلام أهبل من اللي بتقروهم في الكتب ... اكلمك في ماذا ايضا ... الصراع اليومي الممل ... الجدال والزعيق عمال على بطال ... الألفاظ الرديئة والأفكار الغبية ... الحب الفاشل والأعزب الجالس ينتظر نصيبه من الدفء ... صحيح ياأخي ... وكما غنت أصالة في فيلم القلب الشجاع ... عشق الروح مالوش اّخر لكن عشق الجسد واجب
أضاف بعد صمت قليل حكمته المفضلة لهذا اليوم ... الدنيا بسكوتة كبيرة , فتحتها بحثا عن السعادة فوجدت ورقة مكتوب فيها , حظ أوفر المرة القادمة
قم ياجدع ... احلق ذقنك واستحم ... بغض النظر عن ان الذقن ستنمو مرة اخرى والعرق كالقدر لامفر منه ... جبر التكرار ... حاجة تزهّق ... حاسس كما لو كنا ممثلين توزعت علينا الأدوار في مسرحية طويلة مملة ... واستغرقنا في حفظ الأدوار بانتظار المخرج لرسم الحركة ... وظللنا ننتظر وننتظر حتى نسينا مانحن بصدده وصار الدور المسرحي حياة جديدة كاملة ... أنا اكره هذه الرواية ... أنا عايز دور البطل ... لن أكون جوقة بعد اليوم ...احمرت عيناه بفعل الدخان وبدأ يشيح بيديه في جنون ... الدور بتاعي صغير أوي ... بكرر ورا الواد الجان وخلاص ... وواقف مكاني لاأتحرك ... ماحدش هايشوفني ع الخشبة .... بكى وبدأ يتقيأ ... ثم قال غاضبا من بين دموعه ... مابتصفقوش ليه ياولاد الوسخة ... فن دة ولا مش فن ... أم لابد من الأفيشات الضخمة الملطخة بالأسماء الكبيرة الخدّاعة .. فبتم تصدقون اللعبة أيها العمي الصغار ... ؟ ... لو كان كلامي مسبوقا بالاسم الشهير و اللقب الخطير لصفقتم كالقرود ايها المغفلين ولدبجتم المقالات العريضة التي تسبّح بحمد موهبتي ... تصدقون ماتريدون تصديقه ... اشربوا اذا من هذا النفس الأخير ... ولا بلاش .. أنا أولى
كانت عيناه تنفجران من الغضب والدموع ... وضع قرصا في مشغل الاسطوانات لتدور سمفونية بيتهوفن السادسة ... ولدقائق غرقت الغرفة في صوت الناي الخشبي المنبعث من السماعة بينما هو يحرك يديه في حكمة لقيادة الأوركسترا الوهمية المحيطة به
هاهم الرعاة يخرجون ليوم جديد ... البلابل مغردة وصوت هاديء ينساب بنعومة من الجدول المجاور وفلاحات جميلات يسرن كالأوز في جماعات ويتبادلن احاديث ممتعة وابتسامات عذبة ... يبدو يوما مشرقا جميلا ... رباه ... أما زال في العالم شيء بهذا النقاء ؟ شيء لم يتلوث بعد بالصراخ والات التنبيه والدخان الأزرق والأسود ... فلنتحلق عند الجدول ولننتظر تجمع السحب لنغني جميعا الكل يغرد حتى الأطفال على العشب النضر المبلل في حياء بينما تنعكس عليه أشعة الشمس في شروق مبهج لايقل جماله يوما ..أيها الأعزاء ... أنا قادم اليكم يوما ... لن أحتاج الى دعوة او سجل كئيب يضم اسمي ثانية ... ارى اذرعكم مفتوحة في ود , ماأجملكم ... لن انتظر نهاية السمفونية ... انا قادم بعد الكريشندو .... امسح دموعك , ورد التحية , وهلم بنا الاّن
فهم في مكان ما .... ينتظرون
وعندما انتهت السمفونية أخيرا ... وجدت نفسي وحيدا مذهولا في الغرفة ... احدق في المراّة , وأبكي كطفل