أيها الزائر قبري .... أتل ماخط امامك

Thursday, June 08, 2017

الراقصون على القرميد


 (من وحي أدب الاعتراف)

قد تكون أكبر خطيئة عملناها في حق البشرية وفي حق أنفسنا .. هي خطيئة (الساركازم) اللي بقت نهج للتداول مع الواقع .. أي موضوع غالبا بيتم افراغه من مضمونه أو جديته ..وتقحم فيه النكتة أو الإفيه .. وسخرية التناول بتدي انطباع بالنضج وعمق التجربة .. وبتدي  أيضا انطباع باللامبالاة وهي متعة لاننكرها في خضم الأحوال المزرية للبلاد والعباد.. وبتحطك في منطقة أمان من سخرية الآخرين (لأنك قررت الانضمام للمعسكر الرابح) ياحبذا لو بدأت بالسخرية من ذاتك ..من باب (حط على نفسك قبل ماحد يحط عليك) .. بالإضافة إلى شهوة ادعاء الحكمة (التي يمارسها كاتب السطور بلا توقف) فهي أشهى من العسل والجنس وشطائر (البيج تيستي) مجتمعين
المشكلة اننا تحولنا مع الوقت فعلا ..احنا مابقيناش ب(ندّّعي) اللامبالاة ..احنا بقينا لامبالين فعلا ..أقل احساسا أو ندما بلا لحظة مراجعة ..احساسنا بالواقع حوالينا بقى مشوّه او ممسوخ .. كأنك بتتفرج على الدنيا من ورا شباك الحمام المصنفر .. كل شيء بقى باهت 

بالتدريج بقت المادة الحياتية/السياسية/الاقتصادية/ الدينية هي الموضوع اللي هنجرب عليه منهج الساركازم العظيم .. وتاثير المنهج دة على المادة .. مش مختلف أوي عن تاثير الاشعة المستمر على الحيوانات المنوية .. أصبح الفكر (عذرا للتشبيه ) مخصي .. ولم يعد هناك (رغبة) أو (قدرة) على التفكير المثمر .. وأصبحت أقصى الآمال الإنتاجية هي ممارسة (الاستمناء الفكري) للتحرر من ضغوط الواقع
تفكير لايثمر عن ذريّة ..تاهت الحقيقة .. وضاعت الحكمة.. وذاب الفارق بين الواقع والإفيه و(انتزعت القداسة عن الأشياء) و(تحرر العالم من سحره وجلاله) .. لكن من يأبه .. انت عارف بكام كيلو اللحم ..أو تذكرة السوبرجيت أو (الاستاف الجامد) ان وجد عزيزي الكييّف؟

توحش (الساركازم) لدرجة انه بيطلع قبل الخبر نفسه .. وبيخليك تتحزب وتتحيز قبل ماتفكر اصلا .. (الخبر في السياق الساخر يخليه هذي او كذاب او شرير) .. والحمد لله تفكيرنا المعتدل بيخلينا مكونين رأي مسبق قبل مانفكر اساسا ..وبعدين نختار من ظاهر الأحداث صور منتقاة تدعم بيها رأينا اللي موجود سلفا !! (ايوة احنا المركز الأول على العالم في المسلّمات والتنميط والروشتات الجاهزة.. فافتخر , لأن التعليم والصحة والشفافية والأمان وحرية الرأي مش كل حاجة ) 0

بقى من توابع المنهج دة ..انك بتضعف بيه السياق والترابط لأي موضوع .. أصبح العالم الجاد أو المفتي الحقيقي مالوش مكان بيننا..لأن كلامه بيتقابل باستهتار أو بيحوّر بابتذال ..بيتسف عليه .. والأكثر أمانا بالنسبة له انه ينأى بنفسه عن المرض ويرفع ثوبه عن لجة مياه المجاري اللي احنا عايمين فيها , و(يتقافز على قطع القرميد المتفرقة) عشان يواصل طريقه بسلام
 او الأسهل .. ان يسبح مع التيار ليعزف (مايطلبه الجمهور)0
صار هذا هو اسلوب الحياة المفضل الذي اختاره السواد الأعظم من الناس ..ولانزكّّي على الله أحدا ,فأسوأ الناس هو كاتب السطور ربنا يهديه
فجأة الكل بقوا سياسيين محنكين ..واقتصاديين بشوات ..ورجال دين  وخبراء مفرقعات وحملة كلاشنكوف .. ذوي بديهة حاضرة وحس فني عال .. ولسان طويل ..وضحكة (ياو مينج) وضمير الأستاذ (أحمد خميس) بعيونه اللائمة .. وبرود الضفدع (كيرميت) وهو يختتم حكمته ب (ياولاد المرة)0
المشكلة ان كل المعسكرات على اختلافها وتطرفها برعت في استخدام نفس المنهج بلا توقف .. وهو مايتركك حائرا بائسا في المنطقة الرمادية .. واقفا على قطعة القرميد خشية السقوط في الوحل

ربما لاتزال المنطقة الجافة نوعا والبعيدة عن بركة المجاري هي منطقة الأحلام والأماني.. لكنها تنكمش ببطء .. وأغلب الأماني صارت تنحصر في (امتى الفرج؟) .. متى يأتي المخلّّص/ المسيح/ المهدي المنتظر؟.. متى يموت (ولاد الوسخة)؟... امتى ييجي اتوبيس 357 اللي بيروح الهرم؟ .. امتى هينزلوا آيفون بشريحتين؟ ..امتى صورتك في المراية تبقى هي صورة بروفايلك؟ امتى ..امتى ..امتى ؟
لكن دعك من مزج الجد بالهزل فهي خطيئتي المفضلة ..كما أن تلك الأسئلة لاترقى للسؤال الوجودي الأعظم

هو برنامج (رامز جلال) ..بجد ولّا اشتغالة ؟!!0
;