أيها الزائر قبري .... أتل ماخط امامك

Monday, April 30, 2007

RELOADED الابن الضال

دائما وابدا ستظل الامتحانات تذكرني بالمشهد قبل الختامي من فيلم القلب الشجاع عندما يستمر ويليام والاس في العناد ورفض الانصياع لاوامر القاضي المتشفي .... دوما اجدني اتذكر تلقائيا - امام كل ممتحن - عبارة (عذبوه بالمخلعة) في شريط الترجمة بينما يعلو صوت الجماهير في الخلفية مؤيدا ومباركا
_____________________
يقول صلاح مهنئا
بس بركة انك رجعت بالسلامة
اقول له بهدوء ان العودة جعلتني اختزن افكارا ما خاصة بالامتحانات والضغط والنفسي المصاحب لها ... وتجعلني اتساءل مندهشا بعبط الاطفال ... لماذا تسبب الامتحانات كل هذا الفزع بحق السماء؟
_____________________
في هذه الاثناء كان الدكتور (م.م) يقوم بتحضير الامتحانات التعجيزية في معمله الشرير
(مشهد 1 ليل داخلي في معمل مظلم الا من لهب سبرتاية حقيرة على تختة عامرة بصنوف ملونة من محاليل مجهولة الهوية بعضها تنز منه الفقاقيع بشراهة )
صوت كلاب شرسة محبوسة في قفص ما بالمعمل بينما شخص منكوش الشعر يرتدي البالطو يعكف على اضافة بعض الاخلاط الى بعضها البعض مع الغلي المستمر ثم يتناول بالسحاحة قطرات من سائل أحمر مريب ويقوم برشها على ورقة بيضاء خاوية بينما يغني في شرود
خمسة عشر رجلا ماتوا في امتحان تخدير
يقوم بتجفيف الورقة المبللة على لهب السبرتاية ثم يقتطع منها سلخة صغيرة يضعها بركن قفص الكلاب التي سرعان ماانزوت الى الركن المقابل وهي تعوي عواءا اليما مثيرا للشفقة بينما يسقط احدهم في نوبة تشنجات ويزرق لونه على الفور
يظهر الرضا على وجه الدكتور ويقول كلمة ما من نوعية (دي الاسئلة ولا بلاش) ... ثم يضحك ضحكة شريرة ترج ارجاء معمله الشرير يدوي على اثرهما الرعد بدوي اكثر شرا (تأثير درامي ليس الا) قبل ان يعكف على صنع المزيد من الاوراق وهو لازال يردد بنفس النغمة الرتيبة
خمسة عشر رجلا ماتوا في امتحان تخدير
_______________________
قلت لصلاح بينما هو يعبث بمحموله
في اعتقادي ان فزع الامتحانات ناجم عن مجموعة من مفردات حياتنا المؤلمة والمرتبطة بشكل وثيق بسيناريو الامتحان نفسه ... استيقاظك المبكر .... ملابسك الغير مكوية والتي تسارع لارتدائها على عجل بينما الاسهال يمزقك احشاءك (لأنك لم تاخذ وقتك في الحمام ايها العجول) ثم انتظارك للمواصلات (هذه اللعينة تتاخر دوما وتصل بعد فوات الاوان) هاجس انك ستصل متأخرا يلسعك دوما ويبلل يديك وجواربك بعرق التوتر ... وتصل الى زملائك المحتاسين وسط مذكرات واوراق لانهاية لها قبل ان يساق الجميع الى اللجان بتكنيك (يوم الحشر) الذي يجيدون صنعه ... بياناتك واقلامك وضربات قلبك المتزايدة ترج التختة رجا ... ثم ورقة ما كئيبة يخرس على اثرها الجميع ويراقبون الموزع وهو يقترب بالة جز الاعناق (لحظة اعدام وليام والاس على وشك البدء ياجماعة) .... وعندما تستقر الورقة امامك تدرك انها لحظة الحقيقة وانك انما كنت تخوض وتلعب في الايام السابقة
اعتقد ان كل تلك الاشياء المرتبطة بالامتحان هي الشيء المفزع بالموضوع ... وليس الامتحان ذاته
لكنها طقوس لابديل عنها طبعا ... الا اذا قادنا خيالنا المريض الى العالم الوهمي الذي يأتيك فيه الممتحن صبيحة يوم الامتحان وانت على فراشك ليترك لك ورقة صغيرة على الكومدينو ... وعندما تستيقظ براحتك تماما عند الساعة الواحدة ظهرا مثلا تجد الورقة بجوارك تقول
الامتحان على الرخامة في المطبخ بجوار كوب اللبن ياحبيبي
لابد اذا من الذعر والفزع والاسهال بينما احدهم يردد في الخلفية (عذبوه بالمخلعة) ... هكذا تكون الامتحانات
لكنك ( ان اردت الحقيقة) ... يمكنك ان تتوقع ان هذا الفزع والذعر يعود لأمور اخرى اكثر عمقا ... وابعد ما تكون عن الامتحانات نفسها
_______________________
ولماذا تكون الامتحانات واللجان ونظام المراقبة والدرجات المنتظرة واللهاث خلف وهم الشهادات ... لماذا يكون كل ذلك مختلفا عن اي شيء اخر نعيشه في هذا الوطن ؟
_______________________
نسيت ياصلاح انك تعلمت ان تنسى كل ماكنت تعرفه عن البروتوكولات ... تلك التعاليم الغير مرئية والتي صارت تحكم حياتنا , تجري مسرعا ... خوفا من شيء ما مجهول .... لم تترك لنفسك الفرصة يوما ... ان توقف الكادر ... لتتأمل الصورة
_______________________
بروتوكولات حكماء فرعون
البروتوكول الأول ... لستم عظماء لتكونوا مختلفين
كي تؤمن انك كالاخرين تستسلم لمنهج محكم , واسلوب تلقين منذ الصغر ... ان تردد خلف الاستاذ عبارات طويلة لاتفهمها , وتشب على ترديد الاراء المكررة والمناهج المستهلكة ... مرحلة مهمة لنزع المخ والكرامة معا ... احساس بالهوان سيطاردك , ربما تسارع بتفريغه الى من يليك في السلسلة الغذائية .... ربما تتظاهر بالحكمة والفهم وعمق التجربة ... لكنك تؤمن انك كالاخرين الذين يمشون في الطرقات (يأكلون ويشربون ويتناسلون , ويدفعون الضرائب بانتظام ) .. سيعلمك التلقين الطويل أن تكره كل مختلف باعتباره نشازا , لايعزف النغمة الصحيحة التي وجدنا عليها اباؤنا ... ستكره الاخرين لأنهم دوما عملاء , خونة , كفرة , أو في اي تصنيف سيء اخر في جداول الحياة
انت الان ولد شاطر .. يردد باطمئنان خلف الاستاذ نفس العبارات الطويلة التي لازال لايفهمها حقا
البروتوكول الثاني ... محاولة الهروب من شاوشانك دائما تبوء بالفشل ... خليك بالبيت
تستمرون في الايمان المطلق بان الاختلاف عن الاخرين يفسد للود قضايا ... وتتعلمون ان تمشون على الدرب المرسوم ببراعة باحذية اسلافكم ... الان صار الطريق اكثر وضوحا , حتى وان ساروا على نفس العقبات , وتعثّروا في نفس الحفر , وارتكبوا نفس الاخطاء الغبية ... لاتنظر حولك لأن الفلكة بانتظارك ياجابر ... انت لاترى الحارس الذي يمنعك من ان تحيد عن الطريق لكنك تتتخيل كم هو بشع طويل الانياب ... مع الوقت لم تعد تحتاج لمن يبقيك حبيس الاسوار ... انك تقوم بهذا الدور بأمانة من تلقاء نفسك ... انا الان مطمئن عليك ... لقد صار شاوشانك منيعا حصينا بفضل ابائكم الاولين ... انتم اليوم تتممون الاسطورة وستمررونها بعفوية عبقرية الى منتجات نطفكم التعيسة ... اجيالكم القادمة
انا الان مطمئن ياجابر
البروتوكول الثالث ... الكهرباء لاتنقطع عن قفص الموز
مهما تظاهرتم بأنكم اذكياء مثقفون ... لكنم تقعون في الافخاخ الساذجة وتتصرفون بسليقة البهائم العمياء ... سنترك لكم حكمتكم المنتفخة ... وستدخلون بارادتكم قفص القرود ... القفص القديم المعلق بسقفه الموز كالثريا والمحاط باسلاك الكهرباء ... وعندما تلسعكم الكهرباء الصارمة مرارا ... لن ينقذكم من الجوع سوى الفتات الحقير بالارضية .. تعلّموا ان تقتاتوا به .... وعندما يدخل المزيد من القرود .... ستغنيهم حكمتكم المكتسبة عن عناء التجربة ... وسيتعلمون ان يتقاتلون معكم على الفتات تاركين الموز... وربما ينظر احدكم يوما الى الاسلاك بحسرة قبل ان يتساءل ... لماذا لاتنقطع الكهرباء ابدا ؟
نستطيع الان فصل التيار ترشيدا للاستهلاك , مادمتم مؤمنين ان سليمان لم يمت على عصاه بعد
_________________________
قلت لصلاح الشارد
الملاحظ هنا أن النظام يعتمد علينا , ربما بأكثر ممانعتمد نحن عليه
________________________
البروتوكول الرابع ... الابطال وحدهم يصارعون لنيل الحقوق ... حكمة جديرة بالتدريس
نعم ايها السادة المهذبون .... سيصارع المرء منكم كالوحوش لينال (الحد الادنى من الحياة) ... وعندما ينال هذا الحد ستنسيه مباهج الانتصار الحقيقة البديهية الخالدة ... انها حقوقك من البداية ... يفرح المرء منكم لأنه تخطى البواب وقابل المسئول وسارت مصالحه الحيوية بالواسطة المهمة .... هذا السراب سيمتص قواك ... وغضبك المؤقت سريع التبخر سيطفئه المكسب العبيط الذي تتصور انك حققته ... ساعتها لن تفكر في البحث عن المزيد ... انت الان تعيش في افضل العوالم القابلة للتحقيق
لازلتم تعيشون داخل اضيق حلقات الدائرة .... ماحولها هو مجرد (مساحة أمان) نعرف كيف نجعلها مهابة الاختراق
البروتوكول الخامس ...عندما تقومون قومة رجل واحد ... لاتكن ساذجا .... رجل واحد لايصنع شيئا
لأنكم دوما تخافون الاختلاف ... يمكن وضع الامتحانات الصعبة , يمكن فرض الضرائب الباهظة, يمكن تطبيق القرارات الغبية ... لاأحد سيعترض ... ستنظرون لبعضكم البعض حائرين ... شاعرين بالغباء حيال ورقة امتحانكم , واقعكم , دستوركم ... تتمنون لو يقوم واحد تنهضون خلفه بحماس ... ثم تخشى ان تقوم وحدك ... فتخسر كل شيء, بينما يستسلم من حولك ... ويبدأون باجابة الامتحان في استسلام ... ستفعل مثلهم ... وستلتقط اقلامك وتشرع في التسطير ومحاولة غش الاجابات ... وعندما ينتهي الامتحان سيكون امامك وقت كافي لتسب الممتحن مساءا ... على مقهاك المفضل بصحبة رفاقك الخذولين
البروتوكول السادس ... عزبة لكل مواطن
مع الوقت يغدو تحولكم لمسوخ مسألة بديهية .... امنح كل فرد قطعة صغيرة من الكعكة يمارس عليها سلطاته الصغيرة ... امنحه مصنعا , شركة بسيطة , وحدة صحية , مخبزا , مكتبا باحدى مؤسسات الدولة
سيمارس كل كبته وحرمانه من خلال ملعبه الجديد ... ارضه المكتسبة التي اعتاد أن يملك مفاتيحها ... سيمارس مهامه بحماس وهو يستشعر القوة ولذة التحكم ... انت تمنح الخدمات للاخرين , وهم يحتاجون اليك ... الى بعض المال , الى العلاج , الى الخبز , الى المصالح التي تسير بها الحياة ... وانت القيّم على كل هذا ... استمتع وانت تمارس التحكم والاذلال اللذان طالما مارسهما الاخرين عليك في اراضيهم ... لسبب ما , تنسون انكم تحتاجون لبعضكم , لكنكم ايضا تمررون احقادكم وثأركم من فرد لاخر .... انكم تمارسون نفس الدور الذي يمارسه الحكام الطغاة على شعوب جائعة ..... فتتحولون لنسخ صغيرة ممن تكرهون ... وتمارسون سلطتكم من خلال تلك العزبة الصغيرة التي صرتم تملكونها
لاتستطيعون الان ان ترفعوا عيونكم في عين فاسد مختل ... لقد صرتم جميعا اصحاب عزب , طغاة مصغرة, داخل عزبة كبيرة
____________________________
ترى ياصلاح ان الاعتياد والتراكمات التدريجية , تمنعك من الرؤية الصحيحة ... او حتى تجعلك تتجاهل تلك المعلومات وتصاب بحالة من الخنوع والترهل ... كما ترى الحركة تعني أن تزيح طنا هائلا من التأقلم والقاذورات والاخطاء ... اعتدت الا تكون عظيما كي تقوم وحدك بالمهام الجسيمة ... بل ان احساس الضالة يهيمن عليك ... فتظل بانتظار مثل اعلى يزيح عن كاهلك المسئولية وعبء البطولة
صرت تنتظر كثيرا ياصلاح بجوار ورقة الاسئلة ... ولم تجرؤ يوما أن تتساءل ... ماذا سيحدث بحق السماء اذا تركت اللجنة؟
____________________________
مشهد 2 ... نهار داخلي باحدى اللجان ... الطلبة يجلسون في حالة توتر واسهال حادين .. بينما الدكتور (م.م) يردد تعليماته المهمة من خلف المايك
ممنوع استخدام الاقلام الملونة أو الاقلام الجاف ... الاجابة بالقلم الرصاص النصف مل ... لن يتم توزيع اسنان رصاص أو ورقة اجابة اضافية , ممنوع استخدام الممحاة أو الالة الحاسبة أو حتى المسطرة ... ممنوع الكتابة على ورقة الاسئلة ... مدة الامتحان 25 سنة ... ممنوع الخروج قبل الوقت الاصلي ... ممنوع ... ممنوع ... ممنوع ..... 0
توزع ورقة الاسئلة يعقبها حالة صمت تام ونظرات غباء على وجوه الطلبة .. ونظرات سادية غريبة على وجه الدكتور (م.م) ... بينما يردد في سره ... هكذا تكون الامتحانات
ينظر الطلبة لبعضهم ... يمسك احدهم بورقة الاسئلة , ويكورها بيده ملقيا اياها ارضا
يقوم الطلبة مرة واحدة ويطغى صوت المقاعد على صمت الصالة المقدس ويتجهون لباب الخروج ... يصمت (م.م) للحظة في ذهول قبل ان يردد كالمجانين
من سيترك الامتحان ... باق للاعادة , هيه ... انتظروا ... لن ينجح ابدا طالما بقيت بالتدريس ... سيتم تأديبكم بأسوأ الطرق ... اجلسوا ياأغبياء ... ستضيعون ... مستقبلكم ملك يدي الان .... انا رئيس القسم الأعلى ... اغلق الابواب يافرج
جموع الطلبة تتجه نحو الباب ... يمزقون في طريقهم ورقة واحد منهم فضل البقاء والاستسلام للامتحان ... يزيحون فرج عن الطريق ويغادرون اللجنة وبقايا صوت (م.م) تخفت تدريجيا وهو يردد
انا باق على قلوبكم ... باق ولن تنجحوا ابدا
حتى اختفى صوته تماما خلف وقع اقدامهم المتجهة للخارج بينما يردد احدهم
لم يكن سليمان خالدا عندما مات على عصاه
_____________________________
كان صلاح ينظر لي في عته بينما يسيل خيط من اللعاب من ركن فمه .... افاق فجأة عندما اتاه النادل لتقفيل الحساب ... فمد يده في جيبه قبل ان يقول
بس بركة انك بخير

Friday, March 02, 2007

ازياء رسمية

عندما خطوت أولى خطواتي الى عالمكم المخملي الرائع ... لم اكن اعلم أن الدخول بالملابس الرسمية
_____________________
خريف 81
تعرف تماما وقع بكائك المزري بين يد الحضور في غرفة العمليات بعد خروجك بسلام من دفء الرحم ... سائل لزج يحيط بك ويكمم انفاسك قبل أن يرفعك احدهم من ساقيك كالفراخ الهاربة , ويقوم بالضرب على ظهرك (على سبيل الروتين في بعض الاحيان) ... بينما انت تصرخ (انا حي ... وحياة امي حي واتنفس ياأولاد الافاعي) ... ثوان ويقومون بفردك على مصطبة دافئة تحت مصباح عنيف مستفز الانوار ويلعبون في فمك بشفاط قميء مقرف وهم يرددون عبارات التهنئة ويتبادلون الاذان في اذنيك
تذكر بالطبع الملابس الموحدة المشتركة لكل المواليد الجدد ... تلك الملابس الشبيهة بملابس رواد الفضاء والمكونة من قطعة واحدة من منتجات القطن المزدان برسم لأرانب وفئران وردية اللون ... النور مستفز ويد العامل العجوز الخشنة اكثر استفزازا وهي تداعب لحمك الغض البريء بينما يكور هو وجهه في وجهك بتعابير مفزعة يعتبرها هدهدة وملاعبة لطيفة
اين ذهبت تلك الظلمة الامنة الاولى ؟
يعتقد المهنئون المتحمسون - لسبب لاتعلمه - أن لباسك القطني العبيط اكثر دفئا من الظلمة الاولى ... لسبب ما يرون المخاط مقرفا يهابون لمسه ويستعيضون عنه بحلتك القطنية الفريدة ... بحجة انها (ملابس البيبي) ... ربما أن الأمر لايعدو كونه اشمئزازا من لمسك مغلفا بالمخاط
صيف 86
شيء مجهول يدفعك لتفحص شنتطك المدرسية وادواتك الملونة لذيذة الملمس ليلة أول أيامك الدراسية ... تمد يدك متحسسا المريلة الكاروهات الخشنة , ورهبة لذيذة مشبعة ببعض الفضول تدفعك دفعا لتخيل احداث اليوم التالي ... ستكون غندورا ياواد بلباسك الجديد وشنطتك الجلد السوبر المحلاة ببادج عظيم لبطلك المفضل ... الزمزمية ستكون اسطورة وهي معلقة في عنقك ... ستكون رهيبا .. كرحالة عظيم يجوب فناء المدرسة (انس قليلا ان الرحالة العظماء لايقفون في طوابير , ولايحتاجون الى مرشد محترف لحمام المدرسة الرهيب , ولايتصارعون امام الكانتين بهمجية , ولايستطيع مدرس الالعاب اعتصار اذانهم على سبيل التأديب)
كيف تواتيك الجرأة على الحلم ... قبل ان ينمو رصيد خبرتك؟
لكن اياما قليلة في المدرسة كفيلة بجعلك تكره تلك المريلة حتى النخاع ... فهي ولاشك تطمع فيك العيال المتشردين الذين يسارعون بحقد لقذفك بالفلين وعلب الكلة الفارغة ويردد بعضهم في شماتة لامبرر لها من وجهة نظرك ((...) أمك ياكابتن ... (...) أمك ياكابتن) .... ثم ان الشنطة ثقيلة تمنعك من المراوغة والفرار المحنك , وتدفعك دوما للانحناء والتهادي في الطريق قبل ان تتبوأ مقعدك من الفصل الصاخب الملي بالعيال الذين لايقلون اجراما عن قاذفي الكلة الشرسين اياهم ... فتطمئن نفسك الى اضعفهم بنية واطيبهم ملمحا لتجلس بجواره في اخر دكة قبل ان تكتشف مذعورا انه كثير البرابير ,دائم النوم , مهدود الحيل , وربما غبي ايضا ... ورائحة غريبة تفوح منه باستمرار كرائحة الملابس المخزنة في قعر الدولاب لسنين ممزوجة برائحة المربى أو مادة كيميائية اخرى لاتدري طبيعتها
ربما تلك هي رائحة المريلة ... تلك الرائحة التي تعاظمت حتى صارت رائحة للأيام ذاتها .. تلك الايام التي ظللت تكرهها ... ربما لأنك اضطررت لكراهية المريلة والفصل ... والطفل الغبي ذو البرابير ورائحة المربى أو المادة الكريهة مجهولة الهوية
شتاء 95
كثيرون يحدثونك عن طور المراهقة الحرج .. والتغيرات الطارئة المدمرة التي تقلب حياتك راسا على عقب ... صرت مشغولا بشكلك الخارجي بحثا عن علامة الجودة .. الشعر في الوجه , والصوت العميق البجح , والعضلات الفاخرة سريعة النمو ... وتفرح عندما تظهر علامة جديدة , وتقلق عندما تتأخر باقي العلامات ... وقلق يجتاحك وهاجس يشغلك دوما انك ربما لست كالاخرين ... وعما قريب قد تكون مثارا لسخريتهم ونظراتهم المهلكة ... ثم تكتشف ان اختراعا جديدا قد ظهر ليغير وجه العالم اسمه الجنس الاخر .... ذلك الاختراع المدمر الذي يتركك مؤرجحا بين التعلق بأمل , والانسحاب محطما كاسف البال ... ومن ثم تطيل النظر في المراة لاعادة تقييم علامات الجودة السابق ذكرها ... , وتنهمك في الامال والاوهام مرة اخرى ... ثم ينتابك القرف من كل هذا , وتدرك انك بحاجة الى قيمة اعظم تطوف حولها لتغير وجه حياتك ... عندها فقط ستأتيك كل نساء الارض طمعا في نظرة من عينيك المرهقتين بعد رحلة كفاحك الطويلة , وسينحني أمامك العظماء في احترام لأنك فعلت الشيء العظيم الذي لاتعرفه بعد لكنك ستصنعه يوما ولاشك ... وبعد ان تجني ثمرات نضالك يتبقى امامك سنوات قليلة من العمر تخطط لقضائها في التعبد والتأمل ضمانا للجنة
لماذا تولد برغبة جارفة في الحصول على كل شيء؟
كنت تتمنى دوما ان تغير القالب أو (الكافر) الذي يحيطك من الخارج ... ربما لازلت باحثا عن شخص أو مثل اعلى تبغى السير على دربه وقد طعّمته بقليل من سمات بطلك الخارق المحبوب الذي لازلت تحتفظ ببادجه على شنتطتك المدرسية الكئيبة المستقرة في غرفة الكراكيب
خريف 2000
انها خطوتك الأولى الحقيقية الى الحياة ... صرت موظفا مقيدا بسجلات بلادك التعيسة ... وصار هناك مبلغ ما من المال يدخل جيبك شهريا يدعى المرتب .... لم تعد الملابس الروشة والجينز ملائمة لمكان العمل ... والا فانك ستتحول فورا الى وغد مراهق فرفور يدعوه الناس بالكابتن ... تتعلم في تلك الايام ان تخطيء , وأن تحترف الخطأ , وتحترف اخفاءه حتى تسير الامور كما ينصحك (القدامى العارفين) , وتعرف ان ذنوبك القديمة بسيطة , غضة ... كلحمك الابيض البريء يوم مولدك , وان روحك - التي يمكن ان تصفها بالبريئة - تتشرب الفساد والقذارة كالفلتر القديم
متى بالضبط صرت كالاخرين الذين كنت تكرههم؟
وكلما غصت اكثر في مستنقعك الجديد ... كلما دعتك حاجة ملحة الى المزيد من التجمل المعبق بعطر الفضيلة ... وتصير ملابسك اكثر شياكة , وحذائك اشد رونقا ولمعانا , وتحرص كل الحرص على ارتداء ملابس العمل ( البدلة .. الخوذة .. الروب الاسود .. الهدوم الميري .. أو البالطو سواء كنت طبيبا أو جزارا) .. تماما كحرصك على الامضاء بعناية في خانتي الحضور والانصراف في المواعيد الرسمية التي وجدنا عليها اباءنا ( لكن احدا لايسأل عن تلك الفترة المستترة مابين الحضور والانصراف) ... وتفرح للعلاوة , ويحزنك الخصم والجزاء ... وتسب الحرامية النصابين الذين لايراعون الله ويأكلون اموال الموظفين بالباطل , مع ان (ورقك سليم ) وامضاءك يؤكد انك عنيف المجهود في العمل ومناضل حيوي مهم في منشئات الدولة التي - بالتأكيد - تعلمت ان تكرهها وتلعنها وتنتظر علاوتها التي ستصرفها على بدلة جديدة تدعم رونقك المهم
صيف 2009
كما فعل اسلافك تماما ... تبحث عن عروس لأنك تحتاج الى واحدة , وتكلف اقاربك بالبحث عن بنت الحلال , أو تنجذب لفتاة ما رأيتها في فرح قريب لاتعرفه اصلا من اقاربك الكثيرين في تلك الفترة الحيوية المهمة والشهيرة ب (موسم التزاوج عند الانسان) , وتسأل عن تلك (المزة الحائرة) ... لتعرف انها بلا زوج أو خطيب أو احد يتكلم عنها وتبدو (خد بالك من تبدو دي) على ادب ودين ورقة بابتسامة بريئة تليق بفتاة غير ذات ماضي كما يصور لك خيالك المريض - عفوا - العريض ... وتبدأ المباحثات المبدئية وجلسات الصالون بعلبة جاتوه وابتسامة مهذبة تجاوبها ابتسامة خجول محترفة , وملابس شيك مختلفة تماما عن ملابس العمل ... وتجد انك تتوه في تفاصيل غريبة عن الجهاز والقائمة والشبكة والمؤخر ومصطلحات اخرى غريبة تبتلعها في ادب ...( واللي له عند الكلب حاجة يقول له ياعمي) ... ولحظيا تقفز امام عينيك صورة مريلتك القديمة , وشنطتك المتربة ببادج بطلك الحبيب المفضل التي القيتها في غرفة الكراكيب ... وتكتشف ان مفردات اخرى جديدة ستقتحم عالمك وتغير حياتك للأبد
وتجلس مع خطيبتك بحق قصمة الوسط التي عانيت منها في جلسة الصالون , وتتعرف على كائن جديد , وقد تشعر بالسعادة الحقيقة لأول مرة - واخر مرة برضه - في حياتك , قبل ان يعكر صفو الجو حكاية الفرح والزفة وفستان العروسة الابيض وبدلتك السوداء الكئيبة بنت الكلب ...و تفاصيل اخرى كثيرة تدمر اي لحظة سعادة تجاهد لاقتناصها ... وتعرف ان الامور ليست دوما كما في خيالك ... انها فقط تلك الصورة الجميلة على لوحات الاعلانات ( كالفارق بين شطيرة الهامبرجر الجبارة المرسومة على اللوحة , و تلك المهترئة المستكينة امامك كجثة هامدة في علبة الدليفري)
متى اخر مرة قلت لنفسك .. لم يكن الامر هكذا في الفيلم ؟
لكن الايام تمر سريعا ... وتجد نفسك في ليلتك المفترجة التي ينتظرها المرء طوال عمره وجها لوجه مع (حقائق الحياة) ... وانك مقبل على ضغط عصبي شبيه بالامتحان الذي يثبت جدارتك ... وان المعازيم والزفة وسندوتش الكفتة التي طفحته بالسم الهاري من يد حبيبتك هو الامر الوحيد الذي يمنعك من الصراخ كالعيال (عاوز اروح عند ماما) ... لأن رد فعل عروستك ساعتها لن يختلف كثيرا عن العيال الصيع الذين قذفوك بالكلة في اول ايامك الدراسية
خريف 2052
تترهل انت كما تفعل كل الاشياء التي كانت يوما ما جديدة ... وينمو كرشك ببطء مستفز صعب الملاحظة... وتتأمل امبراطوريتك الصغيرة دون استمتاع حقيقي ... لقد صرت كثير الهموم والعيال ... صرت مفعما بالخطايا بسبب فلترك الذي صار عاجزا عن العمل واعرب عن انتهاء صلاحيته ... لكنك على الاقل صرت ذو سلطة وشخطة مخيفة , وخبرة لايستهان بها في معاملة البشر ... لكن شعرك الابيض يشعرك بالاسف , ويذكرك بالعجوز الكحكوح الذي صرته , والذي يصر الناس دوما على نعته ب(البركة) و (الحاج) ... انها كلمات تثير الغيظ لدرجة الجنون ... لازلت بعد هذا العمر تواقا لمجون الشباب , لكن اّلام المفاصل لاترحم الشيوخ
اين تقع بالضبط تلك النقطة الفاصلة التي تعلن دخولك الى مرحلة جديدة في مشوار عمرك؟
يتركك احباءك يوما بعد يوم , دون ان يعلموك ب (سفرهم الاخير) ... انك تبكي حقا ... تبكي كيوم نزلت مغلفا بالمخاط ... وينسحب الناس تدريجيا من حياتك تاركين اياك للبرد والوحدة ... سمعك يضعف , وكلام الناس الذي تعجز عن سمعه يثير جنونك ... ترى ايتحدثون عن عصاك الخشبية وخطواتك الغلبانة المضحكة؟ ... أم ترى يتهامسون بشأن صلعتك البهية المستورة ببقايا شعرات بيضاء ؟ .. أم انك اصلا لست محورا للحديث لأنك صرت اقل من ان تكون مرئيا؟
وتظل الكابة تطاردك للنهاية ... وتشتاق لأيام مضت , وذكريات لم تخلق الا لتموت كي تدمن البكاء عليها ...و تسأل نفسك عن الحافز الملح الذي يدفعك للنزول الى غرفة الكراكيب المتربة بقبو بيتك ( لو كنت تملك قبوا) ... ويدفعك لتقليب البوم صورك ... تضحك , وتبكي ... تتحسس شنطتك المدرسية وبادج بطلك المفضل .. ميداليات وشهادات تفوق ... فستان زفاف زوجتك المرحومة الذي اصرت على أن يكون غارقا في الترتر ... أوراق مهترئة لمحاولاتك الساذجة القديمة لكتابة الشعر .... برطمان كلة لاتدري مالذي اتى به الى هنا ... صورة قديمة لشخص عزيز مع كلمة رقيقة في بظهر الصورة ... واناس كثيرون تشتاقهم لكنهم لن يلبوا دعوتك , لأنهم لم يعودوا يقدرون .... ويزداد حزنك وألمك .... وتتخيل صراخك الاول في لحظة الميلاد ( لاتذكره طبعا لكنك اكيد من انك فعلت) .... كم كان مفعما بالحياة !!... مالذي يجعل الدنيا تمر امامك قبل ان تلاحظها ؟ ماهو ذاك الحنين الغامض لشيء مجهول لاتدري كنهه لكنك تنتظره طوال حياتك؟
ثم مالذي يجعل عينيك تغلق فجأة ليسقط الالبوم من يديك؟
صيف ما بعام ما
يفترض ان الجو شديد الحرارة ... لكنك لم تعد تشعر بالأمر أو تمنحه الاهمية .... يفترض انك ميت , لكن الناس تأبى ان تجعلك تفارق الدنيا دون لباس اخير يشيعونك به الى مستقرك المؤقت ... تشعر ان ملبسك الجديد ربما يكون اكثر راحة ... وان دفء الارض ... قريب الشبه بظلمة الرحم الامنة التي كنت تفتقدها ... بامكانك الان ان تكف عن الاسئلة الحائرة لتتكيف مع ردائك الجديد
عجبا!! .. انه الملبس الوحيد الذي جاء ملائما لمقاسك من المرة الأولى
_______________________
عندما خطوت اولى خطواتي الى عالمكم المخملي الرائع .... لم اكن اعلم ان الخروج سيكون بتلك السرعة
__________________________
__________________________
تنويه ,أو ملحوظة , أو شيء من هذا القبيل
اعتقد انني سأتغيب لفترة لابأس بها لامتحانات الماجستير اعادها الله علينا وعليكم بالستر والدرجات , ربنا يستر... ادعوا لي

Thursday, February 08, 2007

أن تكون طبيب تخدير

منذ سنين وقفت الى جوار طبيب تخدير محترم ... كان يمسك بمحقنين كتب عليهما اسماء الادوية الموجودة داخلها ... وقبل ان يحقن كان دوما يقول (يارب استرها معايا) .. يومها لم ادر لتلك الجملة التي كان يكررها روتينيا سبب واضح ... اظن انني بدأت افهم السبب هذه الايام
__________________________
أن تكون طبيب تخدير ... يعني انك مقبل على مقامرة ما , أو على فتح بطيخة لاتدري بالضبط محتواها كلما بادرت بتخدير مريض ... وأسوأ مافي الامر ان الكوارث عندما تأتي , لاتكون مصاحبة باجراس الانذار , ولاتتلون الشاشة بالأحمر كما في العاب الكمبيوتر والافلام ... اسوأ مافي المصائب أنها تأتي في هدوء ... وترحل كما اتت ... في صمت جليل
أن تكون طبيب تخدير ... يعني انك مضطر يوميا للكذب على اّلاف العيال قبل العمليات بدعوى لبس الساعة للتصوير (رباط ضاغط لوضع الكانيولا ) ويلا ننفخ البالونة ( استنشاق الغاز المخدر) ... ترى كيف كان شعورك مع عملية الطهارة التي تمت لك بعد خداع وتاّمر من أقرب الناس اليك؟
أن تكون طبيب تخدير .... يعني عجزك المستمر عن التركيز اثناء الصلاة بينما مريض ما في غرفة العمليات تحت تأثير البنج على مقربة منك لايلاحظه غيرك مع احساس مستمر بأن مصيبة ما في الطريق أو ان المريض قد انتقل في صمت الى الرفيق الاعلى , بينما الاخوة الجراحين لازالوا يمزقون الاحشاء وهم يتطلعون الى (الايمدج) / الأشعة بشبق وتوحش
أن تكون طبيب تخدير ... يعني ان علاقتك بمهارات الجراحة وخياطة الجروح التي كنت تعشقها ايام الامتياز قد ولّت ولم يتبق امامك من مهام الجراحة سوى محاولاتك المستميتة لفصل البرتقالة عن قشرتها باستخدام الملعقة البلاستيك العقيمة بعد الفراغ من وجبة عديمة المذاق في مطعم المستشفى
أن تكون طبيب تخدير ... يعني ان عادة سيئة تتكون لديك وهي التطلع باستمرار الى اوردة البشر في محاولة خيالية ملحة لايجاد افضل وريد يصلح لأضخم كانيولا ممكنة ... لي زميل طمع في عروقه شخصيا وقام بتركيب الكانيولا لنفسه لاطفاء نار الرغبة .. طب والله حصلت
أن تكون طبيب تخدير ... يعني أن تبتسم دوما لكل جراح وهو يعطي اللمسات النهائية على خياطة الجرح بينما يقول لك في ثقة (احنا خلصنا يابيه) ... وعندما تتأمل الوقت الطويل الذي قضاه صاحبنا في العملية دون داع سوى الخرق وقلة الخبرة , وتتأمل خياطة الجرح المشوهة , والدماء التي تملأ المكان بعد نزيف عظيم .. يكون ردك التقليدي الجاهز بعد كل هذا (ياباشا تسلم الأيادي) ... مرارا فكرت ان اغير الرد الى (تولع الايادي) ,لكن لا .. لم افعلها بعد
أن تكون طبيب تخدير ... يعني احساسك المستمر بأن كل من يناديك غالبا ليبلغك بكارثة ما خاصة بالتخدير ... تدريجيا صار عندي هاجس ان كل من يكلمني (حتى في الشارع أو لايعرفني اصلا) يقول لي في هدوء (الحق .. عايزين حد تخدير في أوضة 5) ... 0
أن تكون طبيب تخدير ... يعني أن الناس لم يعودوا يقسمون الى فئات حسب اللون أو الجنس أو الدين .. بل حسب لياقتهم للتخدير الى مرضى لايصلح لهم الا البنج الموضعي , ومرضى ينامون كليا بعد محايلات واستعدادات وتحسب للمصائب وخناق محترم مع الجراح , ومرضى في أسوأ حال من عينة (الراجل فيكم ييجي وينيمه) , ومرضى لاتوجد فيهم مشاكل من أي نوع ( والملاحظ ان اغلب مصائب التخدير تأتي من تلك الفئة الاخيرة , ولاتسأل عن السبب) 0
أن تكون طبيب تخدير ... يعني انك مدان قبل أن تبدأ أو تتكلم أو تتعامل مع اي كائن ... يعني أن تستسلم للفكرة الساذجة المكونة لدى الجميع بأنك (ذاك الرجل الذي يقتل المرضى بسبب الجرعة الزائدة) .... يعني أنك مطالب بايجاد أوردة لمريض مستعصي حاول فيه قبلك عشرون ممرضة وثمانية اطباء من تخصصات عديدة بعد أن قضوا على جميع الاوردة بمحاولات غشيمة عرجاء(من باب التجريب وامتحان خبرات أياديهم الطاهرة اللي عايزة قطعها) , والمفروض ان تجد الوريد بنجاح والا فان نظرة غبية ستتكون على الوجوه من عينة (أمال تخدير ايه بقة؟!!)... يعني انك الرجل الذي يحلوا للجميع الكذب عليه واخباره بأن المريض صايم وتحاليله زي الفل ومستعد تماما للعملية , (ربما الى درجة تزوير نتائج التحاليل) ... احد الاخوة البنجاوية سأل مريضا يوما (اّخر مرة أكلت امتى ياحاج؟ ) .. فتلفت الحاج اللئيم يمنة ويسرة متوجسا قبل ان يجيب في خبث ( انا لسة واكل من ساعة , بس والنبي ماتقول لبتوع البنج) ..!!. يبدو ان البعض لابد وأن يحاكم بتهمة الغباء على رأي السادات
أن تكون طبيب تخدير ... يعني انك متيقن من ان احساسك بالام الناس يقل تدريجيا بدءا من جو الرهبة المغلف لغرفة العمليات (بينما هي بالنسبة لك كجو البيت أو اكثر), مرورا بتركيب الكانيولا ( لأنك نسيت احساس ان احدهم يغزك باستمرار مطالبا اياك ان تصبر وتكف عن الدلع ... انها مجرد شكة كشكة الشنيور)... والماسك الاسود الكئيب المعبق ببقايا رائحة الغاز المخدر ( طبعا لأنك اعتدت ان تكون فوق الماسك لا أسفل منه بينما شخص تراه بالمقلوب عند رأسك يأمرك بالهدوء مع اخذ الانفاس العميقة والعد) لن يلومك احد اذا لطمته بغلّ وفررت هاربا من هذا الجحيم
أن تكون طبيب تخدير ... يعني أن وقتا طويلا سيمر قبل التدوينة القادمة لأن الاسبوع القادم حافل بالعديد من النوبتجيات والمفاجئات الغير سارة التي ستحتاج الى وقت قبل اعادة التوازن وممارسة الحياة الطبيعية
________________________
عندما أبدأ في كل مرة ... اسأل نفسي .... هل ستكون هذه هي المرة الأخيرة؟

Sunday, January 21, 2007

شعب الله المختال

انها حكاية اسطورية تتناقلها الأمم ... عن شعوب انقرضت منذ زمان بعيد ... وسجلتها الأجيال في كتاب عملاق مزخرف ... تحت عنوان اساطر الأولين ... التدوينة مجرد مختارات من الكتاب
_____________________
الاهداء
لانهدي هذا الكتاب لأحد ... هو في الأصل لعنة متوارثة ... تلك صفحة لايصح تضمينها هنا
_____________________
الفصل الثالث
صدفة مشقوقة وكثير من الطين
ولايهم القاريء موقعهم الجغرافي ... فهم واسعي الانتشار , واينما يذهبون .. تذهب معهم خيلاءهم المدمرة وغرورهم الاكيد ... لكن المهاجرين منهم لبلاد الاخرين يذوبون في مواطنهم الجديدة .. بعيدا عن قوقعتهم الصغيرة الرطبة... التي يشعرون داخلها دوما انهم مستهدفون ... رغم ان اثرهم في حياة الاخرين , لم يعد قط عظيما
_______________________
الفصل العشرون
سر الجوهرة المقدسة
والملاحظ على هؤلاء الاهالي كراهيتهم المزمنة لكل غريب وافد .... حتى عندما يجتمعون في صلاتهم الاسبوعية فهم دائمي اللعن على الغرباء من خارج البلاد ذات العقائد الاخرى باعتبارهم اعداء كارهين لهم بالمثل ,الملاحظ ايضا هو ذاك الاحساس الطاغي بالتميز, لم يتميزوا قط بجدهم وكدهم , ربما تميزوا بما ورثوه عن ابائهم أو انبيائهم... فعاشوا في وهم الكمال... ربما لهذا يكرهون الاخرين المنقوصين ... وربما لهذا يعتبرون انفسهم من النخبة المختارة حاملة النور والمسك .... ربما يكون الغرور من عيوبهم التي لايمكن - ابدا - ان يروها
____________________
الفصل السابع والتسعون
من قال لاأعلم فقد هرطق
يغلب عليهم كثيرا ... حبهم لتمجيد الفضيلة , حتى وهم يأتون الرذيلة في المساء ... كثيري الكلام والانفعالات الساخنة غير ذات الجدوى ... كثيري الرغبة في المزايدة ... قليلي العلم , ربما لهذا عندما يطغى عليهم الجهل يسارعون الى كتابهم المقدس مضمنين منه عبارات في كل حوار بجدوى وبدون جدوى ... ربما لاخفاء جهلهم العميق بالكثير من الشئون العامة التي يحلو لهم كثرة الحديث فيها بغير علم ولاهدى ولاسلطان ... فالجهل في بلادهم يعد تهمة .. والصمت البليغ احيانا يعد عارا على جبين القوم هناك .... لدرجة انك تجدهم يهذون ويجهلون حتى عندما يستشهدون بكلمات كتابهم المقدس ... لكنهم يعتبرون النوايا الطيبة مبيحة لبعض انواع الهرطقة مادامت قد ارتبطت بذكر الله العظيم والنبي الحبيب
________________________
الفصل الخامس عشر بعد المائة الأولى
طقطقة احجار في سبيل الكيف
وكان كلما ظهر منهم عالم مفوه انقسموا حوله الى لاعنين وساجدين .... وعندما علا صيت احدهم يوما واقترب نفوذه الملموس من حدود السلطان , وصار له اتباع مؤيدين, ومريدين مستمعين ... اشتد الصراع بين ذوي المصالح وذوي المسابح ... حتى وصل الامر الى سلطان البلاد فأمر بنفيه خوفا من لهيب الفتنة على خشب العرش .... وظل المنفي يرسل برسائله الحكيمة من منفاه الى الاهالي المنتظرين والذين كانوا يقومون فورا بتوزيع رسالاته ويرددون كلماته بعيون مغلقة مطمئنة ... كأنما اطمأنوا الى انهم يصنعون الحياة
_____________________
الفصل الثلاثون بعد المائة الثانية
من الذي أكل الجبنة ؟
حريق يجتاح البلاد عندما يحكي الرحالة النشطين الى بلاد الابقار البعيدة عن الفظائع المرسومة على جدران الحدائق العامة والتي تسخر من نبيهم الحبيب .... وانطلق المتحمسين يدعون الى الحرب على المارقين صانعي الجبنة الشهية , واخرون اكتفوا بطلب الاعتذار والندم وكميات ضخمة من الجبن اللذيذ على سبيل التعويض ... في حين دعا السواد الأعظم الى مقاطعة جميع واردات بلاد الأبقار البعيدة حتى يهلك الظالمين من شدة الجوع ... وقد طغت تلك الأصوات على القلة العاقلة المتهمة دوما بالتخاذل ... و مرت ايام طويلة انتشرت خلالها اللافتات المهاجمة حادة النبرة والتي كان لأصحاب البضائع النصيب الأعظم منها , وقد اجاد كثير منهم استغلال تلك اللافتات للاعلان عن بضائعهم البائرة التي راجت بحمد المولى ... ومن ثم اهدروا مكاسبهم العظيمة احتفالا وابتهاجا ... بعد ان حققوا حلمهم العظيم بمقاطعة الجبنة الكافرة
_________________________
الفصل الرابع بعد المائة الثالثة
الشمطاء والشعر الأكرت
ويحكى ايضا عن ثورة عارمة اجتاحت الطريق من مدخل المدينة حتى القصر الحاكم ... بسبب والي اكرت الشعر ارتشف كوب اللبن المستورد ذات صباح غامق , وسب رمزا دينيا مقدسا لدى الاهالي ... يقولون ان السباب لم يتعد حدود قصره المنيف , لكن جارية شمطاء من حريم الأكرت نقلت التصريح العنيف الى حكواتي البلاد المولع بالحواديت والفضائح ... ومن ثم كانت ثورة البلاد العارمة , وقد زادت من حدتها حكايات كان الاهالي يتناقلونها همسا عن شذوذ الوالي الأكرت
يقولون ان القصر نفسه بارك حريق الجماهير الهائجة ... ولأول مرة منذ عهد بعيد .. تتحد الطوائف المتناحرة , والكبراء , والمارقين والكلاب وأولاد الكلاب على امر واحد ... وبدأ الجميع يصيح بجنون ... اعزلوا الأكرت الزنديق
الى هنا ولم تذكر المصادر التاريخية كيف حلت الأزمة ... لكنها - غالبا - اندثرت كالعادة واختفت خلف موجة جديدة من الاحداث والملهيات
_____________________________
انتهى الكتاب بعد هذا الحد باربعين فصلا اخرين... باقي الصفحات مهترئة بفعل العثة .... لم يوضح الكاتب المجهول اين انتهى اثر هؤلاء القوم
اندثروا غالبا ... وذهبوا في زباله التاريخ
;