أيها الزائر قبري .... أتل ماخط امامك
Showing posts with label popular posts. Show all posts
Showing posts with label popular posts. Show all posts

Saturday, December 20, 2008

الناس التانيين

هذا البوست ليس دعوة لشيء ... بقدر ماهو محاولة لفهمه

وليس لاغضاب أحد ... برغم اعتقادي أنه سيجلب الوبال على كاتبه

__________________________________

تأخرت كالعادة ولم تكن الأمور بيدي

هذه المرة ... كنت في السجن

__________________________________

قال لي الحسيني وهو يشعل سيجارته رقم 143 في حجرتنا المغلقة

لاأريد أن أكون بطيء الادراك ... لكنني بدأت أفقد احساسي بالزمن ... ولولا نفاذ سجائري لما شعرت بمرور الوقت

يمرر لي واحدة لكني صارحته بأنني من عشاق التدخين السلبي .. يتابع ببطء

أنا أخشى هؤلاء الموجودين بالخارج ... أخشاهم كالموت .... كالسرطان...كالكليوبترا الرديئة .... كعناكب أمريكا الجنوبية و أمواس الحلاقة المستعملة والعملاق الأصلع المخيف الذي شاهدته في فيلم السهرة ... أخشاهم .. وأعلم أنهم قادمون .. ولاأدري كيف أتفادى هذا أو أتعامل معه ...

صوت كعوب الأحذية والضحكات بالخارج تغزو عالمنا الباهت ... ولبعض الوقت .. عرفت أنه يمقتهم قبل أن يرى وجوههم

______________________________

الساعة 11 ونصف صباحا

انه ذلك الوقت الذي تسمح فيه لنفسك بتأمل العالم من خلف النافذة .. ومع أن نفسك مليئة بالحب والاشراق .. لكنك تحتاج أحيانا الى التسلح ببعض الكراهية .. والا ... فبم تفسر هذه النظرة التي ترمق بها الباعة المزعجين وسائقي الميكروباص السفلة من خلف الزجاج؟ .. أتراهم خبيثي النفس .. يتمنون الشر والأذى لأفندي متعلم نظيف مثلك.. ؟!!

يقولون أن العين تعشق كل جميل ... لكن المؤكد .. انها تكره كل غريب

_____________________________

الدخان من فم الحسيني يملأ المكان ... لكنه يمنح شعورا عجيبا ببعض الأمان لأنك لاتري مايحدث خلفه حقا

دوما كانوا يزعجونني ... كلمة (الناس) ... هذا الكيان ذو الثقل والغزو الشامل ... دوما كنت أتخيلهم مجموعة متداخلة من ذوي الشعر الأكرت والشوارب الضخمة الخشنة ... بعيون متسعة ..,وأفواه لاتغلق .. وقدرة مطلقة على التدنيس.. يغمرونك بأشعة حارقة من النظرات المتهكمة , المتعجبة احيانا ... يتغامزون بينهم دون مبرر واضح .. تقرب عنقك نحوهم محاولا السمع دون جدوى ... ربما لو كنت أكرت الشعر مثلهم لأمكنك أن تندس وسطهم بسهولة .. وتفعم آخرين بذات النظرات وأنت تتغامز ممسكا شاربك الضخم .. فقط لتتفادى كل هذا الألم الذي تشعر به الآن

نخاف من كلام (الناس) .. (الناس) تقول علينا ايه .. (الناس) مالهومش أمان .. (الناس) بقت وحشة أوي

صوت سباب بالخارج .. ينظر لي الحسيني نظرة ذات معنى , ويغمس سيجارته في علبة معدنية صدئة... يردد

ان المكان بالخارج ليس بهيجا على الاطلاق

___________________________

الساعة 11 ونصف صباحا ... حتى بعد الظهر

هل سألت نفسك قبلا ... ماالشيء الذي تقاتل من أجله حقا ؟ ... الشيء الذي تردد اسمه باخلاص أو تموت في سبيله .. أو تسهر الليالي متعبدا في محرابه متحسسا مشعلك , أو مسدسك , أو مطواتك القرن غزال وأنت على استعداد تام لتمزيق الآخرين ممن يفكرون .. فقط يفكرون في مجرد الاقتراب .. أو التصوير

بعض الناس لاتعتبر ايمانها مكتملا ... الا بالكراهية

___________________________

يستلقي الحسيني على سريره ويحملق في سقف المكان متسليا بالعبث في شعرات صدره ... يقول لي دون أن ينظر

أتعلم أمرا ؟ .... لو كنا أكثر عددا لكان أفضل ... ربما لأنني سأشعر ساعتها بالأمان .. وبأنني لست مجرد شخص واحد ... ان فكرة أن أكون وحيدا ترعبني حتى الموت

صوت مياه تلقى من دلو مملوء أرضا ... مياه باردة .. حتى في الشتاء

الحسيني يردد من جديد وهو ينظر لي برهبة

أنا ..وأنت ... فقط ... سيسحقوننا بسهولة ياصديقي

_____________________________

الساعة 11 ونصف صباحا ... حتى في وقت الأصيل

عندما تتجه للاستاد ... أرجوك خذ علما واضحا ...و لاتجلس في المدرجات الخطأ ... انه أمر قد يكلفك حياتك ...

اجلس ولوح ... صفق واصرخ

بييييييب .... بييييييب

أهلي

(الموت هنا للعشيرة البيضاء)

تتصبب عرقا كمحموم ... انها حمى الانتماء ... حمى أن تكون أقوى ... واعظم ... وأكثر ... اكثر من مجرد شخص ... أنت في الواقع 11 شخصا يجرون في الملعب ... بل أنت اكثر من عشرة آلاف شخص يهللون في المدرجات

بييييييب .. بييييييب

أهلي

(الموت هذه المرة للعشيرة الصفراء)

دع القوة تجري في عروقك ... لأنك الآن ... تملأ العالم

__________________________

يسألني الحسيني بجدية

هل تحب لعب (الاستميشن)؟ .... للأسف نحتاج آخرين ... معي ورق لعب ... لكن ينقصنا (كينج) القلوب .. أنا متأكد أن الأوغاد بالخارج يملكون الورقة الناقصة ... لاتبتئس .. من الجيد دوما ان تكون أكثر من 99 % من أوراق اللعب بيديك... ( من قال هذا يوما عن أمريكا؟) ... الأمريكان أنفسهم ملوا أن يظلوا اللاعب الأوحد على المنضدة .. فقرروا -لجعل اللعبة أكثر اثارة - طرح بعض الأوراق للبيع... أوراق مختارة بعناية... فهم لن يبيعوا أبدا (الآس) الذي يبحث عنه الجميع ...

حسنا .. أنا مشوش الذهن ..لكن تبدو (الاستميشن) وسيلة طيبة لقتل وقت أليم بغض النظر عن المكسب أو الخسارة .. المشكلة أن اللعب بورقة ناقصة .. يثير الجنون

________________________

الساعة 11 ونصف صباحا ... حتى عند صلاة العشاء

الشيء الذي يخيفك حقا .. أنك نسيت أنك تصلي فقط بحكم العادة ... ليس الايمان .. ليست الرغبة في التطهر .. بل الرغبة في ألا يمر عليك الوقت وأنت لم تؤدي (الواجب)

تصطف مع الجمع ... وترفع يديك المخدرتين مكبرا دون روح حقيقية لأن القلق بداخلك لايدع لك فرصة سوى للتفكير في كم الكلاب المسعورة التي تنبح خلفك ... مشاكل العمل ... لقد تأخر صرف الرواتب ومرور الشهر دون جزاءات لمعجزة حقيقية .. كم أتمنى ألا أحرم من الحوافز ... والايجار ..تبا !!.. هذا الأخير يتزايد كل عام ...والأسعار الملتهبة .. ستفسد معادلة التوازن بين النفقات والموارد ... فهذا يزيد .. وهذا يقل .. (الجيبات في الطالع والبنطلونات في النازل) .. من الشاعر الذي قال هذا البيت المشبوه؟ ... ذكرني أن نشتري ملابس للأولاد ... لماذا تزوجت؟ ... ان متطلبات المنزل تلتهم الوقت والجيب بشراهة... ميرام صارت مزعجة لحد غريب .. ترى أين ذهب هذا الحب القديم؟... هل انطفأ.. أم هدأ .. أم أن الواقع كان أقوى من شعلته المقدسة؟ ... ربما هي تعيسة ... فقط لو تبتسم بنت الكلب هذه لحطمت العالم من أجلها ... ربما أنا أيضا لم أعد ابتسم ... لماذا أشعر نحوها بالذنب والسخط في آن واحد؟ ...لقد فرغ الوقود من محرك حياتنا ... كدت أنسى ... سيارتي ليست على مايرام ... أين تجد الميكانيكي الذي يقوم بالمطلوب دون نصب أو جشع؟ ... عاطف يفهم في تلك الأمور .. تلك فائدة الأصدقاء ... فقط تضايقني نظرة التعالي تلك التي صار يملكها بعد الترقية... ان المسئولية قد تصنع بداخلنا وحوشا غير قابلة للترويض... أنا أعلم .. لكن ماذا عن الصداقة؟!... حقا .. ان صديقك الوحيد الحقيقي في هذا العالم هو أبوك ... اللهم أشفيه وارفع عنه ...هوووووب .. لقد انتهت الصلاة قبل أن أدرك .. السلام عليكم ورحمة الله

وعندما تخرج ... تكتشف أن الكلاب قد تركتك ..وأنك رغم كل شيء لازلت قادرا على الاستمتاع بالحياة... تعتبر نفسك متدينا لحد ما ... فأنت تحافظ على الصلاة ... وتتحرى الكسب الحلال ... وتحجب زوجتك وبناتك ... وتكره الفحش والسفالة ... في الوقت ذاته أنت متفتح و(سبور) وترحب بالاختلاف ... لكنك لسبب ما تملك عادة قديمة عندما تصافح أحدهم للمرة الأولى... تتفحص يده من طرف خفي

بحثا عن الوشم اياه طبعا

________________________________

يضحك الحسيني بسخرية وهو يعابث أصابع قدمه

أول مرة شاهدت فيها رجلا أشقر .. حسبته جاسوسا .. كنت في العاشرة حينها... ظللت أراقبه كأنما هو كائن فضائي ... كل حركاته تحمل غرابة من وجهة نظري ... وهو يتكلم ويأكل ويتمخط في منديله ... يالله !!.. كل هذه الشفرات والرسائل المستترة خلف البساطة ذاتها !؟... شعرت وقتها أنني (رأفت الهجان) ذاته ... وبحثت بصدق عن (محسن بيه) .. لأن الأمر أكبر مني ... ان مصر في خطر ..ولا بد أن يطلق أحدهم صفارات الانذار ... وعندما كبرت ..عرفت أي هراء كنت أعيش ... منذ أشهر قليلة عندما كنت خارج البلاد ..جلست في مطعم بالقرب من شاب يرتدي تلك الطاقية اليهودية المضحكة الشبيهة بقصرية مختزلة ... رائحة يهودية قذرة تفعم المكان ...تظاهرت باللامبالاة ورباطة الجأش لكن خاطرا مرعبا ملأ كياني .. يمكنني بالخطأ أن أشرب من ذات الكوب الذي كان يشرب منه .. وآكل من طبق أكل فيه قبلا ... هذه الفكرة جعلتني أترك المكان ... كأنني سأتحول أنا أيضا الى يهودي يرتدي القصرية ذاتها اذا لمست ماكان يلمسه قبلا .... كأنها عدوى باللمس ... الشيء الذي ضايقني حقا .. هو أن هذا الوغد كان يتفاخر بالقصرية علنا ...

كيف يجرؤ؟!!

______________________________

الساعة 11 ونصف صباحا ... حتى عند عرض أخبار التاسعة

دعك من التلفاز ... ان فضاء الانترنت الرقمي يكفل لك حرية أرقى بمراحل ...أكثر تشعبا وتعقيدا من قنوات موحدة الارسال والمنهج والرأي ...

سآخذك معي الى أكبر خدعة مارسناها على الويب ... خدعة الشخصية البديلة

النيك نيم ... شخصيتك الأخرى الرقمية .. ذات البروفيل المصور والبيانات المختارة

فيس بوك ... فيس أوف...

الخدعة المضحكة التي تراها جلية عندما تتأمل حقا ماخلف صفحات المنتديات والبلوجات والميسينجرات .. تأمل بدقة الأسماء والصور والتوقيعات لترى الخدعة الأعظم على مر التاريخ

في الفضاء الرقمي .. الكل فاضل وجميل ... الكل ساخر وغامض وعميق التجربة وحزين لأنه وحيد لم يجد من يفهمه لذا قرر أن يتحول الى شبح يهيم في فضاء الانترنت بحثا عن شيء يعلن مرارا أنه لن يجده ابدا

الكل يكره التسلط .. والاحتكار .. والكليبات التافهة ... والتحرش الجنسي ... والتمييز العنصري ... والتعصب

الكل يحب الفضيلة ... والخير ... والزرع الأخضر ... ويفهم الجمال ... ولابد أن هؤلاء الذين يعشقون القبح والفوضى والدمار هم آخرين من خارج هذا العالم ... هؤلاء الذين يملئون الدنيا صخبا وهلسا ويجوبون ممالك الليل كمصاصي الدماء

لكن اللعنة الحقيقية التي ذابت تحت جلودنا ..هي أن كل واحد قد استقر في غرفته الزجاجية معزولا عن الآخرين ... محاصرا بين السماعات والمايك والشاشة الساحرة الملونة ليمارس متعة الكلام عن الآخرين مرتديا اللباس المميز لهويته السرية ... تلك الهوية التي يحارب بها هزائمه المحتملة في عالم الواقع .. ويهرب بها الى نصر رقمي جديد

ثم يبحث عن أشباهه في هذا العالم .. وعندما يلتقون يصنعون معا مايعرف بالمجموعة أو (الجروب) ... ولأن الطيور على أشكالها تقع فان أفراد أي (جروب) في تزايد مضطرد ... تجمعهم رغبة أكيدة في اجتذاب المزيد من الاتباع , والبحث عن القوة والأفضلية .. ومن ثم تظهر الصراعات بين (الجروبات) لاثبات تلك الأفضلية ... و يبدأ تراشق الكلمات .. والاتهامات .. والحجارة

وفي (جروبك) .. تستمد قوتك الحقيقية من دماء الآخرين .. أن يكون الغربي عاهرا لأنك عربي ... أن يكون الخليجي عربيدا لأنك مصري... أن تكون النساء ناقصات عقل ودين لأنك رجل صارم كثيف الشعر لاأكثر ... أن تكون أهلاويا فيكون الزملكاوي كسيحا ... أن تتبرك بأولياء الله وتتحفز عندما تقرب الكنائس ... أن تكون مؤمنا فتكره الكفار ... وتكون سنيا فتكره الشيعة ... وتكون ملتحيا فتكره الفرافير حالقي اللحى ... وتكون أنت ..... فتكره من سواك

دوائر أصغر..... فأصغر ..... فأصغر

وفي أضيق حلقات الدائرة ... أنت معزول ... كأنك أمام شاشة كمبيوتر بين السماعات والمايك والشاشة الساحرة الملونة .. الوقت لايمر .. والساعة دوما 11 ونصف صباحا .. ربما لأن هذا هو الوقت الذي توقفت فيها ساعتك آخر مرة وأنت تتأمل الآخرين من خلف زجاج النافذة

ارفع علمك عاليا ... وردد بقوة مع (جروبك)

بيييييب بيييب ... أهلي ... المصريين أهمة... مصر دي بلد رقاصين ... ديني أحسن من دينك ... المجد لماركس... أكيد حرمة هي اللي سايقة ... كلنا ليلي ... ( ياسيدي قول كلنا لها)...حد مايحبش أم كلثوم ,القريب منك بعيد؟ (البعيد مابيفهمش) ... شعبولا هو الحل.. أنا وطني .. (وأنا فودافون)... اقف عندك , انت معانا ولا مع الناس التانيين؟ ... أنا معاكم ... أمال شكلك غريب كدة ليه ؟... ماغريب الا الشيطان .... قصدك تقول ان انت الشيطان؟

ياللسخرية ..!!؟ .. لقد تشابهنا من حيث قررنا الاختلاف !

___________________________

يقول الحسيني وعيناه تشتعلان بذكاء مهلك

أتعرف ماهي أقسى حقيقة عرفتها؟ ..أحيانا يكون أكثر الناس تعصبا هم دعاة نبذ التعصب أنفسهم.. لأن فكرة التعصب لديهم تتحول مع الوقت الى هاجس يملأ كيانهم ... أغلب الدعاة لقضية التمييز ضد المرأة مثلا .. يتصلبون تماما ازاء مايمس المرأة.. ويتحدثون باشمئزاز عن (الثقافة الذكورية) ... ويتعاملون مع مفردات هذه الثقافة باعتبارها غزو صريح لمملكة الأنثى الحصينة ... لاتكن قاسيا ... أعتقد أن البديل الوحيد المتروك أمام المرأة في هذا المجتمع العنصري هو ممارسة نفس العنصرية في الاتجاه المضاد دون وعي ... ان هاجس الفكرة يتحول بالتدريج الى هوس يجعلهم طوال الوقت متحفزين ضد هجمات الآخرين المحتملة وهم يتحسسون مسدساتهم من أسفل المنضدة الأنيقة

ان اللعبة لعبة أعلام وفرق لاأكثر ...

صارحته بأن آلام المثانة صارت لاتطاق ..وأنني أحتاج لفعل مايفعله الآخرين في هذه الظروف ... ينظر لي بشفقة

وساكت على نفسك ليه؟

يخرج مفتاح الغرفة من أسفل وسادته ويلقيه الي متابعا

اقفل الباب وراك ... نفسي أنام من غير ما يقولولي فيه حالات في الاستقبال .. الله يلعنهم

أغادر زنزانتي الوهمية في سكن الأطباء وأتفادى الأرضية المبللة التي يمسحها العامل العجوز بالخارج ...أصارح الحسيني بأنهم لايستحقون اللعن... لكنه لم يعلق ... وأدار رأسه للجهة الأخرى

أطفأ سيجارته ال257 ... وغط في نوم عميق

Thursday, June 26, 2008

كارثة المترو

أحداث هذا البوست , خيالية والعياذ بالله
________________________

مطلوب رجال أمن ...0

بهذه العبارة الملطوعة بجوار شباك التذاكر .. استقبل المواطنون يومهم العادي , وهم يتجهون ببطء لقطع تذاكر المترو ...0
الحقيقة أنني - ومن موقعي كهذا كسائق عربة - صرت أتعامل مع كل مايخص العالم الخارجي (خارج العربة) بنفس المنطق الذي يتعامل به الأمريكان مع مايحدث في العالم خارج حدودهم الجغرافية ... تماما كجزيرة معزولة .. التوقف .. السير البطيء ... السير المتهور الذي يرج العربة رجا ... الفرملة .. التوقف .. فتح الأبواب و وانتظار بضع ثوان للتحميل .. كل ذلك صار روتينا يبدأ وينتهي عند نفس النقطة ... تلك التي لاتعلم بدايتها من نهايتها ولاتعلم ماهو الحدث الذي بدأ تلك الدائرة الطويلة الأبدية... تماما كما تجهل لمن كانت الأسبقية في الدخول لهذا العالم ..الدجاجة أم البيضة...0
"الأستاذ المحترم اللي ماسك الباب "
بصرامة أردد في مكبر الصوت لافتا نظر الراكب الممسك بالباب مانعا اياه من رحلة الانغلاق .. ربما يفعلها بدافع الشهامة .. بدافع الاستظراف .. دوافع لاتهمني في الوقت الحالي , ولايعنيني منها سوى أنني لاأملك متابعة السير وهو يعيق الباب بانتظار مرور مصر كلها لاتخام العربة

أنور السادات .. جمال عبد الناصر ... أحمد عرابي ... مبارك

يالله!!! متى يغيرون أسماء المحطات من باب دفع الملل على الأقل؟!0

(مطلوب رجال أمن)

انعزالي في عالم الطريق المرسوم ولوحات المحطات والأزرار والأنوار الملونة جعلني أرجيء رؤيتي لذلك الاعلان لحين فترة المساء والسهرة ... أعني بالتحديد تلك اللحظة التي أقرر فيها أن رحلة العودة للمنزل قد حانت .. وأنني صرت حرا خارج قيود قضبان المترو ... لطالما أحببت المناوبات المسائية ... عالم الليل لازال هادئا مريحا تدعمه الأنوار الصناعية الزاعقة بعيدا عن حر الشمس وزحام الناس المحموم لللحاق بأعمالهم ... في الصباح يكونون أكثر قلقا , أقصر فتيلا , أكثر سعارا بفعل الضغوط التي يولدها الحر .. والشمس .. وعقارب الساعة المتحركة ببطء نحو موعد الامضاء في دفاتر الحضور
(مطلوب رجال أمن)
في الفترة السابقة .. بدأت تزداد المعارك على بوابات المرور ... لازال الناس يحاولون التحايل على بصيرة المراقب ويفرون من قطع التذاكر ... البعض يستغل العابرين في أمان الله .. ويلتصقون بهم في لحظة المرور ليصيران كائنا واحدا ... رجل برأسين وأربع سيقان وخصرين ملتحمين التحاما مهينا... وعندما يعبر هذا الكائن الغريب الضفة الأخرى بنجاح , ينفصل الى اثنين من بني الانسان يقوم أحدهما بالاعتذار للآخر ويهرع للحاق بالعربة الموشكة على الرحيل
"لامؤاخذة ياأستاذ"

الجمهرة أمام الأبواب الاكترونية تعني أن أحدهم قد ضبط وهو يحاول التعامل مع البوابات كما يفعل الرياضين في سباق الحواجز

"عشرة جنيه يامحترم"

الغرامة الفورية عقوبة لابأس بها أبدا ... الغرامة بعشر أمثالها ... الرجل المضبوط يهلل ويقسم بأغلظ الأيمان أن التذكرة قد انحشرت في الجهاز وغاصت في أحشائه للأبد ... لكن المراقب المتحمس يجيد معرفة الكذب ويجيد تشخيص الأجهزة الشفاطة للتذاكر ويجيد تكرار الردود بشكل أكثر غلظة

"عشرة جنيه ياأكتع"

هذه المشاهد مألوفة متكررة لحد الملل ... وكان الاعلان عن الحاجة لرجال أمن لفتة طريفة من ادارة المترو لمحاولة السيطرة على محاولات التزويغ الناجحة من فخ التذاكر والغرامة والمراقب العريض

لكن الأكثر طرافة .. هو مابدأ يحدث في الأيام التالية

يخبرني رفاقي في المناوبات الصباحية (بحكم أنهم أقوى ملاحظة وأقرب لزحام الأحداث) بنتائج الاعلان ... أناس عاديين بمختلف المؤهلات بدأوا يتقدمون للادارة طمعا في الفوز بتلك الوظيفة ... أنا متأكد أني لم ألمح عبارة مثل (مرتبات مغرية) مرفقة بالاعلان... المدهش والمضحك أن من بين من يتقدمون لوظيفة رجال الأمن بعض المضبوطين بتهمة التهرب من دفع التذكرة

زوبعة قررت أنها ستمر في صمت .. سأعتادها كما اعتدت اضافة الخطوط في مسار الرحلة .. واضافة التعديلات على العربات .. واضافة الضرائب على الجميع ... في الأيام التالية بدأت أرى التغيير بدلا من السماع عنه من مناوبي الصباح

للمرة الأولى منذ تسلمت عملي بالمترو .. وجدت رجال أمن بملابس رمادية وهراوات سوداء ..ينتشرون في كل أجزاء المترو .. على منافذ التذاكر .. بوابات المرور .. أبواب الدخول الخارجية .. وحتى عربات المترو
واضح ان الادارة لم تكن تمزح بشأن الاعلان .. بعد فترة تحدد الطاقم الأمني الجديد للمترو .. وتولى قيادته أكبرهم سنا (وأكبرهم جسما وكفا بالمناسبة) .. اسمه (الكابتن عويس)0

المثير أن العساكر التقليدين .. أولئك السمر الغلابة ممصوصي القوام ذوي الزي العسكري الأبيض قد اختفوا نهائيا , كأن مشروع المترو لم يعد تابعا للحكومة .. فقررت رفع يدها عنه

يبدو أن المترو قد تمت خصخصته أخيرا!!0

هكذا!! .. بدون اشارات .. أو تمهيد أو عرض على مجلس الشعب؟... هل صارت الأمور هكذا تدار ... في السكون .. دون ضجيج حتى لايعترض أحد ؟!!! 0

"ياخوفي يابدران ليكون الدور علينا"
شلبي , زميلي الخائف دائما يستعيذ بالله ويبصق عن يساره ويمينه من باب زيادة التأكيد

"محدش عارف الشيطان بقى بيقعد في أنهي جنب دلوقتي"

حقا !!..الى أين نذهب لو قررت الادارة الجديدة التخلي عنا ؟.... ماذا يكون مصيرنا ... ؟... هل سيستعيضون عنا بمترو يعمل بالعقل الالكتروني ؟!!0
لكن الأيام التالية مرت بهدوء دون أن تظهر أي بادرة أو مؤشر لأي تبديل سوى في الحراسة

وقد بدأت الاحتكاكات بين الأمن وجمهور الركاب بعدما اطمأن الجميع لثبات أقدامهم في المكان .. وبعدما منحت الادارة رجال الأمن الجدد والكابتن عويس صلاحية مطلقة للسيطرة الأمنية الكاملة على المترو وضبط أي مخالفات

"تذكرتك ياأستاذي ..؟"

واحد من المضبوطين على البوابات متلبسا بمحاولة المرور قفزا .. يستوقفه حارسان في ظفر .. يتلجلج الرجل .. ان داء الانحراف لن يتوقف حتى تقوم الساعة

"فيه غلط ... التذكرة مرفوضة والباب مابيفتحش ..."

"طب بس وريهاني .."

"ياعم بقولك مرفوضة ... انا رميتها"

"انا اللعبة دي كنت بلعبها زمان ياروح أمك"

يمسك أحد الحارسين بياقة الرجل بشكل مهين .. ويبدأ في اجتذابه بعيدا عن البوابات ليبدأ الرجل في الصراخ

"أوعى.... نزل ايدك دي..."

يتملص الرجل محاولا الافلات .. والعبارات الغاضبة تتناثر من فمه .. وجمهور الركاب يتوقف للحظات متابعا الصراع في شغف ... تلك أشياء لاتراها كل يوم ... يهوي أحد الحارسين على وجهه بلطمة ألقته أرضا .. بينما الثاني يتناول هراوته السوداء وينقض بها ليختم الجولة

ضربة واحدة كافية لكن الحارس يستمر بالضرب عدة مرات .. ونظرة غريبة تلتمع في عينيه...0

لابد أن صدى الشهقات والتحطيم قد وصل لأسماع الكابتن عويس ليقترب من دوامة الأحداث ... ينظر للواقفين ثم يمسح المشهد بعينيه لتحليل الموقف ,ويتأمل الجسد المحطم النازف أرضا .. ينحني بجواره ليردد

"طول ماأمثالك موجودين عمر البلد دي ماهتنضف "

يأمر رجاله بطلب الاسعاف ... ثم ينظر لأكوام البشر المتناثرة في صرامة ليصيح

"يلا ياأفندية .. كل واحد يشوف مصلحته فين"

هؤلاء العساكر المتحمسين يشاهدون الكثير من الأفلام الأمريكية العنيفة ... لازالت آثار الدماء المخيفة على الأرض تغري بالتساؤل .. ماذا أفعل لو كنت مكانه؟ ... أين يذهب حقي؟ ... لا ...أنا لن أفعل هذه الأشياء المخزية .. ان الجنيه الذي تدفعه لثمن رخيص عندما تشتري به كرامتك

أشهد أن سيطرة الكاتن عويس ورجاله كانت فعالة في الحد من ظاهرة التزويغ .. لكن ... كم حادثا تحتاجه كل محطة من محطات المترو كي تندثر الظاهرة نهائيا ..؟!0

كان هذا هو الحادث الوحيد الذي رأيته رأي العين ... لكن كلاما يصلني من العربة خلفي مباشرة يؤكد لي الحقيقة ...

هذا ليس الحادث الوحيد ...0

أتذكر منظر الدماء .. ويقشعر بدني ... ثم أتناسى الأمر مرددا الشعار الوطني المحبب

مادام بعيد عن ......... كابينتي .. خلاص ...0
______________________________________

ثمة حارس جريح فاقد الوعي شوهد ملقى في الحمام وقد فقد عصاه

من يجروء؟!!0

لماذا سرقت العصا ؟!! .. ولماذا ضرب الحارس بتلك الوحشية ؟!!0

ثارت ثائرة الكابتن عويس ... ثمة تصعيد قد حدث ... ان من يضرب واحدا من رجاله هو رجل قررت شمس الغد ألا تطلع عليه .. لسوف يأتي به الكابتن عويس .. سيلتهمه كآكلي البشر الجوعى ,ويسترد هيبة جهاز الأمن في المترو ..... يتوعد ويهدد .. وينظر للناس نظرة شريرة .. كأن المجرم واحد مندس وسطهم .. ثم يذهب الى أحد المكاتب ... يغيب بداخله لدقائق ويخرج بعدها بنظرة توعد غاضبة ليقول
"اقفلوا المترو... خلاص .... مفيش ركوب .. مفقيش مصالح ..مشاوير النهاردة ... بح"

يذكره رجاله بأن اغلاق المترو واخلاؤه من رواده قد يكون عملا لاينطوي على الحكمة ... تضيق عيناه أكثر ليردد بحزم

"ومين قالك هانخلي المترو؟"

ينظر للجمهور المزدحم أمام البوابات ليكمل

"احنا هنقفل المترو ع اللي فيه"

لقد جن جنون الرجل ... وبات يتعامل مع الأمر كسرقة محل المجوهرات التي شاهدها كثيرا في الأفلام ... ان اللص بيننا وبحوزته جوهرة نجمة الصباح والتفتيش المنظم سيجعل وقوعه في أيدينا مسألة وقت

يغلق المترو؟!!!!0

كيف يفكر بالظبط هذا المخبول؟!!!0

لكن الدقائق التي مرت أكدت أنه جاد بدرجة كافية تسمح له بتنفيذ جنونه ...0

في سابقة فريدة توقفت عربات المترو في كل المحطات عن العمل في فترة الذروة ... ونزل الناس من العربات متسائلين بشأن ذلك النداء الذي خرج من مكبرات الصوت

"حضرات الركاب برجاء النزول من العربات ... حضرات الركاب برجاء ترك العربات"

الناس في حالة عدم وعي ... أكثرهم تفاؤلا ينتظر بالقرب من الباب باعتبار المسألة مسألة دقائق يعودون بعدها للنظام الذي ألفوه منذ عرفت أقدامهم طريق المترو

لكن الصدمة المباشرة كانت من نصيب أولئك الذين قرروا الخروج لسطح الأرض

كانت البوابات الخارجية مغلقة تماما

صار المترو سجنا كبيرا يضم التعساء الذين تصادف وجودهم داخله في ذلك الوقت

رجال الكابتن عويس يدورون بين الجمهور ويجردونهم من متاعهم ويفتشونها في غلظة ... ان هدفهم مجرد عصا سوداء يحملها الفاعل الشقي

اشتباكات جسدية صريحة بين الحراس والجمهور ... والضرب والصراخ صار مألوفا بعد ساعات

هذا اليوم لن ينتهي أبدا

بنشاط بالغ ينتقل الكابتن عويس بين المحطات ليصير هو الراكب الوحيد في المترو الذي يستطيع الانتقال بين محطة وأخرى في دقائق معدودة مهما بعدت المسافات كلما أبلغه رجاله بمشتبه فيه تم ضبطه في محطة ما... كنت تقريبا السائق التعس الذي انفرد به الكاتن عويس في أغلب الأوقات .. لنجري في عالم ماتحت الأرض .. في الممرات المظلمة الطويلة
صارت خطوط المترو مسخرة بالكامل لخدمة رجل واحد ألهبه الغضب الحيواني المسعور

الحظ السيء هو ماجعلني أتوقف في نفس المحطة التي تواجد هو فيها لحظة اصداره القرار المتهور

مرت ساعاتان دون أن يتغير الوضع ... واعتراضات الناس ... تحولت مع الوقت لهمهمات معترضة غير واضحة المعالم ... وآخرين يئسوا من الاتصال بكبار البلاد الذي يعرفونهم في الخارج ... ان من يحتاج لوساطة .. لن يحصل عليها الا من داخل المترو

" يابخت من كان الكابتن عويس خاله"

الصوت المتحشرج يتصاعد من لاسلكي الكابتن عويس .. لتتضح معالمه بعد ثوان

" مشتبه فيه في محطة العتبة ياباشا"

__________________________

أحيانا أخاف من نفسي عندما أراقبها تتمادى في الخطأ بحجة تنفيذ الأوامر العليا .. ولو كنت أملك حق الاعتراض .. لفضّلت ترك العربة

__________________________

أوصلت الكابتن عويس لمحطة العتبة ... وسمحت لنفسي بالنزول لرؤية المتهم المضبوط
كان رجلا متوسط العمر قصير القامة أميل للبدانة .. يمسك بحقيبة رياضية لبنية اللون ويقف مقيدا وسط حشد من الحرس الظافرين .. وأحدهم يمسك بالحقيبة ليناولها للكابتن عويس الذي التقطها برصانة وقلب محتوياتها ليستخرج منها (ننشاكو) أسود اللون .. تأمله لدقيقة بين يديه بنظرة مستاءة ... ان رجاله البهائم لم يعرفوا الفارق بين الننشاكو الصيني والهراوة السوداء التي تسلموها في يومهم الأول .. لكنه لوّح بالأداة المضبوطة في وجه القصير ليقول

"شنطتك دي؟"

"انا عايز أعرف انتوا ماسكيني ليه"
ان كل ماكان يهم الكابتن عويس في تلك اللحظة كان القبض على المعتدي المجهول .. لا البحث عن أسلحة مشكوك في هويتها

"انت مش عارف ان شيل السلاح ممنوع؟"

"دة مش سلاح سعادتك"

يمسك بطرف الننشاكو .. ثم يطوح فجأة بالسلسة المتدلية في نهايتها ليوجه بالطرف الآخر صدمة موفقة لخصية الرجل وهو يصرخ

"سلاح دة ولا مش سلاح؟!!0"

يحتقن وجه القصير ويهوي أرضا ممسكا بضاعته الغالية في ألم مخيف .. يقول بصوت ممزق

"دي مش حاجتي ... دي شنطة ابن أخويا ... هوة مستنيني برة"

يشير له الكابتن عويس في تعالي

"قوم على حيلك ... قوم"
القصير المرمي يجاهد لالتقاط أنفاسه .. ثم يشير الى الحقيبة ويحاول اتمام جملة مفهومة

"ال..البخاخة ... أبوس ايدك ... حسا...أنا عندي حساسية"

" والحساسية دي بتجيلك من الخضة؟"

لازال الرجل عند ساقه يتوسل ويحارب للتنفس .... واحد يقترب من الجمع ليقول بلهجة خطرة

"ياجماعة الحقوه .. صدره قفل ... دة عاوز مستشفى"

ينظر له الكابتن عويس بصرامة

"انت ابن أخوه؟"

"لأ ... بس.. "

"خليك بعيد أحسن"

القصير يشير بيده في ضراعة .. وصار تمييز كلماته أصعب وهو يردد في ضراعة

" البخاخة .. أنا في عرضك"

بدأ الجمهور يقترب .. وبعض النسوة شهقن وهم ينظرن للرجل ... لست أكيدا من سلامة عيني .. لكني أرى لونه يتحول للأزرق ... الأعين المتسعة تحدق بالرجل ثم تنتقل للكابتن عويس

ياجدع اعمل حاجة الرجل هيموت .... انتوا أرواح الناس ببلاش عندكم ؟!!... ياناس ياعالم ... عايزين دكتور... انت بني آدم عديم الاحساس .. يالهوي دة بيموت!! ... يلعن أبوكم انتوا ايه؟!!!0 ...

العجيب أن واحدا لم يتحرك للنجدة ... واكتفوا بالتوقف والمراقبة والاستنكار .. ولدقائق نسيت أني تحولت الى متفرج معهم .. بلا حركة أو فعل .. أنتظر من أحدهم فعل شيء ما .. أي شيء ... انقاذ الرجل المريض ... الهجوم على الكابتن عويس ورجاله ... تحطيم أبواب المترو المغلقة .. أي شيء .. أي شيء ... مشهدنا ونحن نتأمل الموقف بعيون منبهرة أعلمني بشيء واحد ..0

ان الرجل الذي سينقذنا .. لن يأتي أبدا...لأنه ينتظر معنا

ببلادة نتابع المشهد ... الرجل يتهاوى ويزرق أكثر .. والكابتن عويس يقف أمامنا عاقدا ذراعيه في ثقة ...والحرس ينتظرون الأوامر دون أن يبدوا على ملامحهم الى أي الفرق ينتمون... ونحن نتساءل .. هل مانراه أمامنا .. يحدث حقا؟!!0
يلقي الكابتن عويس بالننشاكو أرضا .. ثم يجول ببصره في الجمع بنظرات حادة ازاء نظرات الناس الغاضبة المتهمة .. يشير لي ببرود قائلا
"ارجع على رمسيس ياأسطى"
اللحظات التي تقضيها واقفا أمام قنبلة موقوتة تمر كصورة بطيئة ... وهنا لاتدري موقع القنبلة اذا كانت هي الكابتن عويس بلهجته الآمرة , أم الجمهور الغاضب ... اتراجع للعربة .. وافتح الأبواب ليدخل الكابتن عويس نظرات الناس لاأدري اذا كانت تطاردني أم تطارد الكابتن عويس .. لكني أكره البقاء معه في سلة واحدة ... الناس يقتربون من العربة المفتوحة .. يحاولون الدخول لكن الكابتن عويس يصيح بهم في صرامة
"مكانك .. كل واحد يفضل مكانه"
أغلق الباب مستعدا للانطلاق .. انظر للمشهد من جديد .. الرجل المريض لازال يصارع بعد أن ناوله بعضهم البخاخة ... يحاول التقاط أنفاسه بلا جدوى ... بعضهم يصوب نظرات حقودة الى العربة .. وحركة شفاههم أعلمتني أي الشتائم يطلقون ... الكابتن عويس يطرق الزجاج الفاصل بيننا ليردد
"ماتطلع .. احنا هاننام هنا؟!!0"
أعرف أن رجوعنا للمحطة الرئيسية لن يكون النهاية ... سيكون بداية متجددة لحدث متكرر ... الكابتن عويس سيجوب المحطات .. والناس ستنتظر حتى يجد بغيته .. أو تهبط الرحمة في قلبه
أنظر للأزرار ... هذا الرجل سيمضي في سحقنا جميعا دون أن يطرف له جفن ... بحكم منصبه ... بحكم مسئولية تأمين المترو ربما ... بحكم كل هؤلاء الحرس المنتظرين في خدمته ... بحكم السيطرة الممنوحة بلا حدود
أتطلع للأزرار مليا
السيطرة .. هي كل شيء
طرقات عصبية على الكابينة ولهجة الكابتن عويس الحاسمة المستفزة تغمر حواسي لأغرق في احساس كريه من الجبن .. ورهبة الصوت العالي , والاحساس بالعجز والضآلة .. آخذ شهيقا .. أقترب من مكبر الصوت بالروح العدوانية المفاجئة التي أشعلها الضجيج
"الأستاذ المحترم اللي بيخبط ع القزاز"
وقبل أن يستوعب الكلمة .. كنت أضغط الزر الصحيح من البداية
زر فتح الأبواب
تفتح جميع الأبواب أمام الجمهور الذي توقفوا لدقائق محاولين فهم حقيقة الموقف بعد ان اعتادوا البقاء في المحطات .. الكابتن عويس يطرق على الزجاج في غضب استحال جنونا مع مرأى الناس تقترب من مدخل العربة
"اطلع ياحيوان ... بقولك اطلع ... مكانك انت وهوة"
الناس الواقفين على وشك الدخول يرمقون الكابتن عويس بذات النظرات الغاضبة ... شيء غامض يمنعهم من ركوب العربة .. صراخ الكابتن عويس .. تلويحه بالعصا ... حالة من عدم التصديق ... ينظرون لبعضهم البعض .. كأنهم يدعون بعضهم بعضا للدخول .. يقترب الكابتن عويس من الزجاج الفاصل بيننا ويطرقه بعصبية بهراوته السوداء .. الزجاج يكاد ينهار من شدة الضربات ..ينتوي الدخول للعربة للفتك بي ... الزجاج يتشقق أكثر وأكثر ..يصرخ بأعلى صوته في جنون كامل
"اقفل الباب بقولك .. اطلع ....
......اطلع
....اطلع"

Tuesday, January 15, 2008

الاغواء الأخير للعنتبلي

.d;في احتفال بسيط ... توّج العنتبلي مديرا عاما للشركة الوطنية لانتاج البلاستيك
___________________________

يقول العنتبلي في أوراقه المخفية :-0
يومي الأول في مكتب المدير
لم يتغير روتين الحياة كثيرا بعد منصبي الجديد ... لازلت اسير في ذات الطرقات بين نفس المكاتب ... فقط يختلف تصميم الكرسي الذي اجلس عليه وتتسع مساحة الحجرة لتتساوى مع اهمية الموقع الذي احتله

بدأت حياتي العملية موظفا عاديا بالشركة ... الترقّي مجرد عملية ديناميكية خاضعة للوقت وبعض الجهود والتزكية ... هي حتمية كالقدر مالم تصطدم بالمشيئة الادارية ... وكانت المشيئة الادارية تعمل لصالحي ... وهي التي جعلتني في قفزة مفاجئة نائبا للمدير السابق وذراعه اليمنى متخطيا بذلك رقابا كثيرة طالما لمحت في عيون اصحابها , الغلّ والتربص ... ثم اتت مشيئة اخرى اعلى ... المشيئة الالهية , عندما لقي المدير السابق مصرعه بين انياب الماكينات الجديدة التى سعى بنفسه لتطويرها املا في النهوض بانتاج الشركة

حادث مؤسف ... خفف قليلا من صخب الاحتفالات المعهود احتراما لذكرى العزيز الراحل .. وجعلني في ذات الوقت مديرا ومتحكما .. ومقررا لذات المشيئة الادارية التي اتت بي يوما .. اعطي وامنع ..اكافيء واعاقب ... سلطة مخيفة .. محت نظرات التربص التي لمحتها من البعض , وأتت مكانها بنظرات الاحترام والتبجيل المحلاة ببعض الرياء ... رياء لااخطيء تمييزه , لأنني اتوقعه .. ربما .. ولأنني كنت يوما ما .. واحدا من هؤلاء...لذا افهم جيدا مشاعرهم وخواطرهم ومايحدث تحت جلودهم الخشنة

لم يتغير روتين الحياة كثيرا ... لكن رؤيتي للحياة وللاخرين هي التي اختلفت

_________________________

المتجه الى الخزينة يلزم اقصى اليمين ... المتجه الى مكتب العنتبلي يلزم الأدب
تحديات الادارة ... قائمتي مزدحمة بالأعباء والأعداء ... ذهني منشغل بمحاولة التوازن والبقاء اكثر من انشغالي بسير العمل في الشركة ... ممارسة السلطة شبيهة برياضة ركوب الأمواج لممارس مستجد , المهم في الأمر الا تبدو مستجدا لأنك ستسقط مع اول موجة تثير صيحات جمهور الشاطيء .... بدأت في وضع الخطط وتنفيذها طمعا للتفرغ فيما بعد لرخاء الشركة

كانت اول خطوة هي اكتساب الارضية ... النعم الادارية تذيب الاحقاد , تصنع العبيد ان شئت ... الترقيات والمكافئات لاتكلف جيبك عبئا ... بعد ذلك تصير لقراراتك القادمة شرعية على ارضية جماعية مؤيدة ... ومن هنا اصدرت ثاني قراراتي .. تكهين الماكينات الجديدة ... العاقل من اتعظ بسلفه ... انا بصدد شراء ماكينات اخرى اكثر امانا فور ان تستقر الأمور بالشركة ... يمكن لمسيرة الرخاء ان تنتظر قليلا

كنت ارى بعين الطائر مايدور في المكاتب المعزولة خلف اكوام الملفات القديمة ... رشاوي .. عمولات .. اختلاسات ... دعارة وظيفية متكاملة .. دعارة , اعلم جيدا افرادها المنظمين,واشم رائحة فسادهم كالعرق .. ..كأكياس القمامة ... في المكاتب المعزولة بين اكوام الملفات القديمة .. حيث يتراكم الموظفون في ظلام الشقوق بعيدا عن نور الرقابة .. وبخيوط الفساد اللزجة .. يبنون بيوتهم ومخابئهم ... مملكة كاملة بين الجدران .. في المكاتب المعزولة خلف الملفات القديمة .. كثيرون .. كحشرات مختبئة في ركن بعيد .. تهاب الاقتراب منه خشية اللدغات ... لدغات لن تقتل .. لكنها لن تجعلك سعيدا

ومن هنا ظلوا يتراكمون .. ويتعاظمون .. بل ويتكلّسون .. تماما كجير الاسنان .. وصارت مملكتهم شبه منيعة على الاقتحام ... ومن هنا نشأت بيننا معاهدة غير مكتوبة .. بالا يتعدى عفنهم .. عتبة شقوقهم ولايتجاوز صدى فحشهم حد الهمس...هم ايضا حفظوا العهد.. فضمنوا البقاء ... وتظل اياديهم الموافقة وصيحاتهم المؤيدة مضمونة في صفي استخدمها لمصلحة الشركة.. خلا واحد او اكثر .. يتجاوزون الحد الامن .. فيسحقهم نعل القانون كالصراصير .. ومن اشلائهم يتصور الجميع من خارج اطراف اللعبة ان العدالة لاتعاني من عطب .. وانها تعمل بكفاءة ممتازة

قد لاتعاني العدالة من عطب .. لكن نعلها لايطال الشقوق
___________________________

انتبه من فضلك ... الشركة ترجع الى الخلف
لكن لاشيء يبقى مستقرا دون مشاكل على سطحه الهاديء .. ولا يوجد مدير دون مخاوف دائمة وهواجس خفية .. ولايوجد مايقلقني قدر الانهيار والسقوط ... لفترة توقفت عن النظر الى نفسي كفرد .. تتغير نفسيتي منذ مدة لتتواءم مع مشاعر التحكم والاحساس بالقوة الخارقة .. قوة القرارات والامضاءات والأختام .. لكن في لحظات قليلة خاصة جدا ... عندما يختفي المرؤسين , وتغلق المكاتب .. وتطفأ الأنوار .. اتذكر احاسيس البشر .. الفردية .. الضعف ... والخوف... لاشيء يجعلنا اقوياء قدر اناس تؤكد لنا ذلك ... .. تجعلنا نصدقه وتجعله يقينا .. لكني صرت مؤخرا استيقظ خلال فترات نومي المتقطعة على كوابيس .. ارى نفسي فيها وقد انسحبت من تحت قدمي سجادة الادارة .. اسقط كطفل تعثر من على عجلته المسرعة بينما جموع لاتنتهي من الناس تسعى خلفي.. تكرههني. تبغي قتلي ... وستفعل ذلك فور ان تصل الي .. وينتهي الكابوس ... ويتبقى الفزع , والعرق البارد

ازعم اني قدمت الكثير للشركة خلال فترة ادارتي ... اعتقد انها نهضت عن ذي قبل .. لكن السلطة والهم .. توأمان لايفترقان... والاحساس المستمر بأن من حولك لايرون ماترى .. لايشعرون بان الأمور أفضل .. هذا الاحساس يلازمني كرجفة الشتاء ... احساس يملأك بالكابة ... ويجعلك تعادي هؤلاء الذين لايعجبهم سير الامور ... صرت اكرههم , اكره تحفظهم وحماسهم المنطفيء عندما نتحدث عن انجازات الشركة ...و صار ضجيج الماكينات التي كهنتها يوما يعلو بصورة غريبة ... هاجس اخر يضاف الى قائمة الكراهية

ويبدو ان نفسيتي تنعكس على أداء الشركة... صارت الكراهية سافرة بين موظفيها. كأنما انقسموا الى فريقين متناحرين ... فريق المقربين , وفريق المبعدين .. فريق يفوز بالحوافز والعلاوات والترقيات السريعة .. وفريق اخر يلعن ماالت اليه الشركة ويعلن عن نفسه باستمرار في صندوق الشكاوي .. طعنات متبادلة بالاتهامات...وسباب بلغة ادارية محنكة ... فوضى ... احيانا يخيل الي ان الكل قد نسي عمله الحقيقي بالشركة وصار عمله الجديد هو اثبات الذات ... لم اعرف منذ الوهلة الأولى ان الصراع صراع بقاء .... لكن الامور تغدو اكثر وضوحا .. عندما يتحدث الموظفون باستمرار عن المرتبات الزهيدة .. وخط الانتاج المنحدر .. ويصرخون معلنين عن فساد زملائهم .. ويحاربون كمجرمين سعيا خلف مكاسب هزيلة يحسبونها نعيما مقيما

عندما يبلغون هذا الحد من الغضب والكراهية والسعار والرفض ... فهم يناضلون من اجل البقاء .. لأنهم اكتشفوا انهم في واقع الأمر ... يحتضرون
__________________________

لمن أترك كل هذا ....؟
شيء غامض جعلني ابقى على كرسي المدير ... ربما هو مزيج معقد صنعه احتراف الادارة ,مع ارضية ثابتة اجدت تخطيطها , مع خوف الموظفين المستمر من التغيير .. مما يجهلون ... مهما سخطوا وتذمروا ... لم يفكروا حقا في مدير جديد .. ربما لأنهم لايعلمون واحدا ... لم يعودوا يرون سوى السواد ... ولم تشم انوفهم سوى العفن ... ولم تعتد اذانهم الا على احاديث الخيانة والسرقة , ادمنوا عالمهم المقرف كما يدمنون سجائرهم بكل ماتفعل بهم من سعال ومرض ... امر غامض جعلهم يباركون استمراري مديرا لشركتهم الدورة تلو الاخرى

تبلى الكراسي .. وتشيخ الوجوه .. وتتحول الشركة امام عيني من مصلحة تدار .. الى بيت األفه وأحفظ أركانه ... ... احس خصوصية جدرانه وماتحويه من مكاتب وموظفين وملفات ... كأنما هي أشياء تمتلك بحكم الأقدمية وتنضم الى ميدالية المفاتيح ... الأقدمية تصنع الألفة
هناك أشياء تتم دون تخطيط ... كأن أبدأ في اصطحاب ابني الى الشركة ... يقضي بها الساعات يدور بين المكاتب ويداعب الموظفين ... كان مروره متقطعا في البداية ثم مالبث ان صار شبه يومي .. وقد شجعه الترحيب الحار , و الاحترام الفائق الذي يلقاه .. واحساس منطقي بهيمنة والده المطلقة على عالم الشركة
في البدء شجعته على الاقتراب من هذا العالم ... ومعرفة خباياه ... ثم بدأت بذرة صغيرة تنمو داخلي على استحياء ... كأنما ابغي ترك جزء من ذاتي في هذا المكان ... تشجيع الموظفين المقربين جعل الفكرة تختمر في رأسي وتصبح هدفا تصنع له القرارت ... من قد يدير شركتي افضل من واحد من صلبي ؟

قمت بتسريب شائعات في أرجاء الشركة بهذا الخصوص طمعا في جس النبض .. لازالت تصلني بكفاءة أحاديثهم الخفية ورفضهم , وحتى نكاتهم اللاذعة ...لكن الالحاح يصنع المعجزات ...ومايكرهه الناس اليوم , قد يقبلوه واقعهم غدا .. فقط اذا مادأبت على ترديده .. كأنما هي تعويذة سحرية تستمد قوتها من التكرار .. ورويدا رويدا , رأيت الموظفين يتحولون من الرفض المجنون , الى عدم الاستساغة , الى تقبل الواقع ببقايا سخرية .. صفقة أخرى غير مكتوبة عقدتها بينهم في صمت ... سيتركون لي القرار المطلوب .. وسأترك لهم سخريتهم ونكاتهم وثرثرتهم الفارغة بين المكاتب ..صفقة كتلك التي عقدتها يوما مع الفاسدين منهم طمعا في مزيد من الاستقرار

اليوم ... صار ابني واقعهم الذي لامفر منه

_______________________

الاغواء الأخير
شيء واحد اعتبرت نفسي عاجزا عن تحقيقه ... الخلود ... لاشيء يدوم للأبد ... التجاعيد, والشعر الأبيض , الارهاق المستمر الذي يداهمك عندما تبذل ذات المجهود الذي كنت تبذله قبلا دون أن تلاحظ ...انني حقا أشيخ ... ومعي تشيخ القرارت والأختام والعقلية الادارية الجبارة التي حسبتني أمتلكها

لازلت أسمع لهمس الموظفين خلف مكاتبهم ... يتحدثون عن الرحيل , والمدير المنتظر , يتصورون شكل المستقبل من بعدي ... كلامهم يصيبني بالمرض أكثر ... لا , ليست الأمور بتلك السهولة

حرصت على أن أبدو امامهم في أتم صورة وصحة ... أنا لاأمرض , ,لاأرهق , لاأشيخ ... أنا صورة دائمة الشباب .... صحيح أني لم أعد اظهر كثيرا أمامهم كالسابق ... لكنهم يعلمون أن العنتبلي دوما في مكتبه ... باق بالشركة ... يراهم من حيث لايشعرون
صورة ضبابية تتكون أمام عيني ... لم اعد ارى جيدا ... الصحة , والعمر ... تلك امور لاتصطنع ... الخوف ... لم يحن وقت الرحيل بعد ... لاأعرف عالما اخر احيا به سوى مكتب المدير ... لاأعرف زمنا ارغب في البقاء به سوى الأبد ,لأنني لم أعتد تغيير الأمور ... المرض والعمر ... يلتهمان المرء كلهب شمعة لم يبق من فتيلها الا الذبول

الخوف ثانية ... حديث الموظفين ثقيل مسموم ... ينتظرون كأنهم ضباع جائعة حول أسد مريض

مع انفاسي المتثاقلة ... بدأت اعرف الاغواء الأخير الذي قدمه لي كرسي الادارة بعد القوة, والتحكم , ولذة الرؤية بعين الطائر , الاغواء الذي يتراكم في النفس ببطء ... ليحولني الى ماصرت عليه الان ... شيخ يعجز عن ترك مكانه , يحارب لاثبات انه لازال حيا , وسيبقى

كالجدران والتاريخ واحجار الماضي ... سيبقى

كسليمان على عصاه يخيف الجان ... سيبقى

الاغواء الحقيقي ان تعجز عن ترك الكأس ... لأنك شربته حتى الثمالة
لازلت اسهر في مكتبي حتى وقت متأخر من الليل .. ذهني يتشوش اكثر , واعجز عن الرؤية دون النظارة التي أرتديها فقط عندما اختلي بنفسي , ورغم سمعي الذي يضعف يوما بعد يوم ...الا انه لازالت تصلني بانتظام همسات الموظفين , ونكاتهم ,و ضجيج مزعج صادر عن المخازن ... حيث الماكينات الجديدة التي كهنتها يوما

Friday, June 29, 2007

مطرقة العاهرات

الشيطان يكره الصابون
_________________________
ماجدوى النظافة في بيت يعشق الهباب؟
خاطر يومي غير مميز دار في رأس الممرضة سناء وهي تدخل غرفة ولديها قبل البدء بطقوس الايقاظ الخفيفة ... منظر الغرفة بكتل الملابس المتناثرة ارضا والأقمشة الخارجة كالأمعاء من بطن الدولاب يثير الغيظ , وأكيد هناك أعقاب سجائر زوجها ملقاة أرضا بالكنيف المدعو صالونا
ليه تطّفي في طفاية لما ممكن تطّفي ع الأرض؟
دقائق وتحولت طقوس الايقاظ الى عملية ارهابية مفزعة حافلة بالسباب والشلاليت ... قوموا يازبالين
لازال أمامها نصف ساعة قبل اعداد الافطار والسندوتشات وتفحص الثلاجة أملا في غداء متوسط المستوى ... تقطع نفس المشوار وتركب نفس المواصلة للمستشفى وتمضي في دفتر الحضور , وتتلقى توبيخا من رئيسة التمريض لأمر خائب , تتفحص الاّلات بالتعقيم , وتتشاجر كالعادة مع (ف . ف) عاهرة الطالبية .. البكر الرشيد رغم كل شيء لأنها تتحرش بأطباء الامتياز العذارى
وبتحب ايه بالضبط في هيفاء وهبي ؟
معظمها .. صوتها حلو الصراحة
صوتها!! (بنغمة خبيثة) شكلك هاتتعب معانا أوي
تشخط سناء في (ف) الجالسة ببجاحة أمام الطبيب ذو الوجه المحمر وتكرشها بصرامة من الاستقبال ... لهذا تنتعش الرذيلة وتتورد وينمو لها اجنحة لتحلق فوق رؤوس العباد , لأن الذين ينهارون بسرعة أمام اللحظ الفتان والقد الواعد المنبعج قد صاروا متوفرين بغزارة
__________________________
الشيطان له لحية
__________________________
يضحك الدكتور (ع) ويقول كلمة مازحة عن الشيخ سناء التي تجز أعناق الخطيئة ... الحقيقة أن كلمة الشيخ متسقة أكثر مع (ع) بذقنه العظيمة وعلامة الصلاة المستقرة بوقار على الجبهة كأنما تستند على شنبر نظارته الأسود السميك ... رائحة البخور والمسابح والمسك الأصلي تفوح منه باسترار بغض النظر عن عينيه الذئبيتين المنهكتين ولسانه السليط المحترف والحكايات الأسطورية التي يتناقلونها همسا في اقسام المستشفى اّخرها قدرته على تخصيب النساء بمجرد اللمس ... يقولون أنه اطلق اللحية ارضاءا لأهله تماما كما أصبح طبيبا ... ولهذا سيتزوج من قريبته المؤدبة المطلقة ذات العيال , ربما من العدل أن تكون له حياة سرية عربيدة ... لاضير مادام يحافظ على الصلاة والصلاة الوسطى ويصل الأرحام ويطيع الكلام
__________________________
الشيطان لايقرأ صحف المعارضة
__________________________

لازال الفناء الخلفي خاويا ويتحول بنجاح الى مقبرة لفضلات المطبخ ... المدير اللين المذعور دوما لايملك سوى توعد العمال وتجميل مدخل المستشفى بالرخام والخضرة والوجه العفش لرجال الأمن الصارمين المصابين بالضمور والضغط ... كله تمام , التنظيف مستمرعندما يأتي تفتيش الوزارة ... الأخصائيين في الاستقبال بالبالطو يبتسمون للزائرين بود ويرفعون ايديهم بشعار مطاعم كنتاكي (ايحاءا برقي الخدمة) ... جهاز رسم القلب الأخرس صار يعمل بكفاءة مفاجئة ... وسناء صارت عاجزة عن الحصول على اجازة لأن التفتيش يتزايد وحالة الطواريء لازالت قائمة ... المستشفى تلمع وان عانت من نقص في المحاليل والقفازات وابر الخياطة الحقيرة ناقلة العدوى والفناء الخلفي المغري بمزيد من القذارة , لكن توفير هذه الكماليات يأتي في المقام الأخير لمدير يهاب المفتشين الغلاظ الباحثين بنهم عن فضلات ملقاة أو عنكبوت في الزوايا أو مصباح تالف الحال , سيظل يقبل الأيادي الكريمة التي لاتمتد للأدراج المغلقة والعهدة المنسية والفناء المهمل
ربما تكون مشكلة المدير أنه لايريد حقا رؤية الفناء الخلفي
___________________________
الشيطان يأكل اللحم الميت
___________________________

ولابأس من الأحاديث الجانبية مع زميلات العمل الثرثارات بشكاوي لاتنتهي من المدير والمرضى والعيال واللطخ المقيم بالمنزل ... كتل مركبة من التعاسة ترتدي البياض وتشخط في الناس بعصبية طوال اليوم ... هناك شيء يتحطم يوميا في تلك النفوس ... تموت الأحلام عادة بعد سن الثلاثين ولايبقى سوى أشباح باهتة من كلمات جميلة ومشاعر دافئة ... منذ متى صاروا يقبلون واقعهم المزري ؟, أزواجهم اللامبالين غزيري العرق .. عيالهم الجاحدين كثيري الشكوى والبرابير ... عملهم الكئيب ومديرهم العويل ويد دكتور (ع) السافلة التي لاترحم ... ماأمتع جلسات النميمة الحافلة بالكلم الماجن والضحك الخبيث!! ... ضحك كالبكاء , لكنه كفيل بأن ينزوي الرجال والمرضى والمسئوليات الى أبعد زوايا المخ ... مالايقتلني يزيدني قوة ... لم تكن سناء مثقفة ولم تكن تقرأ سوى صفحة الحوادث وخاصة الحوادث ذات الصبغة الجنسية ... لكنها تدرك معنى هذه الجملة وتستشعرها تماما ... كل التنازلات التي قدمتها على حساب طموحاتها وأحلامها ... قدمتها بطريقة تدريجية كفتاة محترفة تتخلى عن ملابسها في ناد للتعري ... لكن أحدا لم يصفق مستحسنا تلك التنازلات .. بدا كانه أمر عادي .. طبائع الأشياء ... لست مميزة في شيء ... لست بطلة هذا الفيلم ... انت واحدة ككثيرات ... تعلمي كيف تعيشين اذا .... تعلمي كيف لاتنتظرين الرحمة لأنك لم تعودي تملكين قلبا يمنحها ... عندما كانت فتاة خجول تهاب الرجال وتسمع لعبد الحليم وتشبع عواطفها البكر في احتضان ابناء أختها الرضع وتحلم في الشرفة وهي تعبث بأطراف شعرها ... كيف صارت الدنيا هكذا ؟... تزوجت وأنجبت وقد مرت أجمل لحظات حياتها دون أن تثير الانتباه ... لقد سرقت الفتاة حتما ... سرقت .. مثلها كباقي المغفلين الذين استسلموا لحياتهم وظلوا يمارسون الحكمة على الاّخرين ... حكمة غبية لأنها بأثر رجعي ... غبية لأنها تمنح الاّخرين الحق في ممارسة سلطات أخلاقية عليها , علهم يشعرون بأنهم افضل ... 0
هناك شخص افتراضي تحمّله سناء دوما تبعات خيبة املها المزمنة ... الشخص الوهمي الذي تنظر له بغل ونقمة لتقول له بكبرياء غاضبة ... شكرا ... شكرا لأنك جعلتني اقوى
_____________________________
الشيطان يرتدي بذلة رسمية
_____________________________

يوما ما ... اتت عربة الاسعاف الشائخة لتلقي بفتاة منهكة الوعي مع رجل شرطة ضخم الشارب ليلقي بها في اشمئزاز على سرير الاستقبال ... الفاظ مختلطة سمعتها سناء من الشرطي وهي تجري بغير حماس لتركيب الكانيولا والمحاليل ... الفاظ من عينة ( محضر سكر ... عربة مسرعة ... محاولة اعتداء ... شباب وسخ) ... لم تسعفها العبارات بصنع جملة مفيدة تخرج منها بضحية وجاني ... لكنها استسلمت لأوامر دكتور (ع) وهو يتحسس الضحية التي تقيأت على معطفه
اخص الله يقرفك
يهرع لغسل معطفه المنكوب ليعلق الشرطي مطفئا سيجارته
اشربوا (خرا) وادلقوه هنا بقة
اشار (ع) متسائلا لملابسها الممزقة التي تشي باعتداء عنيف ليجيبه الشرطي في شماتة
تستاهل ... دي مومس اصلها
تفيق الضحية لتقاوم يد سناء فجاة قائلة
أوعي ... سيبيني أموت
انتي هاتعيشيهم عليا..؟
قالتها سناء وقد استسلمت لانطباع انها تعامل عاهرة مخضرمة فضحها الخمر والطريق ... لطمت يدها بقسوة وقامت بسحب عينة دماء لاتمام محضر السكر غير عابئة بألمها ... انها تعامل نسخة اخرى من (ف .ف) اللعينة ليس الا
لكن شيئا ما في عينيها الدامعتين كسر ثقة سناء المتربصة .. لم تكن قد رأت اثما يبكي من قبل ... ان الاثمين الذين يملئون عالمها لايعرفون الألم ... لا يتمنون الموت السريع ... يجيدون وضع المساحيق , ويلقون بسجائرهم في الصالون , ويخافون الناس المهمين , ويعرفون كيف يغسلون معاطفهم البيضاء من قيء الاخرين ... لذا تراهم دوما في ابهى صورهم عندما يتحدثون في ثقة عن دنس البشرية
حرام عليكي ..... 0
تعرف سناء تماما دموع الضحايا المخذولين ... تلك الدموع التي طالما سكبتها على وسادتها في ليالي الاحباط والهزيمة الابدية .... ومرارة العلقم في حلقها المستعصية على البلع .... واحساس العجز المهين عندما تتساءل في مرارة عن رصاصة الرحمة
لكن عقلية سناء - رغم كل شيء - تأبى الا القولبة .... ان الناس قد خلقوا مسبقا في قوالب ثابتة قابلة للتكرار ... لذا تنفع معهم الاحكام الجاهزة , والمصادرة الفورية ... مالنا ووجع القلب في فهم البشر ... كل بهمه مشغول ذاهل
انتي ليه بتزعقيلي؟
قالتها الضحية بانكسار الاطفال وقد بدأت تستكين لوضعيتها الجديدة , تجاهلتها سناء وهي تحمل عينة الدماء منادية العامل الاعور المكوم في ركن الاستقبال لايصالها للمعمل
احساس مفاجيء بالقرف ينتابها .... مالفارق الحيوي المهم بين الضحية الراقدة أمامها والعشرات الذين تقابلهم يوميا منذ تغادر منزلها حتى تعود ؟ .... الفارق الضخم الذي يجعل مديرها المذعور يتعاظم , و(ع) يزداد سفالة , وزميلاتها الكئيبات يزددن نهما لأعراض الناس وعوراتهم ... ربما أن الاخرين اكثر هندمة ونظافة .. اكثر قدرة على السيطرة وأسرع في احتلال مقاعد القضاة والجلادين
الكراسي بأسبقية الحجز ... الكمية محدودة
العامل الأعور يمد يده القذرة لاحتضان السرنجة ... والشرطي الغليظ يشعل سيجارته الرابعة ليتابع
مش هانخلص النهاردة ولا ايه؟
الغدا لسة ماجهزش ... عندك 5 أيام جزا ... عملها المحروس بسلامته وغرق الصالة ... ماتقعدي جنبنا هنا ياشيخة منورانا والله ....سمعتوا اخر الفضايح ...يلا يابنت الصايعة
السرنجة يامس
انا مابخافش غير من ربنا ... وماحدش بيملي عليا قراراتي .... قومي ياولية افتحي الباب ... التفتيش جه ... كل دي سجاير مرمية في الصالون ... اديها مسكّن ياسوسو ... عندك نوبتجية أول يوم العيد
هية الأبلة تنحت كدة ليه؟
العيال اتخمدوا؟ , طب ماتيجي .... الفتلة قصيرة قوي ,عاجبك كدة ؟, الغرزة فكت ... اعملكوا ايه مافيش فلوس في المستشفى .... مش عارفة ليه بيقولوا علينا (ش...)؟.... عايزين ناكل عيش , ان شالله من الزبالة
ايه ياسوسو , هانقضي الليلة كلها في عينة؟

لاشعوريا ... وجدت نفسها تضغط مكبس المحقن الموجه ناحية الشرطي لتندفع قطرات حمراء في شلال سريع منمنم في الوجه الغليظ الذي صاح

يامس (....)

شرع يلعن بوجه محمر ويمسح الدماء مرتبكا وهو يقول كلاما كثيرا عن النجاسة والايدز والبلاء الازرق المستكين في دماء اولاد الشوارع والساقطات ..... بدأت الفوبيا تتمكن منه وهو يجري ناحية جركن (البتدين) ويصيح

عقموني .... عقموني ياكفرة ياولاد الكلب

كان مظهره مضحكا ووجهه يتحول بفضل التعقيم الى اللون البني قبل ان يهرع لحوض قريب متحسسا الجدار ليذيب بقايا السائل المعقم اللزج بالماء المتدفق من الصنبور .... كان يحك وجهه بجنون بينما ينظر للضحية وسناء موزعا السباب بالعدل بينهما .... 0

لو عايز تتطمن ... اسحب لك عينة

مستسلما كطفل سلمها ذراعه... كانت بقايا السباب تتحول تدريجيا الى همهمات غير واضحة المعالم ....اعماه الرعب عن ابسط الحقائق وقواعد المنطق.. صحيح ان احدهم لم يذهب يوما لتحليل الفيروسات بعد منتصف الليل الى المعمل الذي ظل مقتصرا على البحث عن الكحوليات لمحاضر السكر(دعك من سخافة الفكرة ان تبحث عن الفيروسات في نفس اللحظة التي حدث بها الاحتكاك المتوقع مع الدم) ... لكن سناء لأول مرة تجد امامها الضحية وجلادها يجلسان في استسلام بانتظار عينة الادانة ... المظهر الذي لم تتخيله سناء يوما

تطفو الاتهامات الجاهزة لدينا بالعهر والدنس على السطح عندما تتطابق الصورة الانية مع تلك المخزنة سلفا بعقولنا لنخرج بتلك النتيجة المريحة للاذهان

ان (ف.ف) قد عادت من جديد
ربما كان على سناء ان تستوعب قليلا هذا الدرس

قد تبدو الفروق احيانا واهية بين الضحية والجلاد ...0

مجرد اسبقية في احتلال المقاعد ... ليس الا

_________________________

من كان منكم بلا خطيئة .... فليسحب العينة

Friday, March 02, 2007

ازياء رسمية

عندما خطوت أولى خطواتي الى عالمكم المخملي الرائع ... لم اكن اعلم أن الدخول بالملابس الرسمية
_____________________
خريف 81
تعرف تماما وقع بكائك المزري بين يد الحضور في غرفة العمليات بعد خروجك بسلام من دفء الرحم ... سائل لزج يحيط بك ويكمم انفاسك قبل أن يرفعك احدهم من ساقيك كالفراخ الهاربة , ويقوم بالضرب على ظهرك (على سبيل الروتين في بعض الاحيان) ... بينما انت تصرخ (انا حي ... وحياة امي حي واتنفس ياأولاد الافاعي) ... ثوان ويقومون بفردك على مصطبة دافئة تحت مصباح عنيف مستفز الانوار ويلعبون في فمك بشفاط قميء مقرف وهم يرددون عبارات التهنئة ويتبادلون الاذان في اذنيك
تذكر بالطبع الملابس الموحدة المشتركة لكل المواليد الجدد ... تلك الملابس الشبيهة بملابس رواد الفضاء والمكونة من قطعة واحدة من منتجات القطن المزدان برسم لأرانب وفئران وردية اللون ... النور مستفز ويد العامل العجوز الخشنة اكثر استفزازا وهي تداعب لحمك الغض البريء بينما يكور هو وجهه في وجهك بتعابير مفزعة يعتبرها هدهدة وملاعبة لطيفة
اين ذهبت تلك الظلمة الامنة الاولى ؟
يعتقد المهنئون المتحمسون - لسبب لاتعلمه - أن لباسك القطني العبيط اكثر دفئا من الظلمة الاولى ... لسبب ما يرون المخاط مقرفا يهابون لمسه ويستعيضون عنه بحلتك القطنية الفريدة ... بحجة انها (ملابس البيبي) ... ربما أن الأمر لايعدو كونه اشمئزازا من لمسك مغلفا بالمخاط
صيف 86
شيء مجهول يدفعك لتفحص شنتطك المدرسية وادواتك الملونة لذيذة الملمس ليلة أول أيامك الدراسية ... تمد يدك متحسسا المريلة الكاروهات الخشنة , ورهبة لذيذة مشبعة ببعض الفضول تدفعك دفعا لتخيل احداث اليوم التالي ... ستكون غندورا ياواد بلباسك الجديد وشنطتك الجلد السوبر المحلاة ببادج عظيم لبطلك المفضل ... الزمزمية ستكون اسطورة وهي معلقة في عنقك ... ستكون رهيبا .. كرحالة عظيم يجوب فناء المدرسة (انس قليلا ان الرحالة العظماء لايقفون في طوابير , ولايحتاجون الى مرشد محترف لحمام المدرسة الرهيب , ولايتصارعون امام الكانتين بهمجية , ولايستطيع مدرس الالعاب اعتصار اذانهم على سبيل التأديب)
كيف تواتيك الجرأة على الحلم ... قبل ان ينمو رصيد خبرتك؟
لكن اياما قليلة في المدرسة كفيلة بجعلك تكره تلك المريلة حتى النخاع ... فهي ولاشك تطمع فيك العيال المتشردين الذين يسارعون بحقد لقذفك بالفلين وعلب الكلة الفارغة ويردد بعضهم في شماتة لامبرر لها من وجهة نظرك ((...) أمك ياكابتن ... (...) أمك ياكابتن) .... ثم ان الشنطة ثقيلة تمنعك من المراوغة والفرار المحنك , وتدفعك دوما للانحناء والتهادي في الطريق قبل ان تتبوأ مقعدك من الفصل الصاخب الملي بالعيال الذين لايقلون اجراما عن قاذفي الكلة الشرسين اياهم ... فتطمئن نفسك الى اضعفهم بنية واطيبهم ملمحا لتجلس بجواره في اخر دكة قبل ان تكتشف مذعورا انه كثير البرابير ,دائم النوم , مهدود الحيل , وربما غبي ايضا ... ورائحة غريبة تفوح منه باستمرار كرائحة الملابس المخزنة في قعر الدولاب لسنين ممزوجة برائحة المربى أو مادة كيميائية اخرى لاتدري طبيعتها
ربما تلك هي رائحة المريلة ... تلك الرائحة التي تعاظمت حتى صارت رائحة للأيام ذاتها .. تلك الايام التي ظللت تكرهها ... ربما لأنك اضطررت لكراهية المريلة والفصل ... والطفل الغبي ذو البرابير ورائحة المربى أو المادة الكريهة مجهولة الهوية
شتاء 95
كثيرون يحدثونك عن طور المراهقة الحرج .. والتغيرات الطارئة المدمرة التي تقلب حياتك راسا على عقب ... صرت مشغولا بشكلك الخارجي بحثا عن علامة الجودة .. الشعر في الوجه , والصوت العميق البجح , والعضلات الفاخرة سريعة النمو ... وتفرح عندما تظهر علامة جديدة , وتقلق عندما تتأخر باقي العلامات ... وقلق يجتاحك وهاجس يشغلك دوما انك ربما لست كالاخرين ... وعما قريب قد تكون مثارا لسخريتهم ونظراتهم المهلكة ... ثم تكتشف ان اختراعا جديدا قد ظهر ليغير وجه العالم اسمه الجنس الاخر .... ذلك الاختراع المدمر الذي يتركك مؤرجحا بين التعلق بأمل , والانسحاب محطما كاسف البال ... ومن ثم تطيل النظر في المراة لاعادة تقييم علامات الجودة السابق ذكرها ... , وتنهمك في الامال والاوهام مرة اخرى ... ثم ينتابك القرف من كل هذا , وتدرك انك بحاجة الى قيمة اعظم تطوف حولها لتغير وجه حياتك ... عندها فقط ستأتيك كل نساء الارض طمعا في نظرة من عينيك المرهقتين بعد رحلة كفاحك الطويلة , وسينحني أمامك العظماء في احترام لأنك فعلت الشيء العظيم الذي لاتعرفه بعد لكنك ستصنعه يوما ولاشك ... وبعد ان تجني ثمرات نضالك يتبقى امامك سنوات قليلة من العمر تخطط لقضائها في التعبد والتأمل ضمانا للجنة
لماذا تولد برغبة جارفة في الحصول على كل شيء؟
كنت تتمنى دوما ان تغير القالب أو (الكافر) الذي يحيطك من الخارج ... ربما لازلت باحثا عن شخص أو مثل اعلى تبغى السير على دربه وقد طعّمته بقليل من سمات بطلك الخارق المحبوب الذي لازلت تحتفظ ببادجه على شنتطتك المدرسية الكئيبة المستقرة في غرفة الكراكيب
خريف 2000
انها خطوتك الأولى الحقيقية الى الحياة ... صرت موظفا مقيدا بسجلات بلادك التعيسة ... وصار هناك مبلغ ما من المال يدخل جيبك شهريا يدعى المرتب .... لم تعد الملابس الروشة والجينز ملائمة لمكان العمل ... والا فانك ستتحول فورا الى وغد مراهق فرفور يدعوه الناس بالكابتن ... تتعلم في تلك الايام ان تخطيء , وأن تحترف الخطأ , وتحترف اخفاءه حتى تسير الامور كما ينصحك (القدامى العارفين) , وتعرف ان ذنوبك القديمة بسيطة , غضة ... كلحمك الابيض البريء يوم مولدك , وان روحك - التي يمكن ان تصفها بالبريئة - تتشرب الفساد والقذارة كالفلتر القديم
متى بالضبط صرت كالاخرين الذين كنت تكرههم؟
وكلما غصت اكثر في مستنقعك الجديد ... كلما دعتك حاجة ملحة الى المزيد من التجمل المعبق بعطر الفضيلة ... وتصير ملابسك اكثر شياكة , وحذائك اشد رونقا ولمعانا , وتحرص كل الحرص على ارتداء ملابس العمل ( البدلة .. الخوذة .. الروب الاسود .. الهدوم الميري .. أو البالطو سواء كنت طبيبا أو جزارا) .. تماما كحرصك على الامضاء بعناية في خانتي الحضور والانصراف في المواعيد الرسمية التي وجدنا عليها اباءنا ( لكن احدا لايسأل عن تلك الفترة المستترة مابين الحضور والانصراف) ... وتفرح للعلاوة , ويحزنك الخصم والجزاء ... وتسب الحرامية النصابين الذين لايراعون الله ويأكلون اموال الموظفين بالباطل , مع ان (ورقك سليم ) وامضاءك يؤكد انك عنيف المجهود في العمل ومناضل حيوي مهم في منشئات الدولة التي - بالتأكيد - تعلمت ان تكرهها وتلعنها وتنتظر علاوتها التي ستصرفها على بدلة جديدة تدعم رونقك المهم
صيف 2009
كما فعل اسلافك تماما ... تبحث عن عروس لأنك تحتاج الى واحدة , وتكلف اقاربك بالبحث عن بنت الحلال , أو تنجذب لفتاة ما رأيتها في فرح قريب لاتعرفه اصلا من اقاربك الكثيرين في تلك الفترة الحيوية المهمة والشهيرة ب (موسم التزاوج عند الانسان) , وتسأل عن تلك (المزة الحائرة) ... لتعرف انها بلا زوج أو خطيب أو احد يتكلم عنها وتبدو (خد بالك من تبدو دي) على ادب ودين ورقة بابتسامة بريئة تليق بفتاة غير ذات ماضي كما يصور لك خيالك المريض - عفوا - العريض ... وتبدأ المباحثات المبدئية وجلسات الصالون بعلبة جاتوه وابتسامة مهذبة تجاوبها ابتسامة خجول محترفة , وملابس شيك مختلفة تماما عن ملابس العمل ... وتجد انك تتوه في تفاصيل غريبة عن الجهاز والقائمة والشبكة والمؤخر ومصطلحات اخرى غريبة تبتلعها في ادب ...( واللي له عند الكلب حاجة يقول له ياعمي) ... ولحظيا تقفز امام عينيك صورة مريلتك القديمة , وشنطتك المتربة ببادج بطلك الحبيب المفضل التي القيتها في غرفة الكراكيب ... وتكتشف ان مفردات اخرى جديدة ستقتحم عالمك وتغير حياتك للأبد
وتجلس مع خطيبتك بحق قصمة الوسط التي عانيت منها في جلسة الصالون , وتتعرف على كائن جديد , وقد تشعر بالسعادة الحقيقة لأول مرة - واخر مرة برضه - في حياتك , قبل ان يعكر صفو الجو حكاية الفرح والزفة وفستان العروسة الابيض وبدلتك السوداء الكئيبة بنت الكلب ...و تفاصيل اخرى كثيرة تدمر اي لحظة سعادة تجاهد لاقتناصها ... وتعرف ان الامور ليست دوما كما في خيالك ... انها فقط تلك الصورة الجميلة على لوحات الاعلانات ( كالفارق بين شطيرة الهامبرجر الجبارة المرسومة على اللوحة , و تلك المهترئة المستكينة امامك كجثة هامدة في علبة الدليفري)
متى اخر مرة قلت لنفسك .. لم يكن الامر هكذا في الفيلم ؟
لكن الايام تمر سريعا ... وتجد نفسك في ليلتك المفترجة التي ينتظرها المرء طوال عمره وجها لوجه مع (حقائق الحياة) ... وانك مقبل على ضغط عصبي شبيه بالامتحان الذي يثبت جدارتك ... وان المعازيم والزفة وسندوتش الكفتة التي طفحته بالسم الهاري من يد حبيبتك هو الامر الوحيد الذي يمنعك من الصراخ كالعيال (عاوز اروح عند ماما) ... لأن رد فعل عروستك ساعتها لن يختلف كثيرا عن العيال الصيع الذين قذفوك بالكلة في اول ايامك الدراسية
خريف 2052
تترهل انت كما تفعل كل الاشياء التي كانت يوما ما جديدة ... وينمو كرشك ببطء مستفز صعب الملاحظة... وتتأمل امبراطوريتك الصغيرة دون استمتاع حقيقي ... لقد صرت كثير الهموم والعيال ... صرت مفعما بالخطايا بسبب فلترك الذي صار عاجزا عن العمل واعرب عن انتهاء صلاحيته ... لكنك على الاقل صرت ذو سلطة وشخطة مخيفة , وخبرة لايستهان بها في معاملة البشر ... لكن شعرك الابيض يشعرك بالاسف , ويذكرك بالعجوز الكحكوح الذي صرته , والذي يصر الناس دوما على نعته ب(البركة) و (الحاج) ... انها كلمات تثير الغيظ لدرجة الجنون ... لازلت بعد هذا العمر تواقا لمجون الشباب , لكن اّلام المفاصل لاترحم الشيوخ
اين تقع بالضبط تلك النقطة الفاصلة التي تعلن دخولك الى مرحلة جديدة في مشوار عمرك؟
يتركك احباءك يوما بعد يوم , دون ان يعلموك ب (سفرهم الاخير) ... انك تبكي حقا ... تبكي كيوم نزلت مغلفا بالمخاط ... وينسحب الناس تدريجيا من حياتك تاركين اياك للبرد والوحدة ... سمعك يضعف , وكلام الناس الذي تعجز عن سمعه يثير جنونك ... ترى ايتحدثون عن عصاك الخشبية وخطواتك الغلبانة المضحكة؟ ... أم ترى يتهامسون بشأن صلعتك البهية المستورة ببقايا شعرات بيضاء ؟ .. أم انك اصلا لست محورا للحديث لأنك صرت اقل من ان تكون مرئيا؟
وتظل الكابة تطاردك للنهاية ... وتشتاق لأيام مضت , وذكريات لم تخلق الا لتموت كي تدمن البكاء عليها ...و تسأل نفسك عن الحافز الملح الذي يدفعك للنزول الى غرفة الكراكيب المتربة بقبو بيتك ( لو كنت تملك قبوا) ... ويدفعك لتقليب البوم صورك ... تضحك , وتبكي ... تتحسس شنطتك المدرسية وبادج بطلك المفضل .. ميداليات وشهادات تفوق ... فستان زفاف زوجتك المرحومة الذي اصرت على أن يكون غارقا في الترتر ... أوراق مهترئة لمحاولاتك الساذجة القديمة لكتابة الشعر .... برطمان كلة لاتدري مالذي اتى به الى هنا ... صورة قديمة لشخص عزيز مع كلمة رقيقة في بظهر الصورة ... واناس كثيرون تشتاقهم لكنهم لن يلبوا دعوتك , لأنهم لم يعودوا يقدرون .... ويزداد حزنك وألمك .... وتتخيل صراخك الاول في لحظة الميلاد ( لاتذكره طبعا لكنك اكيد من انك فعلت) .... كم كان مفعما بالحياة !!... مالذي يجعل الدنيا تمر امامك قبل ان تلاحظها ؟ ماهو ذاك الحنين الغامض لشيء مجهول لاتدري كنهه لكنك تنتظره طوال حياتك؟
ثم مالذي يجعل عينيك تغلق فجأة ليسقط الالبوم من يديك؟
صيف ما بعام ما
يفترض ان الجو شديد الحرارة ... لكنك لم تعد تشعر بالأمر أو تمنحه الاهمية .... يفترض انك ميت , لكن الناس تأبى ان تجعلك تفارق الدنيا دون لباس اخير يشيعونك به الى مستقرك المؤقت ... تشعر ان ملبسك الجديد ربما يكون اكثر راحة ... وان دفء الارض ... قريب الشبه بظلمة الرحم الامنة التي كنت تفتقدها ... بامكانك الان ان تكف عن الاسئلة الحائرة لتتكيف مع ردائك الجديد
عجبا!! .. انه الملبس الوحيد الذي جاء ملائما لمقاسك من المرة الأولى
_______________________
عندما خطوت اولى خطواتي الى عالمكم المخملي الرائع .... لم اكن اعلم ان الخروج سيكون بتلك السرعة
__________________________
__________________________
تنويه ,أو ملحوظة , أو شيء من هذا القبيل
اعتقد انني سأتغيب لفترة لابأس بها لامتحانات الماجستير اعادها الله علينا وعليكم بالستر والدرجات , ربنا يستر... ادعوا لي
;