أيها الزائر قبري .... أتل ماخط امامك

Sunday, November 12, 2006

لاأحد ينام في العناية المركزة

لماذا أحب البالطو الأبيض المفتوح؟
لأنه يعطي - كما اعتقد - انطباعا للمحيطين بأنك طبيب محنك مفترس لاوقت لديه للتزرير وممارسة باقي تفاهات المستجدين ... ربما لأني بطبعي اكره غلاة التأنق والحنتفة ... وذاك الهاجس المستمر بأن القميص غير مستقر في البنطال ... وانه غادره الى براح العالم بعد صراع مستمر في المواصلات والطوابير اليومية
سؤال قفز الى ذهني عندما رمقني الاستشاري العظيم بنظرة لائمة على البالطو المفتوح باستهتار كاشفا عن قميص مدلى خارج البنطال الجينز بحرية ... لسان حاله يقول .. ليس هذا بطبيب , انما هو بلطجي مخضرم
اقفل البالطو .... انت دكتور مش عربجي
تعلمت بعد فترة وجيزة من بدء عملي ان اكره العناية المركزة ... احساس داهم بأنه ذاك المكان الذي يقضي به المريض بعض الوقت البائس لينتقل بعد ذلك بنجاح مطلق من العناية المركزة الى العناية الالهية
علل ... يفقد الطبيب مع الوقت حساسيته تجاه الموت ؟
ربما هو مرض التعود ... ان المرضى يأتون ويذهبون ... والناس ستموت بلاتوقف الى يوم الدين ... لم يحتفظ مريض معين بذكرى خاصة تجعله مميزا؟... ويجعل المك عليه ذا معنى ... انما حزنك الاساسي هو حزن المقامر على فرسه الذي خسر السباق ... حزن عملي صلب ووقح الى حد ما ... صدمة العالم في نتائج تجربته الفاشلة التي يعلم ان غيرها ينتظره في اطراف المعمل
اعتقد ان مشاعر الصدمة لدى الموت تختفي بهدوء ... ويحل محلها خبرة ناشفة تسمح بالانقاذ المتجرد من اللوعة البشرية العادية ... وان كنت ارتبك عندما يسألني اهل مريض عن حالته المتردية وعيونهم تنبض بأمل زائف .. أمل قضى عليه تماما انعاش قلبي فاشل أو موت حتمي بجذع المخ ... امل لازال راضخا لدراما تلفزيونية عبيطة
لو الاربعة وعشرين ساعة الجايين عدوا على خير حياته هاتبقى في خطر
ربما جملة من هذا القبيل ... لا .. لاأملك بعد تلك الجرأة لمصارحة ذوي المريض بالوقائع الأليمة ... لا احتمل بكاءهم وصراخهم من خلف باب اقامتي المغلق ... عويلهم اشد وقعا من جثة باردة ملفوفة بملاءة بيضاء صادمة تنتظر في الممر انتهائي من كتابة تقرير الوفاة
انسى قليلا هواجسي عندما يلتهمني الاخصائي ... خلصت المرور ولا لسة ؟ .. يلا نشييت الحالات دي... ؟ طب اكتب انت التقرير دة ... سرير 5 ضغطه لسة عالي ليه ؟ ... مافيش كنبة في الاستراحة ... أمال احنا هاننام فين؟ ... وهو من امتى كنا بنعرف ننام في العناية يابيه؟
يستوقفه السرير السابع ... مالداعي الملح لاحتجاز حالة نزلة شعبية يمكن علاجها منزليا ؟ ... لغط وهمسات بين الاخصائي والتمريض ليعلم ان السرير السابع هو سرير الرجل المهم ... ربما قريب من اقارب المهمّين ... (باعتبار ان كلمة المهمّين كلمة كافية وافية معبرة عن سلطة جارفة تتمتع بحقوق فوق العادة لاتمنح في الاحوال الاخرى كما ورد في عبد المجيد الصحاح) ... بدليل زيارات في غير الأوقات المسموحة والاتصالات الكثيرة والمرور المكثف من اطباء لاتعرفهم لكنهم على مايبدو استشاريين فطاحل على علاقات واسعة بمسئولي اجهزة الدولة الداخلية الحساسة ... يناسبني ان اتجنب هذا السرير تماما ... فاخرين يموتون (وغالبا سيموتون) ... بحاجة الى الوقت الجاد بعيدا عن واحد لايعجبه ان(شخشخة) صدره اثناء الكحة لاتروق لمسمع المدام
اتعلم ؟.. ربما صرت اكره العناية المركزة لأن الأمور لاتسوء فيها الا اذا كنت بحاجة ماسة للنوم
يرن جرس الهاتف ... الاستقبال كالعادة يعلن عن حالة بحاجة للعناية المركزة .... لابد من نزول احدهم ... وبعد عشر دقائق كاملة تقتحم النقالة باب العناية بجلبة متوقعة وصراخ ملتاع يخمده قليلا باب العناية وقد التقى مصراعيه ... هناك بعض الكلفتة المتوقعة ... كأنبوبة حنجرية نزعت من فم المريض بعد تثبيت مهمل وكانيولا مسدودة عقيمة.. ونقص حاد بالمعلومات عن الحالة التي لاتعرف عنها اكثر من كونها حادثة بالطريق السريع ... مع اشتباه بكسر بقاع الجمجمة .. كانت فتاة بالعشرينات لم تخفف الدماء المتجلطة على وجهها من جمال ملامحها
كالعادة ... يتعامل التمريض بسرعة في تمزيق الملابس بالمشرط وتعليق المحاليل وتثبيت اقطاب جهاز رسم القلب ريثما ينتهي الطبيب من تثبيت الأنبوبة الحنجرية وملاحقة المونيتور المتوتر ... هذه المريضة ستحتاج في الغالب لجهاز الصدمات الكهربائية ... امسكت باقطاب الجهاز المشحون وثبتتها على صدر المريضة قبل أن القي بنظرة امل اخيرة على المونيتور ... صحت بالجميع ان يبتعدوا ... وافرغت الشحنة ..... 0
__________________________
البالطو ياعربجي ... 0
صياح مألوف لكنه يأتي من عالم بعيد ... صدمة عنيفة اجتاحتني كأنها تمسك بعضلة قلبي بجنون وتعتصره قبل أن يختفي الوجود ... هل انا أموت ؟ ... افتح عيني لأجدني ممدا بجوار النقالة ... أين ذهب التمريض والأطباء والمسعف الغلبان؟!! ... ماالأمر؟ ..... غرفة العناية نفسها خالية من المرضى الا من فتاة العشرينات الجميلة ونور ازرق خفيف يحيط بالجدران
نهضت ببطء لألقي نظرة على المكان لأجد الفتاة مستلقية وحية كأحسن مايكون ... بملابسها السليمة وبدون اقطاب أواسلاك أو محاليل
اشارت للبالطو المفتوح باسمة وقالت برقة
مش تخلي بالك يادكتور ؟
نظرت للباطو قبل أن افهم .... ان البالطو المفتوح باهمال والمتدلي ليلامس النقالة المعدنية قد استقبل الصدمة الكهربائية التي انتقلت اليه عبر الألياف الصناعية التي تحفل بها خامته الرديئة .... تلك كانت صدمة كهربائية التي كانت تخلع قلبي
صوت عجيب من خارج العالم يصيح
هية المشرحة ناقصة قتلى؟
نظرت للفتاة ولم ارد ... ماموقعنا بالضبط من خريطة الحياة ؟
الباب منين؟
كذا صحت قبل أن ترد هي بصوت باك
ارجوك لاتتركني وحدي ؟ ... انا اخاف اللون الازرق والبرودة وكل الاشياء الداكنة في هذا العالم الجديد .... كم مرة تركت مريضك بعد ان مات ؟ ... اتحسبه لايشعر ؟ .... اتحسبه همد بلا الام أو مخاوف؟ اتحسبهم في نوم ابدي ازرق ... يالقسوتك .... تنتظر مريضك الثاني ولم تبرد دماء الأول بعد .... انهم يلتفون حولك يادكتور ينتظرون يدا دافئة لن تشعر ببرودة عالمهم الصامت .... الم ترهم قبلا؟
لماذا سكتّ ولم اجيب ؟ .... أي هلوسة تلك التي احياها ؟ .... لماذا تركتها هكذا دون كلمة أو لمسة مطمئنة .... أم أنني بالفعل قد احترفت الوفاة؟
تواصل وهي تمد يدها برجاء نحوي
اكنت بحاجة لصدمة كي ترى ؟ ..... ان الشحنة التي مرت عبر قلبينا كانت واحدة ... لقد شعرت للحظة تماما ماشعرت به انا ... هل ستعود مرة اخرى ؟ ... هل ستتركني وحدي في هذا العالم ؟ .... ارجوك .... انا اخاف البرودة
صوت خافت اقرب لباب يفتح ثم يغلق ...التفت حولي لأجد رجل السرير السابع المهم يتلفت حوله في خوف ثم ينظر لي ببعض الرجاء المقنّع ببقايا كبرياء المهمّين المقيتة .... اراه في طرف الغرفة يقبع مستكينا , واتذكر يوم دخل العناية في ضوضاء عظيمة مع حاشية مدججة بالمحمول واللاسلكي
انهم يتركون خلفهم جلبة هائلة مع انهم يدخلون هنا في صمت عجيب
انظر للفتاة ... ربما احترقنا قبل أن تنطفيء شعلتنا و صرنا مع الوقت اشكالا عبيطة جامدة كبقايا الشمع الذائب
يعني خلاص يادكتور .... ؟
خلاص ياماما
كم مرة لطمتني تلك الجملة من أم ملتاعة , أو اخ مفجوع ... يحاول عبثا ان يفهم ان روح العزيز الصاخبة قد انتقلت مع اخر انفاسه الى فضاء العناية .... ربما تشكو الغرفة من الازدحام ... من بقايا ارواح لم نعد نراها ... ولم نعد نستشعر معنى لجملة (البقاء لله) الروتينية التي نتلوها على مسامع المكلومين ...
اقتربت يدها جدا ... أوشكت ان تلمسني وانا شبه مغيب عن العالم .... بدأت اشكال كثيرة تظهر في جو الغرفة , بعضها مألوف ... وبعضها لااذكره .... كانوا يدنون ببطء وعلى وجوههم نظرة امل لم ادر سببها .... لكني عرفت اين اكون .... غرفة مزدحمة بأرواح نسيتها ... نسيتها عندما احترفت روتين الموت والعزاء ... روتين التقارير التي تحرص على كتابتها وتقفيلها بجودة عالية تحميك من المسئولية
خلاص يادكتور
شعرت بصدمة مألوفة ترجني من جديد ... تلك القبضة المميتة التي تهز اعماق روحك ..اخر مارأيته كان ايد ممدودة ووجوه باسمة ... ارتفعت في سماء الغرفة التي بدأت تتحول للاظلام التام ... ثم مشاهد متعاقبة سريعة من سقف ابيض مألوف , وشاشة مونيتور .. وجهاز صدمات , وبقايا سرنجات مبعثرة في الفضاء الداكن ونقطة دم في الخلفية تتضخم تدريجيا لتغطي الموجودات
خلاص ياجماعة ... رجع اهو
بدأت الاضاءة المؤلمة تغزو عيني لأجدني ملقى على سرير بالعناية وطاقم الانقاذ يتنهد براحة والاستشاري العملاق ينظر لي لائما
مبسوط ... ابقى لمّ البالطو ياعربجي
جمل اخرى سريعة لم اميزها متبادلة بينه وبين التمريض ... القي نظرة على الفتاة , وجدت الملاءة البيضاء تحتوي جسدها بالكامل
خلاص ياماما
ربما لم تكن هلوسة كاملة ... لكني ولأول مرة منذ فترة اعلم ان مريضا ما قد يترك لديك ذكرى خاصة ... لم تكن تلك فرس سباق خاسر أو تجربة فاشلة نعبر عنها بحيادية باردة عندما نتكلم عن ( الحالة اللي دخلت) و (الحالة اللي ماتت) و (سرير 7 نفسه مش حلو) 0
بالمناسبة .... لقد مات صاحب السرير السابع المهم ... مات في نفس التوقيت الذي كنت غائبا فيه عن العالم
أنا أخاف البرودة
ربما لم تكن هلوسة حقا
لكني تعلمت الا اكره العناية الى هذا الحد قدر ماأكره برودتها ... واعلم ان اخرين لاأراهم يعانون من برودتها واضاءتها الخافتة نوعا
تعلمت ان احكم غلق النوافذ ... وان احترف الحزن واحترم صراخ البائسين خارج ابواب العناية
تعلمت ألا أكره العناية تماما ... وان كنت الى الان , أعجز عن النوم فيها
تعلمت الا اعطي ظهري لغرفة فقدت فيها مريضا ... وتعلمت ان اردد داخلي ...0
يمكنك اليوم الا تخاف
اغلقوا العيون ... احكموا الملاءة ... وارخوا الستائر
فبامكان المونيتور الان أن يستريح
_________________
ارجوك .... لا تتركني ثانية

Thursday, October 12, 2006

حكايات من مستشفى أبو جهل التعليمي 3

الحلقة الثالثة
جعلوني نائبا
فقرة اعلانية .... احصل على المجموعة الكاملة للمسلسل ... حاليا على أقراص دي في دي .. الحلقات 1 و 2
سئل ابو جهل يوما عن أشد الاسئلة احراجا للطبيب الورور الأمور في مقتبل حياته الوظيفية ...فقال هو سؤاله عن مهنته , لأنه عندما يجيب في خفوت يمزقه سعال الارتباك قائلا دكتور ... يكون السؤال الحتمي القادم هو ... دكتور في ايه؟
انه التخصص ياعزيزي اّرثر ... 0
يحلم الطبيب الخريج (بعد نهاية مرحلة الاحلام الوردية بنيابة في مستشفيات الجامعة ) بنيابة والسلام تحمل هويته الجديدة بعيدا عن تلطيش السادة المفتشين في الأرياف بالوحدات الصحية ... وتمر عليه شهور وأعوام وهو لايزال في مرحلة الممارس العام التي سنصطلح على تسميتها هنا بمرحلة ( حمامة بتاع مصلحة التليفونات) ... لأنه كثير النقمة والزوغان , متلهفا على اعلانات النيابات والزمالة والتعيين لهفة العوانس الكسيحات على العدل , لذا تجده دائم التنطيط داخل أروقة الوزارة بين مكاتب السادة الغير مسئولين , دائم التوتر , تميزه بشنطته السمراء الكئيبة المعلقة على كتفه وذقنه النصف نامية ونظرة الشباب المعقدين نفسيا الحالمين بيوتوبيا لاتجيء ... ويزداد القرف والنقمة وتضمحل علاقته بالطب المحترم المذكور في الكتب أو الوارد في مسلسل اي . ار الشهير ... وبين يوم وليلة تضع عليه وزارة الصحة لاصقا ابيض كتب عليه اسم التخصص الذي سيقضي صاحبنا عمره في سبر اغواره وتعلم فنونه وفك مغالقه ورش دواخله ان أمكن ... كما قلنا سابقا .. تلك هي النيابة يااّرثر ( سنلاحظ أن اّرثر هو المشاهد الوحيد لتلك الحلقة على مايبدو) 0
عندما يتسلم حمامة بتاع مصلحة التليفونات نيابته العزيزة
وقد تكون غير عزيزة اطلاقا ... فقد يلبس نيابة في تخصص لايطيقه , أو مكان لايبغاه ... مش طايقاه يابابا ... لكن بابا الحمش لايرحم الفرافير ... وهنا لايجد حمامة بدا سوى التسليم بالواقع واستلام النيابة عن يد وهم صاغرون ... ويكون ذلك من أول و أهم التنازلات التي يقدمها في حياته العملية والتي ستتلوها تنازلات اخرى مخيفة في المستقبل ... وتصبح تلك أول قطعة ملابس يخلعها مترددا قبل أن يعتاد الاستربتيز الحياتي المعتاد
تجيء ثاني التنازلات عندما يستقبله مدير مقر عمله الجديد بابتسامة طامعة لاشك فيها ونظرة شبق مخيفة في عينيه عندما يجد رقما جديدا يضاف لعمالة المستشفى يمكنه الاضلاع باستقبال الحوادث في المخروبة التي تعاني عجزا رهيبا في أطباء الاستقبال كثيري التزويغ ... وتجده يقبل تلك النوبتجيات في خنوع عجيب ... لاحظ أن مهمة الاستقبال هي عينها مهمته الاثيرة العتيقة في طب الارياف ( وكل تخصص وانت طيب) بعيدا عن أن طب الطواريء يفترض ( أقول يفترض ) أن يكون أمرا محترما كما هو الحال في العالم المتحضر .... ورغم ذلك سيتحمل حمامة في صمت نوبتجيات الاستقبال الباردة مقابل أن يرى ولو للحظة الاخصائي الكبير المهم الذي سيعلمه أصول الصنعة التي استلم نيابته من أجلها
حكاية الطبيب الرابض والاخصائي المختفي
والاخصائي عزيزي اّرثر هو ذلك الرجل الغامض الحاصل على درجة الماجستير في تخصصه بعد أن أدى فترة نيابته وقام بتسجيل الدراسات العليا ... انه الرجل المهم الذي يأتي (أو لايأتي) اياما معلومة في الاسبوع .. وتتقدم به الأيام حتى يرد الى أرذل العمر ليكون استشاريا نعسانا عظيم الكرش ... 0
يكتشف النائب الغلبان أن مرحلة التعليم قد انتهت منذ زمن , وان سبيلك الوحيد للتقدم المهني على مسئوليتك الشخصية ... تعلم العلم واقرأ ... وعندما يحين موعد التسجيل ترتد مرة اخرى الى طور الشرنقة للالمام بالمحتوى الأكادمي لتخصصك ... دون احتكاك عملي حقيقي بالمرضى تحت اشراف الخبير ... ودون كلمة نافعة من الاخصائي الخطير (والذي مر بنفس اطوار التحول ونال شهادته العليا دون توظيف حقيقي لها , ودون تطبيق مفيد للمرضى.. انها فقط تلك اللوحة المهمة التي تزين عيادته الخاصة ) .... ويكتشف النائب أنه يتعلم بأسوأ طريقة ممكنة عندما يرتبط الأمر بصحة الانسان .. طريقة .... 0
trial and error
ويتمزق البائس بين لوم الضمير , ورغبته الحقيقة في التعلم , والكبرياء التي تتعاظم لتبرر أخطاءه الفادحة امام الجميع (وهو تقريبا الأمر الوحيد الذي يتعلمه من الاخصائي المتعجرف الجريء) فالطبيب منزه ولايمكن أن يخطيء , خاصة امام أهالي المرضى المتربصين , وهذا هو الدرع الوحيد الذي يحميك من شكهم , ومطاويهم , وسبابهم الحانق الرنان ... وتجد نفسك قد احترفت الجرأة واللسان الطويل ... وعندما يتساءل الجميع حولك عن انحدار مستوى الصحة , وعن حريق المسارح , وعن العبارات الغارقة , وعن القطارات الشاردة , وعن الانة في الفودافون .. تنسى أن الأمور تتدهور عندما نتوقف عن ملاحظتها , وتتوقف عن الملاحظة عندما تصدق المبررات التي اعتدت تلاوتها على الاخرين ... مسألة اقتناع داخلي ليس الا ... الا ترى؟!!! .. انك تتحول بنجاح الى الاخصائي المختفي الذي يبحث عنه الجميع
لكن لاتبك يااّرثر فلايزال هناك دوما ابوابا خلفية للهروب
الزائر ... والعدوى ... وفرعون الذي طغى
ولكي ينقذ حمامة مايمكن انقاذه , يسعى خلال فترة تسجيله للدراسات العليا الى الحصول على فترة كطبيب زائر بمستشفيات الجامعة ( أي يحصل على نيابة بالجامعة يدفع من أجلها وطبعا دون الحصول على راتب ) ... فالجامعة هي المكان الوحيد الذي يتعلم فيه النواب بالجزمة ... دعك من مزايا النائب الزائر المحتك بالاساتذة المشرفين على امتحاناته ورسالته , فيصير وجهه مألوفا لديهم ... سيحصل حمامة بالمال على فرصته الكاملة في التعلم ونيل الشهادة الكبيرة التي طالما دعت له والدته الحاجّة لنيلها
يحتك حمامة داخل أروقة الجامعة بالنائب الكبير (أو النائب السنيور بلغة الدكاترة) ... ويصبح حمامة هنا نائبا جنيور (بنفس اللغة البائسة) ... أي مرمطون القسم المنحني للجميع ... كله يهون في سبيل الشهادة الكبيرة... مباشرة العيادة الخارجية, تسجيل دخول الحالات , مرور على الأقسام , تعنيف متوسط اللهجة من السنيور ,كتابة التذاكر , مناكفة الممرضات اللبط , ثم نصف ساعة فسحة يقضيها في الحمام للتدخين والعياط , مرور مرة اخرى لأن زيادة الخير خيرين , صراع مع زملائه الجنيور الاخرين على الحالات (وغالبا يخسر هذا الصراع لأنه ليس ابن المكان .. انما هو زائر معفن) , حوار مع دكاترة الامتياز المتطلعين له بانبهار ممتع مؤقت ينسفه النائب السنيور بكلمة غليظة مؤنبة يضحك لها حمامة بعصبية مداريا احراجه المبلل بالعرق , مرور مرة ثالثة لأن زيادة الخير بلا حدود,و...,و... 0
وهنا .. يدخل رئيس القسم الاسطوري ويقتحم الكادر ... يتجمد الزمن مؤقتا وتظهر حروف يابانية أسفل الشاشة كمشهد ظهور الوحش في مسلسل جرندايزر ... ثم تعود الحركة ببطء للرجل المهم المتهادي باستهتار والذي لايرى النواب الأبرياء .. مع أن النواب أحباب الله ... لكنه في القسم , الرجل الأعلى صوتا والأطول لسانا , انه يستمتع باهانة الجميع واحراجهم ... يجلس بمكتبه المكيف ويريح كتلته الهائلة على الكرسي المنتفخ العظيم ويشخط في نائب دخل خلفه يبغي الحصول على اجازة ... ثم يغلق عينيه كأنما يرتاح من رحلة كفاح طويلة .... يتخيل ماضيه الملون بالأبيض والاسود (كناية عن الفلاش باك ) منذ كان طالبا بالكلية يسكن احراش البلاد ويرتدي الملابس الرخيصة التي لاتتغير , يسير كفتاة مراهقة خجول ناظرا للأرض تفاديا للاحراج ... اصوات زملائه ولاد الناس المرتاحين , كلكسات سياراتهم الروشة , ضحكات زميلاته الفاتنات كثيرات الماكياج والعطر تصم اذنيه , يستشعر الضحكات الساخرة موجهة اليه , ويشعر ببرودة عجيبة تجتاحه وألم غامض في كتفه كلما امتلأت نفسه حزنا وأحس بالرثاء لنفسه ... كان يعيش دور الشاب المكافح المنطوي حتى النخاح ... دائم الحضور .. مرهق العينين ... حامل الملخصات والمحاضرات ... تقدمه العلمي ملحوظ ... لكن نقطة سوداء بدأت تنمو على استحياء في قلبه وتتضخم تدريجيا وهو يستشعر المهانة يوميا في نظرات الزملاء ... وعندما تخرج وفاز بوظيفة في الجامعة ... كان قد خرج بعقدة نفسية متوقعة صقلها تعامله مع اساتذته الكبار
المياه اللي مش ولابد .. التي تحدث عنها المرحوم السادات
تعلّم أن نظام الأستاذية والقيادة شبيه بسكان في عمارة واحدة .. يلقي الطابق الأخير بقمامته على الساكن الذي يليه , الذي يقذف قمامته بدوره على التالي له ...وتكون القمامة العظمى من نصيب المقيم بالدور الأرضي الذي يليقها بغل في وجه البواب ... انهم يجيدون تفريغ احقادهم القذرة لمرؤسيهم الذين يعيدون الكرة عندما تسنح لهم الفرصة ... دورة حياة كاملة مستمرة ... سلسة غير قابلة للكسر .... عدوى لاترحم أحدا ... وعندما يعتلي هؤلاء كراسي المناصب الوثيرة .. تتبخر ذكريات المعاناة , ولايتبقى سوى حوصلة سوداء كامنة بالقلب يستمتع باعتصارها في مقره المكيف
لاتحاول تحذير حمامة يااّرثر ... ان حمامة يعرف مكان الفيروس الكامن في تلك النفوس... وينتظر الاصابة به كالقدر ... كالمسيخ الدجال الذي سيظهر بلا شك قبل نهاية العالم , ورغم كل شيء ... ربما يشكل هذا وضعا افضل له من مستشفى أبو جهل التعليمي التي يعمل بها
ان حمامة لم يتغير بعد ... لكن المؤكد انه صار يكره مصلحة التليفونات
نعتذر عن التتر ... والفقرات الاعلانية ... والاذاعات الخارجية ... ونقطع الارسال مؤقتا لحين خروج ارثر من المصحة

Friday, September 01, 2006

النخلتين ... لما توعد

خلاص ... قررت كسر قشرة الروتين والمشاغل ونويت أوفي بالوعد الذي قطعته للعزيزة بعدك على بالي اللي أرسلت تاجا جميلا عن المدونين واللي بيدونوه ... راجعت النص الأصلي للأسئلة من مدونة أحلام ... وهي فكرة جيدة اذا كنا نتساءل عن جدوى التدوين وتعبئة أجولة الكاّبة والاحباط والأفكار العجيبة على أرفف المدونات , وتدريجيا يتحول الأمر الى عادة أو ادمان يقتحم روتينك ويعيد بناء شبكة معارفك وتواصلك مع اّخرين لم تكن تتخيل وجودهم , أو تتعايش معهم كما تفعل مع أصدقائك الموجودين في عالم الواقع
طريقة الأسئلة حسستني زي مايكون بيتعمل معي حوار من عمرو اديب أو محمود سعد أو على الجزيرة ... اسمحولي أتقمص شخصية جناب الكومندا المهم الذي يتناوب عليه المذيعين ... وبسم الله , نفتتح الحلقة
هل أنت راض عن مدونتك شكلا وموضوعا؟ (سؤال مليان تأنيب ومذيع الجزيرة بيقوله وهو مكشر) 0
بصراحة (أعتدل في الجلسة) المدونة مالهاش ذنب ... أنا فعليا غير راضي عن أدائي أنا كمدون ... الأمر الذي يتضمن الانتظام في الكتابة , الاخلاص في المتابعة ... يعني مشكلة ان اكتب بمعدل بطيء نسبيا رغم وجود حوافز كثيرة للكتابة وموضوعات أكثر للمشاركة والعرض , ومشكلة عقدة الذنب التي تنمو عندما تعجز عن استمرار التواصل ومتابعة الاّخرين ... المدونة نفسها أقول ايه عنها بس؟ قالب اسود واسم مهبب .. دة يرضي ربنا بالذمة؟
هل تعلم اسرتك الصغيرة بأمر مدونتك؟
والدتي فقط ... لحسن الحظ أنها لاتعرف سوى ان تفتح جهاز الكمبيوتر عن طريق الضغط على الزر المستدير الضخم في سرة الجهاز فيبدا الزمجرة ... عدم قدرتها على الوصول للمدونة يعطي براحا أكثر في الكتابة ... خصوصا كتابة السطر السابق
هل تجد حرجا في أن تخبر صديقا عن مدونتك ؟ هل تعتبرها أمرا خاصا بك؟ .. اتوترت كدة ليه
(أضحك بعصبية)اجد حرجا في أن أتكلم عن المدونات أساسا .. الناس في الشارع لاتسمع عنها أو تعتبرها مصطلحا جديدا وافدا لايثير الانتباه .. طبعا هي أمر خاص بي ... أرتاح لفكرة ان يقرأ لي اّرائي أناس لايعرفوني اصلا ... لأن معرفة الناس بك تدمر الكثير فيك وتوقعك مسبقا في فخ التنميط والمصادرة (يعني من يقرأ هنا قد تروقه بعض الأمور التي قد يرفضها أو يسخر منها اذا وردت على لساني لمجرد معرفته الشخصية بي ) ... انها الهالة المقدسة لذلك (الشخص الغامض الذي يكتب على النت) .... صديق أو اثنان فقط أعلمتهم بأمر المدونة طمعا في ضمهم لصفوف المدونين
هل تسببت المدونات في تغيير ايجابي لأفكارك ؟ وضح اجابتك بالرسم
استفدت جدا مسألة قبول الاّخرين ... رغم اختلافي مع منهجهم أو اّرائهم ... منهج التعصب والجمود مرفوض لأنه نابع من غرور شخصي واعتداد قد يكون غير مبرر بالنفس .... أغرب الاّراء والمواقف احب سماعها ومحاولة تفهمها دون السعي لانتقاد الاّخرين ورفضهم دوما في محاولة بائسة للاحساس بأني افضل او أنني (أكثر منك مالا وأعز نفرا) .... طبعا تبدا المشاكل عندما أتحاور مع واحد من أصحاب توكيل الحقائق والأخلاق والدين ... بكلامهم الغليظ المليء بصيغة اخرس انت بقى اللعينة .. متهيألي حكاية الرسم دي صعبة شوية
هل تكتفى بفتح صفحات من يعقبون بردود فى مدونتك أم تسعى لاكتشاف المزيد؟
أحاول اكتشف المزيد ... لكن المشكلة كما قلت ... الاستمرار في المتابعة
ماذا يعنى لك عداد الزوار.. هل تهتم بوضعه فى مدونتك؟ (دي أكيد هالة سرحان) 0
في البداية وضعته على سبيل الموضة ... من المفيد أن يشعر الانسان أن معدل التوافد يتزايد ... لكن بعد ذلك نسيته تماما وظل العداد كوحمة بيضاء في ذيل الصفحة
هل حاولت تخيل شكل اصدقائك المدونين؟ اعترف (دة محقق من رعب الدولة شكله كدة) 0
دة أكيد ... لازم لما ييجي اسم لمدون ما (حتى لو مش صديق) أقوم فورا وبدون وعي بوضع معادل بصري للاسم ... ودة مع الوافدين الجدد ... فمن باب اولى أن يكون للأصدقاء طبعا ... وهوة دة اللي حصل بالضبط يافندم ... بس مش عارف أنا موفق في تصوراتي ولا لأ
هل ترى فائدة حقيقية للتدوين؟ .. اشرب العصير الأول (واضح انه قلب على محمود سعد جدا) 0
ر (اطفح العصير على بق واحد)هذا يتوقف على تعريفنا للفائدة ... هل هي منفعة شخصية للفرد (السعادة , التطهر , متعة المشاركة , رغبة أثيرة في الروشنة ) ... أم المنفعة العامة ( تغيير حقيقي للواقع , نشر أفكار ومباديء أو تنمية وعي معين أو تدمير معتقد فاسد , تحقيق اي مطالب شعبية عريضة عن طريق الضغط المستمر ) ... انا متأكد من مسألة المنفعة الفردية ... اما العامة ... فالمشكلة أننا - غالبا - نكلم بعضنا فيما اتفقنا عليه ونعيش لذة اجترار الأمور (يعني برضه قلبت بمنفعة شخصية) لاأقول مافيش فايدة , ولنذهب جميعا الى ترب الغفير ... لكن المحاولة نفسها محترمة ومطلوبة ... خاصة اذا كان نشاط التدوين في مصر يعتبر وليدا نسبيا (رغم مساحة الوعي العجيبة التي يلمسها الانسان من خلاله) 0
هل تشعر أن مجتمع المدونين مجتمع منفصل عن العالم المحيط بك أم متفاعل مع احداثه؟
انا اصلا اعرف الواقع وأتابعه من خلال المدونين وكتاباتهم ... يعني الجرايد ونشرات الأخبار تكون صدى لأمر عرفته هنا أولا ... حتى المدونات التي تبني العالم الافتراضي الجميل الخاص بها , حتى في خضم محاولاتها للهروب .. شديدة الاقتراب من الواقع ... لا .. لاأعتقد أنها منفصلة على الاطلاق
هل يزعجك وجود نقد بمدونتك ؟ أم تشعر انه ظاهرة صحية؟ (عمرو اديب على مايبدو) 0
نفس منهج تقبل الاّخر ...كيف أدعو لشيء وأرفضه اذا مسني ... احترامي لرأي الاّخرين أيا كان أعتبره جزءا أساسيا من احترامي لذاتي ... وهو ظاهرة صحية والا فان البديل الرسمي الصريح للنقد هو التسنيج
هل تخاف من بعض المدونات السياسية وتتحاشاها؟ هل صدمك اعتقال بعض المدونين؟
وليه أخافها؟ ... مسألة الاعتقال متوقعة لأي معارض عموما في بلدنا ... جت على المدونين؟
هل فكرت فى مصير مدونتك حال وفاتك؟
السؤال دة عجبني جدا ... يمكن أكتب قصة أو تدوينة عن هذا الأمر ... بس مافكرتش لسة ..اصلي بفكر في مصيرها وأنا لسة عايش أصلا وشكله مصير مش ولابد
آخر سؤال : تحب تسمع أغنية إيه- بلاش صيغة آمال فهمى دى - ما الاغنية التى تحب وضع اللينك الخاص بها فى مدونتك؟ (لأ بس هية الست اّمال فهمي فعلا ) 0
ماليش في الأغاني الصراحة ... ممكن مقطوعة لوسمحتي ؟ .. ميرسي جدا ... فيه مقطوعة جميلة اتعزفت في نهاية فيلم شفرة دافنشي .. الموسيقى للعبقري (هانز زيمر) ... الراجل دة مفتري عموما ... فيه كذلك تيمة قائمة شندلر للعظيم (جون ويليامز) ... ممكن برضه ... طب خلاص عشان وقت البرنامج
اكتب اسماء خمسة مدونين ليقوموا بهذا الاسقصاء بعدك
طب اجيب خمسة منين دلوقتي؟ ... نشوف وأرجو مايكونش حد من اللي هاقوله يكون عمله
حائر في دنيا الله , اياكش تولع , كلبوزة وسمباتيك , ابيتاف , شغف
يارب مايكسفوني .. نزل التتر يابني

Tuesday, August 08, 2006

سارة .. مانويلا ... المخدرات وصلت مصر


أشهد أن لا اله الا الله ... وأشهد أن محمدا رسول الله
وبعد طول انتظار ... وبعد صبر الأيام وسهر الليالي و حرب اطاليا ... تكرم سماحة القائد الأعلى وزير الصحة باعتماد نتيجة النيابات
الحمد لله
أتتني اخيرا نيابة التخدير المرجوة في القاهرة
وبعد أن تيبست المشاعر واهترأت الأعصاب وسالت الدموع والدماء على بلاط التكليف بالريف العفيف ... لازال بالمرء نفخة روح يمارس بها الحياة بعد أن ظل ممارسا عاما لعام كامل
انتهى عصر اللاهوية ... انتهى زمن البوسكوبان والكورتيجين ... واّلاف العيال الذين (يسترضون) و(يستنطقون) ويشكون من (اّلام بالمحاشم) ... يامحاشم الصدف
وداعا يامستشفى شلهوب العرس (بكسر العين وفتح الراء وضم الساقين) ... انا ذاهب للزحمة وعوادم السيارات وتذكرة المترو أم جنيه
الحمد لله تاني
المخدرات وصلت مصر يابن رشد .... المخدرات في أمان
______________________
لم نمت بعد .... يمكننا أن نبدأ من جديد
;